قد يشد انتباهك اخأ القارئ / أختي القارئة عنوان هذه الكلمات والتي تصيب الفكرة التي أريد إيصالها بكافة احتمالات السياق وتشكيل الفتحة والضمة الصحيحة التي قد تضعها لذلك العنوان. عموما جاء ذلك من قرية امطي الكائنة في ولاية إزكي التي تشهد تجربة رائدة من خلال تبني الفنانة التشكيلية مريم الزدجالية – مع جهات أخرى – تطوير حارتي العين والسواد اللتان تحملان قيمة حضارية وأثرية بلمسة فنية – وفقا لتخصصها – تعيد فيه تشكيل المكان وتضفي عليه مظهر متجدد وقيمة مضافة وهذا مثال رائع للقول (زرعوا فحصدنا ونزرع فيحصدون).
إن مثل ذلك لهو خير تطبيق لتواصل الحضارة وتخليد الإرث وهنا تكون المسؤولية علينا جميعا في استثمار الفرص في كل المواقع الأثرية والتاريخية لدينا في سلطنة عمان وذلك سيولد المزيد من الفرص الاقتصادية والسياحية والاستثمارية ناهيك عن الدور العظيم لذلك في تعزيز الهوية الوطنية وقيم المواطنة والجانب الاجتماعي و استثمار طاقات الوطن.
الكثير منا يستلهم قصص الفخر من الآباء والأجداد مما يرونه من آثار مادية وغير مادية تركوها ليعيش مجدًا لم يساهم فيه بريال واحد أو بمشقة أو بجهد و يصبغ ذلك بأيقونة الحفاظ على التراث دون تجديد وإضافة متناسيًا أن الحضارة البشرية لم تدم بالجمود بل بالتطور والتحسين على ما خلفه السابقون فتراه يركز بتجرد على ما وصل إليه من تركة الآباء و الأجداد ليمارس ذلك فقط معتقدًا أن التراث هو ذلك فقط وفي ذلك فاقد كبير لا يعوض إلا إذا أضاف عليه من علوم العصر المتاحة لأن العبرة ليست في مبنى أثري أو قطعة عتيقة أو عادة قديمة أو ما شابه بل في استلهام المعاني التي جاءت من أجلها.
على مدى العصور التاريخية قامت الحضارات المتعاقبة على الاستفادة مما حولها من الحضارات الأخرى السابقة والمعاصرة لها – ولو كان ذلك بحد السيف – وهنا حدث تلاقح المعارف والمهارات للخروج بالتحديث الجديد لها و بذلك سادت الدول والممالك و من أجل أن نكون ذا دقة أكبر فإن مسؤولية تجديد الإرث الحضاري لا تقع فقط على السلطات الحاكمة في أي بقعة من كوكبنا الجميل بل أن مساهمة الأفراد والمجموعات الصغيرة في ذلك كان له نصيب الأسد لتحقيق التقدم الحضاري من خلال مبادرتهم الذاتية انطلاقًا من حب المكان و استشعار قيمته وقيمة من تعب فيه في إطار الحب والإنتماء.
ابن خلدون ذكر في مقدمته الخالدة أن (الحضارة هي الانتاج) وفي ذلك عمق كبير وفهم عميق لمقاصد وجودنا في حياتنا الدنيا و مع توفر ما خلفه لنا السابقون فإن ذلك يسهل علينا الدفع بعجلة دوران الانتاجية للاستمرارية. وما تزال قرية امطي تحصد ثمار ما زرعه السابقون فيها من إرث عظيم و الآن يتم زراعتها مجدداً ليقوم الجيل القادم في حينه بالحصاد و يعيد الزراعة من جديد و هذه هي قيمة الحياة الحقيقية.
محمد سيفان الشحي
١٧ نوفمبر ٢٠٢٠ م

