كان حلم العالم عشية رحيل عام 2020 أن يكون العام الجديد عام التعافي من وباء فيروس كورونا، وعام عودة الحياة إلى طبيعتها بعد عام وصف بأنه الأسوأ على الإطلاق للبشرية التي عاشت في حجر منزلي جبري وتخلت عن كل المكتسبات الاجتماعية، بل إنها دخلت مجبرة إلى خط الفقر بسبب فقدها لمصادر رزقها.
إلا أن القدر كان يخبئ ما هو أسوأ في تقدير البعض حيث إن موجات الوباء التي بدأت مطلع العام الجديد «2021» كانت هي الأخطر مع انتشار متحور «دلتا» الذي ظهر للمرة الأولى في الهند وسرعان ما فرض حضوره في جميع دول العالم ومناطقه.
فعاشت البشرية في النصف الأول من العام الذي توشك أيامه على الرحيل أوقاتا صعبة على الإطلاق، كانت مواكب الجنائز تسيطر على المشهد في كل مكان، ولا صوت يعلو على صوت الأرقام التي تأتي من كل مكان في طريقها إلى الذروة التي طال انتظارها رغم ما بها من قسوة إلا أن يقين الناس كان يتعلق بها باعتبار أن بعدها تبدأ مرحلة النزول إلى قاع الهرم الوبائي.
وحدث ذلك بالفعل، وأثبتت اللقاحات أنها قادرة على صناعة التعافي المنتظر أو على الأقل تقليل الخطر الأكبر المتمثل في قمة المأساة التي يمكن أن يحدثها الوباء وهي الوفاة، والرحيل إلى العالم الآخر في ظروف استثنائية، مفاجئة وفي ظل وحدة خانقة.
وبدأت الحياة تعود إلى طبيعتها، ورفعت الكثير من القيود ليس في سلطنة عمان وحدها ولكن في العالم أجمع واعتقد عموم الناس على الأقل أن البشرية انتصرت على الوباء ودخل العالم في مرحلة انحسار الوباء إلى غير رجعة.. لكن ذلك لم يحدث ولم يرد العام الثاني للوباء أن يطوي صفحاته الأخيرة دون أن يظهر متحور جديد من جوب إفريقيا هذه المرة حاملا اسما جديدا هو «أوميكرون». جدد المتحور الذي وصفه بأنه الأكثر انتشارا على الإطلاق مخاوف البشرية في كل مكان من خلال قدرته على الهرب من المناعة التي تصنعها لقاحات كورونا.
وعادت الأيام الأخيرة من 2021 كما بدأت يحيط بها الخوف، والترقب والهلع. الخوف من استمرار الحياة بين فتح وغلق، والترقب لما يمكن أن يحدثه تأثير المتحور الجديد والهلع من الإجراءات التي قد تذهب مرة أخرى إلى إغلاق مصالح الناس في سبيل الحفاظ على سلامة المجتمع وأمنه الصحي.
هكذا سارت حكاية العام مع الوباء.. وهكذا كانت التفاصيل:عاشت سلطنة عمان مواجهة حقيقية مع الوباء خلال 2021 وكانت أشهر الصيف إبريل ومايو ويونيو ويوليو أشهر حاسمة في مواجهة صعبة كانت فيها الإصابات اليومية تسجل أرقاما قياسية ومخيفة في الوقت نفسه. وفي الوقت الذي وصلت فيه المؤسسات الصحية إلى حد الانهيار والعجز عن المواجهة بدأت تظهر النتائج المبشرة وبات واضحا أن «الجيش الأبيض» قد انتصر في المواجهة. وإذا كان ثمة سلاح قد حسم المواجهة فإنه سلاح مزدوج تمثل في وعي الناس وفي اللقاحات التي أقبل عليها الناس ما جعل أرقام الذروة تتراجع بشكل مريح ومطمئن حتى وصلت إلى مرحلة «تصفير» المؤشرات الوبائية.
وبلغ إجمالي الجرعات المعطاة في سلطنة عمان قبيل نهاية العام الجاري إلى 6 ملايين و128 ألفاً و76 جرعة. وعمت هذه الجرعات الجميع من عمانيين ومقيمين. وبلغت نسبة التطعيم في سلطنة عمان في حدود 93% بجرعة
في منتصف يونيو 2021 حيث كانت بداية ذروة الموجة الثالثة في سلطنة عمان سجلت وزارة الصحة 30 ألف إصابة خلال ثلاثين يوما سابقة لمنتصف الشهر، وفي الثلاثين يوما التالية لمنتصف شهر يونيو سجلت وزارة الصحة 52 ألف إصابة في المدة نفسها. وزاد عدد الوفيات من 333 وفاة خلال ثلاثين يوما سابقة لمنتصف يونيو إلى 959 وفاة في الثلاثين يوما التالية بنسبة زيادة كبيرة جدا.
