كانت اللغة العربية لغة محكية مرتبطة بسليقة أهل الجزيرة العربية وفطرتهم، تثريها بيئتهم بما يناسبها من تعابير وألفاظ. ومع بزوغ نجم الدين الإسلامي واتساع رقعة بلاد المسلمين، وشروعهم في بناء الدولة، كثُرت المراسلات بينهم، وقادت فتوحاتهم شعوباً لم تنطق العربية قط، فأصبحت جزءاً من المجتمع العربي، فصارت الحاجة ملحّة لضبط قواعد اللغة العربية حفظاً لها مما يداخلها ويخالطها من الشوائب التي تشوبها.. وقد كان ذلك أمراً شبه مستحيل، لولا وجود عدد من علماء اللغة الذين رهنوا حياتهم لها.
وكيف إن كانت اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، بيانٌ فصيح، وبلاغة لا تضاهيها بلاغة، إذ أن نظم القرآن وتأليفه، هما مصدر الإعجاز فيه، ففهم اللغة والبلاغة فهماً منضبطاً حاصة في التعاليم الدينية، يأتي لإدراك إعجاز القرآن الكريم، فقد اعتبر السيوطي أن البلاغة من مكملات الإيمان، كذلك لفهم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فهماً منضبطاً من خلال قواعد محددة تكون أساس بناء عن علم لا عن جهل، إذ به تعرف كثير من أساليب العرب في كلامها، ويميز بين حقيقتها ومجازها وتصريحها وكنايتها، فالعلوم التي يحتاجها المفسر وفقاً للسيوطي، المعاني والبيان والبديع، لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام، وهذه العلوم الثلاثة هي علم البلاغة وهي من أعظم أركان المفسر لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك بهذه العلوم.
واستكمالاً لتفسير سورة طه الذي كنا بدأناه قبل فترة، وانقطعنا مثلها، لوضع استراتيجة جديدة شاملة تكون على قدر المسؤولية لجهة إيصال الفائدة العلمية الصحيحة للجميع. وكنا قد وصلنا إلى قوله تعالى: (اذهب أنت وأخوك بآياتي) أي بالمعجزتين اللتين رأيتهما يا موسى، (معجزة العصا ومعجزة اليد التي يضمها إلى جناحه فتخرج بيضاء من غير سوء) أي بيضاء كما أراد الله لها أن تضيء لا بسبب سوء أصابها، (واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك آياتنا الكبرى) حيث ستكون لموسى عليه السلام آيات أخرى، وآيات كبرى، لكن ذلك عندما يحين وقتها، أما الآن فإنه يحمل آيتين دليلين على أنه مرسل من قبل الله تبارك وتعالى فرعون الذي طغى، والواقع أن هنا ثمة سؤال، وهو أن موسى قد جاء مرسلاً إلى فرعون، ومرسل برسالة محددة (أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم) وكأن رسالة موسى كانت لإنقاذ بني إسرائيل من قبضة الفرعون، فلم تكن رسالةً إلى المصريين مثلاً، ليؤمنوا بالله وليكفروا بفرعون، وإنما كانت رسالة إلى الفرعون أن يعتق من استعبدهم من بني إسرائيل، ويرسلهم مع موسى، وبذلك تكون رسالته عليه السلام قد حققت الهدف، وهو إنقاذ بني إسرائيل.
عند التمعن بهذه الآيات ودقة المعنى من خلال التصوير البلاغي الذي يجعل الإنسان يتخيل كيف كانت رحلة نبي الله موسى عليه السلام، كيف أصبحت يده بيضاء، من خلال مزج بديع يعجز الإنسان عن الإتيان بمثله، قال السكاكي في هذا الصدد، شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تُرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة، إلا التمرن على علمي المعاني والبيان، فمعرفة هذه الصناعة بأوضاعها هي عمدة التفسير المطلع على عجائب كلام الله تبارك وتعالى، وهي قاعدة الفصاحة وواسطة عقد البلاغة، فالقصص هي إحدى الجوانب الحيوية في القرآن الكريم، إذ ثمة عامل فني للأسلوب هذا وفقاً لخاصية الإعجاز، وهي أكثر تحديداً، الصور الفنية والتشبيهات التي تواكب أجواء الحدث السردي، فالخطاب القرآني مشحون بكثافة تصويرية بديعة ومتنوعة، فقد شغل موضوع التصوير الفني والبياني في القرآن الهمم منذ القدم، فانبرى له البلاغيون، ولعل رائدهم الزمخشري الذي وجه التفسير القرآني وجهة بيانية، فكان منجزه الكشاف تطبيقاً لاغياً لآراء من سبقوه، كذلك نظرية النظم عند مؤسس علم البلاغة عبد القاهر الجرجاني، بخاصة على آي التنزيل الحكيم، والذي سنتناول منهجيته وسيرته في بحثٍ قريب.
