لا أحد يختلف على أهمية حرية الرأي وحرية التعبير سواء كان ذلك عبر المؤسسات الصحفية والإعلامية أو في المؤسسات التعليمية والأكاديمية أو في مطلق حياة الإنسان اليومية. الحرية قيمة أساسية من قيم الحياة وأحد طرق نموها وتقدمها والإنسان المكبل في قيوده لا يستطيع أن يخطو خطوة نحو الأمام وإن حدث فإنه يبقى متعثرا يعيد تدوير اللحظة التي هو فيها. هذا المبدأ ثابت لا خلاف عليه، ومن نافل القوة إعادته، لكن الخلاف الذي تعيشه المجتمعات دائما عبر الزمن حول الحرية يكمن في فهمنا لها، وفي معرفة حدودها: متى تبدأ وأين تنتهي؟
وعاشت المجتمعات جميعها هذا الخلاف وتداعياته في سُلَّم نموها وتقدمها، ومع الوقت استطاعت الكثير من المجتمعات أن تبلور فهمها الخاص حول حدود الحرية وإن بقي هو الآخر قابلا لإعادة النظر والجدل كلما تطورت المجتمعات وتعقدت، على أن ذلك الجدل دائما ما يطول التفاصيل العامة وآلية تطبيقها أما الجوهر فيكاد التوافق عليه مستمرا. وفي مقدمة ذلك التوافق أن هدف الحرية هو البناء وتطوير المجتمعات لا هدمها أو إضعافها، وهذا مبدأ أساسي في مطلق الحديث عن الحرية في حياتنا اليومية.
والأمر نفسه بالنسبة لحرية الصحافة، إنها أداة من أدوات تقدم المجتمعات الحديثة ودفعها في طريق المستقبل ومع الوقت أعطيت الصحافة اسم «السلطة الرابعة» في إشارة إلى دورها الكبير. وهذا مما يتفق عليه الجميع أيضا لكن لا يمكن أن نفهم قدرة الصحافة على القيام بتلك السلطة دون أن تتحلى بالمهنية، والمصداقية والمسؤولية وهذه المسؤولية تقود الصحافة إلى الحفاظ على قوة المجتمعات لا أن تنزلق في إضعافها ووصمها بالخذلان بوعي منها أو دون وعي.
ولذلك تضع كل صحيفة في العالم قائمة بسياساتها التحريرية التي تنطلق من رسالة تلك الصحيفة ورؤيتها وهدف وجودها حيث يأتي الخط التحريري محققا لتلك الرسالة وداعما لها، ثم تأتي بعد ذلك مواثيق الشرف المهنية التي توقع عليها المؤسسات الصحفية كما يوقع عليها الصحفيون أنفسهم ويتعاهدون بالالتزام بها حتى في أصعب اللحظات وأخطرها.
ولذلك تلتزم أغلب صحف العالم بخطاب صحفي متزن ومهني لأن المشتغلين فيها ملتزمون بتلك القيم وبتلك السياسات منذ اللحظة الأولى لدخولهم عتبة الصحف والمؤسسات الإعلامية التي يعملون فيها. وفي حالة الإخلال بتلك القيم فإن المؤسسات المنظمة للعمل الصحفي سواء كانت مؤسسات المجتمع المهني ونقاباته في أغلب دول العالم أو وزارات الإعلام تتدخل من أجل إعادة الخطاب الإعلامي المهني إلى سياقه الصحيح. لكن المشكلة تحدث في وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها إعلاما جديدا لا يخضع- حتى الآن- لمواثيق الشرف المهني ولا يملك سياسات تحريرية تنطلق من فهم مؤسسي؛ لذلك تغيب المهنية بكل تجلياتها وينزلق الخطاب- أحيانا- إلى مساحات واسعة من الفوضى والخطاب الشعبوي الذي يلقى الكثير من الرواج مع الأسف الشديد.
والدور المهم الآن والأساسي للخروج من هذا المشهد هو أن تطرح مؤسسات المجتمع سؤال مفهوم الحرية وحدودها ودورها أين تبدأ وأين تنتهي قبل أن ينفلت الأمر إلى نهايته، وأن تضع المجتمعات مواثيق شرف أو قوانين تنظم فوضى الخطاب في وسائل التواصل الاجتماعي وإلا فإن على العالم أجمع أن يستعد لأجيال يعلم الله وحدها في أي اتجاه تسير وبأي قيم تؤمن.