وسجلت المؤسسات الصحية في سلطنة عمان أرقام قياسية واستثنائية خلال الموجة الثالثة من الوباء والتي انتشرت في الصيف الماضي حيث وصل عدد المنومين في المؤسسات الصحية إلى 1650 حالة (بتاريخ 28 يونيو) بينها 538 حالة في العناية المركزة (بتاريخ 3 يوليو). واضطرت وزارة الصحة إلى فتح مستشفى ميداني في مبنى المطار القديم. كان المشهد صعبا للغاية في جميع المؤسسات الصحية وكان الأطباء وجميع الطواقم الطبية يواصلون الليل بالنهار. كانت لحظات حرب بامتياز ولكنها حرب في مواجهة عدو لا يرى إلا بالعين المجردة ويتسلل في صدور مرضاه بخفة ولكن بسرعة فائقة. وكانت ذروة المأساة الإنسانية في سلطنة عمان والتي صنعها الوباء في الأول من يوليو حيث سجلت سلطنة عمان في ذلك اليوم أكبر عدد وفيات في يوم واحد.. كان الرقم 50 وفاة، إنها حصيلة يوم واحد فقط.
إجراءات متدرجة
إذا كان «الجيش الأبيض» هو خط الدفاع الأول في مواجهة الجائحة وهو الذي يحسم المعركة فإن غرفة عمليات المعركة كانت في مقر «اللجنة العليا» والتي كانت تدير المعركة وتوجه تحركات الدفاع. وبذلت اللجنة العليا جهدا جبارا كان على الدوام مبنيا على القراءة العلمية وما تقدمه الدراسات الميدانية لمواجهة الوباء.
ومنذ شهر مارس كانت اللجنة العليا تحذر من أن أشهرا صعبة قادمة وعلى الجميع أن يتحلى بالمسؤولية. ولم ينتهِ شهر مارس حتى فرضت اللجنة العليا إغلاقا ليليا يبدأ من الثامنة مساء ويستمر حتى الخامسة فجر اليوم التالي. وبدأ تطبيق القرار من يوم 28 مارس وحتى الثامن من أبريل. إلا أن القرار مدد لشهر كامل بعد ذلك التاريخ ولكن يبدأ من التاسعة مساء وحتى الرابعة فجر، كما قررت اللجنة العليا قصر دخول السلطنة على المواطنين والمقيمين فقط.
وساهمت قرارات اللجنة العليا في كبح جماح الانتشار الجنوني للوباء وكانت حصيلة كل الإغلاق التراجع الكبير لعدد الإصابات وبالتالي عدد المنومين في المؤسسات الصحية وفي غرف العناية المركزة وعدد الوفيات.
لكن ذلك النزوع للحفاظ على الأمن الصحي بين أفراد المجتمع صاحبه تأثير على الجوانب الاقتصادية وكذلك على الكثير من العادات والتقاليد ومن الطقوس الدينية. وكانت اللجنة تحرص دائما على صناعة توازن في المشهد قد الإمكان. واستمرت الصلوات في المساجد مقتصرة على أعداد بسيطة فيما استمر توقف صلاة الجمعة حتى أعيدت نهاية شهر سبتمبر ولأول مرة منذ توقفها في مارس 2020. كان الخبر بالنسبة للناس يعاد خبر التعافي التام فقد عادوا إلى جمعتهم بعد 18 شهرا تقريبا من تعليقها.
الإغلاق التام.. تجربة جديدة
استمرت الإغلاقات في عام 2021 فما كان الناس ينهون إغلاقا إلا ويدخلوا في الإغلاق آخر واستمرت أغلب مساءات العام بعيدة عن أي حركة إلا للضرورة القصوى.
