بعد أن تردد صداها على مدى أيام، سكنت أنغام الهبوت والزامل وحناجر أبناء الجبل وحنين الإبل، بعدما وصلت (الخطلة) إلى مقاصدها، واكتملت رحلة الإنسان والإبل السنوية إلى أعالي الجبال وأعماق الوديان بظفار.
وفي كل عام وبعد انقشاع سحب الخريف وانكشاف الضباب على سهول وجبال محافظة ظفار، ومع بدء فصل الربيع المسمى (الصرب ) محليا تبدأ (الخطلة) التي تعود فيها الإبل إلى الانتشار بالجبال والوديان بعد أن قضت فصل الخريف وهي في عزبها بسهول المحافظة لا تبتعد كثيرا وتظل في أماكن محدودة نظرا لظروف الخريف.
وفي مشهد احتفالي تراثي حافظ عليه مربو الأبل بظفار على مدى عصور متعاقبة شهدت المحافظة خلال الأسابيع الماضية خطلة الإبل السنوية، وعادت الإبل إلى الأودية والجبال برفقة أصحابها في رحلة صعود من السهل إلى الجبل ونزول إلى الأودية استمرت أياما في أجواء امتزجت فيها علاقة الإنسان بالطبيعة وتكشفت العلاقة بين الانسان والإبل وكيف يسعى ملاك الإبل إلى راحة إبلهم واختيار الأمكنة المناسبة لها للرعي والحفاظ على تنقلها بسلام من السهل الى الجبل والوادي.
أحمد بن سعيد معتوق جوماع الكثيري أحد ملاك الإبل والمشارك في خطلة الإبل التي تمت منذ فترة بجبال ظفار تحدث بشكل تفصيلي عن هذه الظاهرة الموسمية وقال: الخطلة هي لحظة انطلاق الإبل من السهول إلى وديان وجبال ظفار مع بداية موسم الربيع والذي يطلق عليه محليا (الصرب)، حيث يتم جمع الإبل لتنطلق بأعداد كبيرة يصل عددها إلى الآلاف على شكل قطعان في مختلف السهول، وتسير بشكل جماعي برفقة أصحابها الى الوديان والجبال قاصدة أغنى المراعي.
وأضاف أحمد الكثيري: تصاحب الخطلة الأهازيج والفنون التراثية المختلفة كفن النانا والهبوت والزامل والدبرارت، حيث يتغنى ملاك الإبل المرافقون لها في رحلة (الخطلة) بهذه الأهازيج وهم يرتدون الزي التقليدي الذي يتميز به أبناء الجبل في المحافظة (الصبيغة)، ويسير كبار السن والشباب والأطفال مع الإبل يعتنون بها ويحافظون على عبورها وانتظامها وهم يرددون الفنون الشعبية ويعيشون اللحظات باستمتاع وفرح وفخر، مستبشرين بمراعٍ وفيرة لإبلهم ويستمتعون بمشاهدتها وهي ترعى من الأعشاب والأشجار الخضراء التي نبتت وأورقت وارتوت من أمطار ورذاذ الخريف، يعبرون معها مشيا على الأقدام وعيونهم تراقب الصغيرة والكبيرة من الإبل حفاظا عليها من الضياع أو الاختلاط بمجموعات أخرى، ويساعدون التي تضل طريقها للعودة بها إلى القطيع .. هكذا يقضون النهار .
وقال الكثيري: قبل الغروب وعند الاتفاق جميعا على المكان الذي سنقضي فيه الليل نقوم بحلب الإبل وتجميع الحليب، ثم نتأكد من أن الإبل قد استقرت في المكان الذي نبيت فيه، فنتجمع لنقضي الليل في إعداد وجبة العشاء والتي عادة ما تكون من اللحم ونقوم بإعداد الشاي والتجمع في حلقة نتبادل الأحاديث ونردد الأهازيج الشعبية والشعر ونتسامر في حكايات من الماضي ونروي المواقف خلال رحلة اليوم الماضي ونحدد خطة السير لليوم التالي، في جو طبيعي بعيدا عن صخب المدن.
وأوضح الكثيري أن الخطلة تتزامن مع موسم الصرب حيث تتوافر المراعي في الوديان والجبال مما يؤثر ذلك بشكل إيجابي على وفرة إدرار الحليب في الإبل، مؤكدا على أن وفرة حليب الإبل سمة من سمات الخطلة، إضافة إلى ازدهار الزراعة التقليدية مثل الخيار والذرة واللوبيا الجبلية.
أعراف
أضاف الكثيري: للخطلة أعراف اجتماعية وقوانين يتمسك بها كل رعاة الإبل بحيث لا تتجه الإبل إلى الوديان إلا بعد أن ينتهي تساقط الأمطار وتجف الأرض وذلك بهدف الحفاظ على الغطاء النباتي ويتم بعد ذلك تحديد موعد الخطلة ويبلغ بها الجميع ويتجه كل قطيع إلى المكان المعروف دون أن يتجاوز حدوده إلى أماكن أخرى.
ترحال أسري
وأشار أحمد الكثيري إلى أن كل العائلة كانت تشارك في الخطلة وتنتقل مع تنقل الإبل من مكان إلى آخر، في ترحال متعارف عليه مع أهالي الريف من أصحاب الإبل، أما الآن فقد انحصر الأمر على الرجال ومن يشاركهم من المهتمين والعابرين والعمال الرعاة.
أودية الخطلة
وبيّن الكثيري أنه لا توجد خطلة أكبر أو متميزة عن الأخرى إلا أن أشهر الوديان التي تخطلها الإبل هي دربات وخشيم وجينين ووادي الشيخ وثيدوت وعربوت ونحيز وجرزيز وجردوم وغيرها الكثير من الوديان في جبل سمحان والقمر.
وأكد أحمد بن سعيد معتوق جوماع الكثيري أن هذا الموروث بدأ يستعيد مكانته من جديد، حيث تجد الكل يسعى للمشاركة في موسم الخطلة وخاصة من الشباب والأطفال، مشيرا إلى أنها مرتبطة بوجود الإبل في جبال وسهول ظفار وهي نمط رعوي واجتماعي متوارث منذ القدم وليست ترفا بأي حال من الأحوال ولذلك استمراريتها مرتبطة بوجود الإبل في جبال ظفار.
