مع اقتراب موعد الانتخابات الليبية والمقررة إجراؤها في 24 ديسمبر المقبل، وبروز الكثير من نقاط الخلاف حول قانون الانتخابات الذي اقره “البرلمان الليبي” في مدينة طبرق، وترشح بعض الشخصيات الخلافية، كسيف الاسلام القذافي، وقائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، يتواصل الجدل حول امكانية اجراء الانتخابات في موعدها المحدد.
والاربعاء دعا المجلس الأعلى للدولة في ليبيا إلى تأجيل إجراء الانتخابات الرئاسية إلى فبراير القادم.
ولم تعلن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بعد قائمة نهائية بأسماء المرشحين للسباق الرئاسي بعد عملية متشعبة للطعون القضائية بشأن أهلية 98 مرشحا سجلوا أسماءهم لخوض الانتخابات.
ويهدد الجدل المثار حول بعض المرشحين المثيرين للانقسام الشديد، بما في ذلك شخصيات بارزة في الصراع الليبي، بتقويض الانتخابات.
وكشفت هذه الخلافات عن مشاكل أعمق حول أساس عملية التصويت التي انحرفت بالفعل عن خارطة طريق تدعمها الأمم المتحدة كانت قد تضمنت التصويت وقانون الانتخابات المثير للجدل الذي أصدره رئيس البرلمان في سبتمبر.
وترى خارطة الطريق في الانتخابات وسيلة لإنهاء الخلافات حول شرعية الهيئات السياسية المتنافسة في ليبيا، والتي تشكلت خلال فترات انتقالية سابقة في أعقاب انتفاضة 2011 التي أطاحت بمعمر القذافي.
ويخشى بعض الليبيين من أن تفجر الخلافات حول عملية الانتخابات الحالية أزمة مماثلة لتلك التي أحاطت بانتخابات 2014، حين انقسمت ليبيا بين فصائل شرقية وغربية متحاربة وإدارتين متوازيتين في طرابلس وبنغازي.
“جزءاً من المشكلة”
طُرحت في الأمم المتّحدة الأربعاء الماضي تساؤلات حول نزاهة الانتخابات الرئاسية المقرّرة في ليبيا بعد ثلاثة أسابيع، مع تشديد الأمين العام للمنظمة الدولية على وجوب أن لا يكون هذا الاستحقاق “جزءاً من المشكلة” وتشكيك رئيس مجلس الأمن الدولي بتوفر الشروط اللازمة لإجراء انتخابات ديموقراطية.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال مؤتمر صحفي “نريد أن تكون هذه الانتخابات جزءاً من الحلّ وليس جزءاً من المشكلة” في ليبيا.
وأضاف “بناء عليه، سنبذل قصارى جهدنا لتسهيل إجراء حوار يتيح حلّ المسائل المتبقية… التي يمكن أن تقسّم ليبيا” و”إجراء الانتخابات بطريقة تساهم في حلّ المشكلة الليبية”.
أما سفير النيجر لدى الأمم المتّحدة عبده أباري الذي تتولّى بلاده الرئاسة الدورية لمجلس الأمن خلال ديسمبر الجاري فبدا أكثر تشاؤماً حيال سير الانتخابات المرتقبة في ليبيا.
وإذ شدّد أباري على أنّه يتحدّث بصفته سفيراً لدولة جارة لليبيا وليس رئيساً لمجلس الأمن الدولي، قال إنّ “شروط إجراء انتخابات حرّة وذات مصداقية وديموقراطية وتوافقية، وهي مدماك أساسي لعودة السلام والاستقرار إلى ليبيا، لم تتحقّق بعد”.
وأضاف أنّ “المقاتلين الأجانب ما زالوا في ليبيا، وخط التماس ما زال في مكانه، ولم تحصل إعادة توحيد حقيقية للقوات العسكرية” في الجارة الشمالية لبلاده.