ولا ينسى العمانيون أيام عيد الأضحى المبارك، فقد كانت هذه الأيام هي الأصعب في تاريخ الإغلاقات حيث منعت الحركة تماما طوال اليوم ولمدة ثلاثة أيام.. وأغلقت جميع الأنشطة التجارية على اختلافها ودون استثناء إلا للمؤسسات الصحية فقط. كانت تجربة مختلفة بكل المقاييس ولكنها جاءت بالكثير من النتائج حيث بدأت الأرقام بالتراجع السريع وشعر الناس أنهم أنجزوا ما يمكن أن يساهم في عودة الحياة لهم بشكل كامل.
وبدأ أن الحياة قد عادت بالفعل شيئا فشيئا إلى طبيعتها حين عاد الدوام في المؤسسات الحكومية والخاصة بنسبة 100% شرط الحصول على جرعة واحدة على الأقل من لقاح كورونا وجرعتين مع بداية شهر أكتوبر. هذا الأمر دفع عشرات الآلاف لأخذ اللقاح الذي بات أيضا شرطا لدخول المؤسسات الحكومية والخاصة والمجمعات والمحلات التجارية بل حتى شرطا لزيارة محافظة ظفار أو محافظة مسندم.
الحياة تعود إلى المدارس
وكان من نتائج القرارات التي اتخذتها اللجنة العليا أن عاد طلاب المدارس إلى فصولهم صانعين بهجة الحياة فيها. إلا أن تلك العودة لم تكن طبيعية.. كانت وسط الكثير من الإجراءات المشددة التي تحول دون تفشي الوباء في المدارس.
تم تشغيل المدارس وفق تصنيفين الأول منهما تشغيل الصفوف (1-6) بنظام التعليم المدمج «أسبوع بأسبوع» باستثناء المدارس قليلة الكثافة التي لا يتجاوز عدد طلبتها 20 طالبًا في الشعبة الواحدة فيتم تشغيلها بنظام التعليم المباشر 100%، مع الالتزام بالإجراءات الصحية الاحترازية.
فيما جاء التصنيف الثاني لتشغيل المدارس للصفوف (7-11) بنظام التعليم المباشر 100%، عدا صفوف المدارس التي يزيد عدد طلبتها عن أكثر من 30 طالبًا في الشعبة الواحدة فتم تشغيلها بنظام التعليم المدمج وتم تشغيل الصف الثاني عشر بنظام التعليم المباشر 100%.
وعاد طلبة الجامعات والكليات ومؤسسات التعليم العالي للتعليم الحضوري بالمؤسسات بعد عام ونصف العام من التعليم الافتراضي ـ عن بعد ـ حيث استقبلت المؤسسات التعليمية طلبتها بطريقة تعليمية حضورية مع السماح بوقت محدد للتعليم الافتراضي.
هل عادت الحياة إلى طبيعتها؟
كان هذا السؤال أحد أكثر الأسئلة إلحاحا طوال عام 2021 العام الذي حلم الناس أن يكون عام التعافي وعام انجلاء البلاء والوباء ومع عودة الحياة إلى طبيعتها اعتقد الكثيرون أن الوباء إلى زوال وأن على الناس الذين صبروا عامين كاملين أن يمارسوا حياتهم بشكلها الطبيعي. وكانت المؤشرات الوبائية تتراجع يوما بعد آخر ما زاد من ثقة الناس. إلا أن الأطباء والمتخصصون في علم الأوبئة والفيروسات كانوا يزدادون قلقلا يوما بعد آخر نظرا لخبرتهم في تحورات الفيروسات. ولذلك كان تحذيراتهم مستمرة وكانوا اكثر خوفا من إصرار الناس على عودة الحياة إلى طبيعتها بشكل سريع. ورغم طمأنة عناوين الصحف التي كانت تتحدث عن تراجع المؤشرات الوبائية وبدء التعافي إلا أن الأطباء وحدهم كانوا يراقبون المشهد بكثير من الخوف.
وحدث ما توقعوه.. كان خبر ظهور المتحور «أوميكرون» صادما جدا، وتركزت الصدمة في قدرته على التهرب من المناعة التي تصنعها اللقاحات. ما يعني أن المشهد يعود إلى مربعه الأول إلا بلطف الله وحده.
وإذا كان العام قد بدأ بحلم الخلاص من الوباء بالتعافي فإن العام نفسه يودع آخر أيامه بنفس الحلم وبنفس إلحاح الرجاء ولكن هذه المرة بتوقعات أرقام كبيرة من الإصابات بالمتحور الجديد.
وبين الأمل والرجاء تبقى المعركة مع الوباء مستمرة.. فمن يحسم المواجهة ومتى؟!
