(1)
–أ–
حين تخفق كل قوى المجتمع، وأطيافه، وفاعليَّاته في أداء حتى الحد الأدنى من مهماتها، فما أسهل توجيه تهمة الإخفاق الذريع إلى الأدب والفن.
كم هو مؤسف للغاية أن لا الآداب ولا الفنون دخلت إلى أمعاء البشر كي تقول لهم: أنتم جائعون، وظامئون، وعراة فكيف أستطيع أن أساعدكم؟!
كم هو مؤسف للغاية أن لا الآداب والفنون استطاعت أن تقدِّم للناس ما يبدو انهم هم بأنفسهم لا يرغبون فيه إلا بالدرجة الثانية فحسب.
–ب–
“من الواضح بالنسبة لي أن البشريَّة لم تتعلم شيئا من الآداب والفنون طوال تاريخها” (أندريه تاركوفسكي، “النَّحت في الزمن: تأملات في السينما”).
–ج–
“إن السَّمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولا” (“الإسراء”).
(2)
تقريبا، أصبح الحال لدينا هنا في عُمان هو نفسه ما قاله الراحل العزيز أحمد راشد ثاني منذ سنوات بعيدة على ما يحدث في مكان آخر، وليس هذه البلاد تحديدا (لا أتذكر الليلة بالضبط فيما إذا كان قد قال ما سيلي ذكره في سهرة أو في مادة منشورة): “مسموح لك أن تقرأ ما تريد، ولكن من غير المسموح لك أن تقرأ كما تريد”.
تقريبا، كل الكتب متاحة (حتى تلك التي تُمْنَعُ في معرض الكتاب في وسعك قراءتها إلكترونيا — أحيانا ببعض القرصنة — أو حتى أن تطلبها لتقرأها ورقيَّا بطريقة شخصية).
مسألة “منع الكتب” هي مسألة العسف الغبائيِّ الطريف، والظريف، واللطيف الذي لا يزال يستوطن المؤسسة وينخر رأسها (تقريبا إلى الدرجة التي تضطر فيه الكوميديا والتراجيديا إلى إعادة تعريف نفسيهما: لا بد من قليل من الكوميديا في التراجيديا كي تكون الثانية ناجحة؛ هكذا تقول إحدى نصائح مؤسسي المسرح الكلاسيكي الإغريقي).
لكن الكارثة هي أن لا ندوات تقام حتى لمناقشة الكتب “المسموح بها”، وتتأفَّف الصحافة عن التعرض لها، ويصبح الأمر — في الغالب — نوعا من أنواع الاقتناء وليس التفكير؛ ضربا من ضروب الفضيحة التي لا ضير فيها.
وسوف تُقْدِم المؤسسة على “سماحات”، و”غُفرانات”، و”تساهلات”، و”مُرونات” أخرى سيفرح لها الجميع، لكنها لن تجدي نفعا؛ فمن طبيعة المؤسسة أن “تسمح” بالشيء فقط حين يزول تهديده لها، وخطره عليها، ووجاهته في ثغراتها، ثم ينضم ذلك الشيء إلى قائمة طويلة من عناصر شَرْعَنَتها، ومكياج حداثتها، وديكور عصريَّتها؛ هذا مع إحكام إمساكها رقاب الجميع على الطريقة القروسطيَّة.
وسوف يرقص الجميع بمحض الخير، والنور، والسرور، والحبور (بمن في ذلك “المثقفون” الأشاوس الذين لا يبدو أنهم قد شبعوا من الإهانات، والإذلالات، والبُصاق حتى تاريخ نقر هذه السطور).
أظن أن علينا توقع الكثير والمزيد من التصفيق والرقص.
(3)
في صباي انتشرت بيننا — نحن معشر الصِبْية الصغار — نكتة تذهب إلى أن أحدهم سأل آخر عن وظيفة العينين، فردَّ هذا: كي نرى بهما. ثم أردف الأول: وما غرض الأذنين؟، فكانت إجابة الثاني: هدفهما هو تعليق النَّظَّارة!
أما اليوم فأعتقد أننا بالغنا كثيرا في الضحك والغباء؛ لأن الأذنين، في الحقيقة، لديهما قدرة هائلة على الإبصار والاستبصار معا.
(4)
الإبداع سابق للنقد. هذه قناعة راسخة لديَّ كما هو الحال لدى كثيرين غيري. لكن الإبداع ليس بالضرورة متفوقا وفي كل حال على النقد (فالنقد إبداع بطريقته). وسبب مغالاة البعض في النظر إلى النقد بِعَيْنٍ عاجيَّة قد يكون هو كثرة النقاد الذين يشرحون وهم يمضغون العلكة والنظريات، وقلَّة النقاد الذين يثيرون المشاكل وهم يحملون المعاول.
وتبقى هناك مشكلة أخرى: “لا أحد يستطيع أن ينقد النُّقاد” (أرسُن وِلز، من حوار تلفزيوني مع مايكل باركِنسُن).
(5)
–أ–
في أي درجة من الانخراط في أي مشروع جمعيٍّ/ ثوريٍّ/ ثقافي/ بل وحتى إنساني بالمعنى العام إلخ (حتى ولو كان ضروريَّا والمرء مقتنع به تمام الاقتناع)، فإنه لا يمكن أن تكون وحيدا وغريبا أكثر مما هو الحال عليه فيه، ولا تكون في حاجة إلى الفرار من جديد بسرعة أكبر وأكثر مما أنت تريد أن تفرَّ منه إلى أنأى وأصغر جزيرة في العالم، وأكثرها وحشة وقفرا.
–ب–
أكتشف الليلة أن كل حياتي الضئيلة هي مشروع للوصول إلى تلك الجزيرة النائية والموحشة. وأعتقد أنني صرت قاب موجتين أو أدنى.
(6)
قبل بضع ليال شاهدت فيلم “ثلاثة قروش لبحار” للمخرج التشيلي راؤول رويز. ثمَّة في الفيلم مشهد تتفصَّد فيه الدِّيدان من صدر أحدهم، ثم تمضي أحداث الفيلم متصاعدة، ومتشابكة، ومعقَّدة (على الطريقة الرويزيَّة) بحيث إننا نكون قد نسينا ذلك المشهد. قُبيل نهاية الفيلم يحدث استذكار وسؤال عن الدِّيدان بين الشخصيتين اللتين ستقتل إحداهما الأخرى. “ذلك كان الشِّعر”، هكذا توضح الشخصية الأمر.
وهل تعلمين ما قلت في نفسي؟
لقد قلت: ذلك كان الحب (ولست مضطرَّا للقول إني أحببتك أكثر في ذلك المشهد).
(7)
بعد أكثر من نصف قرن، ينسرب إلى القرية في آخر الليل ليقف على نفس ذلك الكثيَّب كي يملأ رئتيه بتلك النجوم الكبيرة، وذلك الهواء الصغير.
(8)
–أ–
أصحاب الحل والعقد الثقافي في أواخر القرن العشرين (خاصة أولئك الذين أوغلوا غيَّا، وحقدا، ومركَّبات نقص، وتشهيرا، وعنفا، وصَولا وجَولا بلا محاسِب أو رقيب بل بالبطش والعسف بصولجان الغطرسة المفرطة فحسب، ومحاربة الناس في أرزاقهم وفي سمعتهم وشرفهم الشخصي بالضوء الأخضر من المؤسسة، في التسعينيَّات) لا يزالون هم أولي الأمر في الألفية الجديدة.
–ب–
فيما يخصني، لا بأس في الحياة إلى القرن الثاني والعشرين (في الأقل).