بالعودة إلى سورة طه، بنو إسرائيل كما نعلم، يسمّون بني إسرائيل لأنهم أبناء يعقوب عليه السلام، ويعقوب هو إسرائيل، وإسرائيل هذه تسمية يمكن أن نفهمها إذا قلنا مثلاً، أن هناك في التوراة، حادثةً أو روايةً تقول: إن يعقوب لقي الرب في الطريق، فتصارعا، فصرع الرب إسرائيل، ثم إنهما استأنفا المصارعة، فصرع إسرائيل الرب، كما تقول تلك الرواية وبالطبع كذبوا، بالتالي، من ذلك الموقف قيل إنه سمّي يصرعئيل، و”ئيل” تعني الله بالعبرية، فهناك مثلاً جبرائيل أي قوة الإله، وهناك ميكائيل أو إسرافيل، كما يقابلها في الأسماء الإسلامية (عبد الله، نور الله، إلخ)، لكن الرواية هي رواية سخيفة فمن ذاك الذي يصرع الإله أو يلقى الإله في الصحراء ويتصارعان، فهذا حيال سقيم ومجنون، لكن بهذا الحشو حشيت كتبهم بالأكاذيب والتحريفات التي نسميها (الإسرائيليات)، وتسجل تسمية “يصرعئيل” أو “إسرائيل”، كذبهم وتحريفهم.
بالعودة إلى الآية (أرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم)، الواقع أن رسالة موسى وهارون كانت كما ذكرنا آنفاً، للفرعون، وكانت لأن يمسك بالفرعون عن ادّعاء الإلوهية، وإذا انصرف فرعون عن ادّعاء ذلك، لن يجد المصريون إلهاً يعبدونه إلا الله تبارك وتعالى، لأنه حينئذٍ سوف تبرز قضية وجود الله عز وجل، ومن ثم يعبدون الله ويهتدون، فهذا ما يمكن أن نفهمه من قول الله عز وجل: (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى)، بالتالي، فكأن المصريين كانوا سيعرفون الله عز وجل نتيجة سقوط إلهوية فرعون وانتهاء هذا الدور المتخلف الوثني من حياة المصريين ليعبدوا الله عز وجل، ولكن الأبرز والأكثر ظهوراً في رسالة موسى هو أنه جاء لينقذ بني إسرائيل من عبوديتهم لفرعون أو من محنتهم بسبب فرعون الذي كان يذبّح أبنائهم ويستحيّ نسائهم.
وهكذا من الممكن أن نفهم محنة بني إسرائيل في ذبح أبنائهم على يد الفرعون وإبقاء نسائهم على قيد الحياة، خاصة وأن إسرائيل في ذلك الوقت كانت الأمة الموحِّدة التي أخذت الدين عن الأنبياء السابقين من إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف عليهم السلام، وفي القرآن (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا)، وجاء ذلك في قصة موسى، ومعنى ذلك أن البنوّة التي تميز بها بنو إسرائيل، نبوّة متكررة ومتواصلة على طول التاريخ، إلى أن انتهت بنبوّة عيسى عليه السلام، عندما قال عيسى: (إنما جئت لأهدي خراف بني إسرائيل الضالّة) والمقصود بالخراف هنا، الناس، بني إسرائيل صاروا كالخراف شاردة في الصحراء، فهذا هو ما فعله عيسى عليه السلام رغم أنهم كفروا به وحاولوا أن يقتلوه، لكن الله حماه وقال: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم) فهذا ما يمكن أن يقال عن رسالة موسى إلى فرعون.
لكن في الآيات ملاحظة مهمة، يقول الله عز وجل: (اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى)، هذه وصية من الله تبارك وتعالى، لموسى وهارون، السؤال كيف لأحد أن يقول له قولاً ليناً وهو جبار متكبر، فوصية الله أن يتلطفا في الحديث معه ولا تقسوا عليه في الكلام، فلماذا هذه الوصية؟ القرآن الكريم ذكر العلة (لعله يتذكر أو يخشى) لأن النفس إذا قوبلت باللطف وباللين فربما تستجيب للدعوة، ولكن إذا قوبل الطاغية بقولٍ قاسٍ أو بخطابٍ شديد، فربما يثيره هذا وتكون المسؤولية على المخاطِب وليس على المخاطَب، (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر)، وهكذا يكون أسلوب الدعوة إلى الله.
أخيراً، نحن في أيامنا هذه، نعاني من خشونة وصلابة بعض الدعاة عندما يشتدون ويشتددون ويفرضون على الناس ما لم يفرضه الله تعالى، فنحن أمام مشكلة حقيقية وسط غياب الحكمة التي يجب أن يتحلى بها الدعاة، وأن يبالغوا في استخدام اللطف واللين مع الذين يدعونهم من الجماهير، حتى تحب الطريق المستقيم، فمحاولة الاشتداد وتسفيه أحلام الناس، الناس تعبد الله تعالى وربما في عبادتهم قصور ورغم ذلك فإنهم ليسوا كمن كانوا يعبدون الأوثان، لإرشادهم وتقويمهم يحتاجون للكلمة الحسنة والدعوة الصادقة، (وجادلهم بالتي هي أحسن).
عبدالعزيز بن بدر القطان / كاتب ومفكر – الكويت.