وشدّد أباري على أنّ “هذه ليست وجهة نظر مجلس الأمن، بل تحليل نقوم به. الوضع ليس ناضجاً بما فيه الكفاية، هو لم ينضج بما يكفي للسماح بإجراء انتخابات يمكن أن تؤدّي إلى استقرار وأمن دائمين في ليبيا”.
وأكّد الدبلوماسي النيجري على أنّ بلاده لا تؤيد الموقف القائل بأنّه “يجب الذهاب إلى الانتخابات مهما كان الثمن وبغضّ النظر عن نوعيتها”.
ووفقاً لأباري فإنّه من أصل أكثر من 20 ألف مقاتل أجنبي، بين مرتزقة وعسكريين أجانب أكّدت الأمم المتحدة وجودهم في ليبيا، “هناك ما بين 11 ألف و12 ألف سوداني” و”بضعة آلاف من دول في الساحل”.
وأضاف “بصفتنا دولة مجاورة، نريد أن تجري عملية تسريح (هؤلاء المقاتلين) بتنسيق تامّ مع الدول المجاورة” التي يتحدّر منها هؤلاء المقاتلون.
مرشحون تحت المجهر
الاربعاء الماضي أصدرت محكمة استئناف طرابلس حكماً لصالح عبد الحميد الدبيبة رئيس الوزراء ورفضت طعنين بحقه وأعادته إلى قائمة مرشحي الانتخابات الرئاسية، وفق ما ذكرت وسائل إعلام محلية.
وقدم الطعون فتحي باشاغا المرشح المنافس وعدد من الشخصيات الأخرى بدعوى أن الدبيبة لم يتقدم بما يفيد توقفه عن العمل قبل 3 أشهر من تاريخ الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر الجاري، بحسب لائحة قانون الانتخابات الرئاسية.
وأكد عبد الرؤوف قنبيج محامي الدبيبة، صدور قرار لصالحه، وأشار عقب خروجه من المحكمة إلى أن “الحكم نهائي وغير قابل للطعن”.
كما قضت محكمة استئناف في جنوب ليبيا الخميس بإعادة سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الليبي الراحل معمّر القذافي، إلى قائمة مرشّحي الانتخابات الرئاسية، بعدما قبلت طعناً قدّمه بقرار إقصائه من هذه اللائحة.
وأكدت أوساط القذافي (49 عاما) لوكالة فرانس برس النبأ الذي نقلته في وقت وسائل إعلام محلية عن مصادر متعددة بأن محكمة استئناف سبها قضت بقبول الطعن الذي قدّمه سيف الإسلام القذافي وإعادته إلى السباق الانتخابي، وذلك بعدما استبعدته المفوضية العليا للانتخابات من قائمة المرّشحين للانتخابات الرئاسية لمخالفته شروط الترشّح بموجب قانون الانتخابات.
وأكد خالد الزائدي، محامي سيف الإسلام القذافي، صدور قرار حكم محكمة الاستئناف، وإلغاء قرار مفوضية الانتخابات باستبعاده موكله.
وتناقلت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد لاحتفالات نظّمها عدد من مؤيدي وأنصار سيف الاسلام أمام مبنى المحكمة، معبّرين عن فرحتهم بعودته لقائمة مرشّحي الانتخابات.
ويرى المحلل السياسي عماد جلول أن سيف الإسلام استغل الصراع والفوضى لتمرير مشروعه السياسي.
ويوضح لفرانس برس “سيف الإسلام يعرف جيداً أن أحكام القضاء في ليبيا لا تحظى بقوة على الأرض لتنفذ، ويعوّل على المناخ المنقسم بين الأطراف المختلفة، ليقدّم مشروعه السياسي الطموح ويظهر بأنه المنقذ لليبيين من الصراع المستمر على السلطة”.
ويضيف “يظل أنصار القذافي لهم ثقل في الانتخابات، وهم يمثلون شريحة شعبية واسعة، وربما تصل أصواتهم بسيف الإسلام إلى مقاليد السلطة بشكل درامي”.
بدوره، يعتبر الباحث الدولي المختص بالشؤون الليبية جلال الحرشاوي أن تقدم سيف الإسلام ترشيحه للانتخابات الرئاسية، سوف يزيد من “هشاشة” العملية الانتخابية برمتها.
ويقول لفرانس برس “حقيقة أن سيف (الإسلام) يترشح الآن لا يمكن إلا أن يزيد من هشاشة المشروع الانتخابي، والارتباك في الوضع القائم”.
في المقابل ألغت محكمة استئناف طرابلس في ليبيا الاثنين حكما ابتدائيا باستبعاد خليفة حفتر من الانتخابات الرئاسية.
وذكرت قناة “ليبيا الاحرار” عبر حسابها بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر” الاثنين، أن محكمة استئناف طرابلس أبطلت حكم محكمة الزاوية باستبعاد خليفة حفتر من سباق انتخابات الرئاسة وأعادته إلى المنافسة.
وشن حفتر حروبا على الفصائل في الغرب بعدما انقسمت ليبيا عام 2014، ومن ذلك هجوم دام 14 شهرا للسيطرة على طرابلس تمكنت الحكومة المعترف بها دوليا من صده.
هشة للغاية
يضيف حرشاوي إن فرص إجراء الانتخابات في الموعد المحدد “قليلة جدا”. كما أن العملية الانتخابية “هشة للغاية وغير مكتملة وفيها خلل، ومؤسسات طرابلس تعاني من الانقسامات السياسية”، معتبرا أن “العنف والاستقطاب سيستأنفان قبل 24 ديسمبر”.
وتلخص كلوديا غازيني الخبيرة في مجموعة الأزمات الدولية أن أساس كل هذه المشاكل “وجود قانون انتخابي غير واضح”، مع “تناقضات”.
وتقول غاتزيني “من وجهة نظر تنظيمية وتقنية وقانونية، احتمال (تنظيم الانتخابات) منخفض للغاية، لكن تحالفًا على المستوى الدولي يواصل القول إنه يجب تتم في 24 ديسمبر”.
كما تحوم شكوك حول قدرة السلطات على حماية مراكز الاقتراع. ويقول حرشاوي “لا يتوهم أحد أن الأمن سيكون مضمونًا في جميع مراكز الاقتراع في هذا البلد، بحجم يصل إلى ثلاثة أضعاف فرنسا”.
ويتابع “في كل السيناريوهات، سيكون هناك تزوير ومقاطعة وحصار وترهيب للناخبين واشتباكات…، أكثر السيناريوهات تفاؤلاً هي تلك التي لا تكون فيها هذه المخالفات مذهلة أو ضخمة للغاية”.
لا اتفاق على قواعد الانتخاب
ولم تتفق الفصائل المتنافسة في ليبيا حتى الآن على قواعد الانتخابات المقرر انعقادها بعد أقل من ستة أسابيع، وفقا لخارطة طريق السلام التي دعمتها الأمم المتحدة العام الماضي.
ودعت خارطة الطريق الكيانات السياسية الليبية إلى الاتفاق على أساس دستوري للتصويت ثم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في التوقيت نفسه.
ومع ذلك، لم يكن هناك اتفاق على الدستور. وحدد قانون الانتخابات الوحيد، الذي أصدره رئيس البرلمان في ظروف مثيرة للجدل، 24 ديسمبر موعدا للتصويت فقط للجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.
وسيتبع ذلك جولة ثانية من هذه الانتخابات والانتخابات البرلمانية في يناير أو فبراير، وفقا لهذا القانون الذي ينص أيضا على أن أصحاب المناصب الراغبين في الترشح يجب أن يتنحوا عن مناصبهم قبل ثلاثة أشهر من يوم الاقتراع.

