كلير مكدوجال – عن ذي نيشن في 11 يناير 2022
ترجمة: أحمد شافعي
عشرون عاما مضت منذ أن هبط أول السجناء معصوبي الأعين في أزياء برتقالية إلى المعتقل الأمريكي ـ والمحاذير الصحفية لم تزدد إلا سوءا
غالبا ما يجلس جون ريان، الصحفي المتخصص في الشؤون القانونية، وحيدا في الصف الأول بمقصورة المحكمة خلال جلسات الاستماع السابقة على المحاكمة في معسكر اعتقال خليج جوانتانامو. تفصله ثلاثة ألواح زجاجية عن الخمسة المتهمين بتخطيط هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وعن محامي الدفاع وممثلي الادعاء والقضاة والحرس وموظفي المحكمة والشهود. وتقوم شاشات تليفزيونية بنقل المشهد بالصوت والصورة بتأخير مدته أربعون ثانية، تحسبا لذكر أي معلومات سرية، يجري تمييزها بوميض ضوء أحمر يظهر وراء منصة القضاة. قال ريان “إن الأمر مفكك بعض الشيء. لكنني أظن أنه من المهم أن أكون حاضرا. يصعب تحديد السبب. لكنني أشعر فقط أنه سيبدو لي غريبا أن يكون الصف الأمامي هذا خاويا”.
على مدار السنوات الست الماضية، تابع ريان ـ الشريك المؤسس ورئيس تحرير إصدارة لودراجون القانونية ـ جلسات الاستماع السابقة على المحاكمة في حدث “غيَّر مسار التاريخ العالمي” وأفضى إلى إنشاء السجن الذي تقع فيه المحكمة والذي يقول عنه ريان إنه بيته الثاني. وقد ركز الكثير من المداولات الأخيرة على ما إذا كانت الشهادات التي قدِّمت باستعمال التعذيب ـ أو ما أسمته الحكومة الأمريكية “تقنيات الاستجواب المعزَّزة” ـ قابلة للاستعمال في المحاكمة.
حدث في وقت من الأوقات أن أثار جوانتانامو غضبا دوليا، فتوافد الصحفيون الأمريكيون والدوليون على المشهد. وبعد عشرين سنة، بات من النادر أن يشهد حضور صحفيين إلا عند حلول الذكرى السنوية، كما حدث في العام الماضي عند حلول الذكرى العشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر. في بعض الأحيان لا يكون حاضرا في المعسكر إلا ريان والصحفية المخضرمة في شؤون جوانتانامو كارول روزنبرج ـ التي تعمل حاليا في نيويورك تايمز. سألت ريان إن كان الرأي العام لا يزال مهتما فقال “لا أرى هذا. هناك عناصر من الرأي العام لا تزال مهتمة، لكنني أعتقد أن العدد صغير للغاية، وأعتقد أن الأمر يقع خارج دائرة اهتمام أو تفكير أي شخص”.
عشرون عاما مضت منذ أن هبط أول السجناء معصوبي الأعين في أزياء برتقالية إلى المعتقل الأمريكي، فقيِّدوا بالأغلال ووضعوا في أقفاص في معسكر إكس راي المغلق حاليا بالقاعدة البحرية الأمريكية في كوبا. اليوم يعيش في المعتقل 39 رجلا، بعد أن كان فيه 780 ـ منهم 12 فقط هم المتهمون بجرائم حرب، وهؤلاء منهم الخمسة الذين سوف تجري محاكمتهم على هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
في حين قال ريان إنه من المهم أن يكون صحفي حاضرا للإجراءات القانونية، فقد قال أيضا إنه “علق” في القضية، شأن حفنة من الصحفيين الذين عملوا في تغطية جوانتانامو على مدار السنين. بتقديهم ما لا حصر له من طلبات قانون حرية المعلومات، قام صحفييون وأكاديميون بصياغة السجل العام للسجن الذي أخفته الحكومة الأمريكية عن الرأي العام. لكن تقارير أخيرة حول خطط إقامة محكمة جديدة في جوانتانامو تخلو من مقصورة للمشاهدة أثارت المخاوف حول مزيد من التقييدات للصحافة.
وقال ريان إن “التخوف الأكبر يكمن في احتمال أن يتصور البنتاجون أن البث المتلفز قد يكون بديلا للمشاهدة المباشرة الشخصية، فقد يستعملون هذا المنطق في تقييد حضور إجراءات جوانتانامو القانونية بشكل أعم”.
في حين يمكن مشاهدة الإجراءات من خلال البث المتلفز الحي في البنتاجون أو في فورت ميد بميريلاند، فإن التفاصيل ـ حسبما قال ريان ـ تضيع، ومنها مشاهدة القاعة كلها، ومتى تنطق معلومات تعد سرية، ويقطع البث المتلفز، وهذا من الأسباب التي تجعله يحضر في المحكمة بهذا الانتظام. (في يناير 2013 قطعت المخابرات المركزية الأمريكية البث المتلفز من البعد خلال إجراءات قضائية لكن القاضي حكم بعدم السماح لها بذلك مرة أخرى).
قال جونسن ليوبولد كبير محرري التحقيقات في بازفيد نيوز إن “جوانتانامو لا يزال ثقب السرية الأسود، فما حدث حتى في عام 2002 لا يزال لسبب ما سريًّا للغاية”. وقد أدرك ليوبولد مبكرا ـ مثلما أدرك كثير من الصحفيين الذين عبروا القاعدة العسكرية في جولة إعلامية رسمية ـ أن الوثائق سوف تكون مفتاح تجاوز “البروباجندا” الحكومية لنقل قصة السجن الحقيقية.
تقدم ليوبولد بـ 325 طلبا من طلبات قانون حرية المعلومات بشأن جوانتانامو، كثير منها تركز حول معاملة المعتقلين. كان من بينها طلبات مبهمة في ما يبدو. طلب الاطلاع على قوائم استماع جلسات التحقيق، وإمدادات إنشور ـ وهو مشروب غذائي يستعمل في التغذية القسرية ـ ولقطات متلفزة مغلقة لإطعام المعتقلين قسريا، ومعلومات عن استعمال عقار الملاريا في معالجة المعتقلين، والتفاصيل المحيطة بزعم انتحار المعتقل عدنان لطيف، قال ليوبولد إنه كان يرجو من خلال الوثائق أن يقدم للرأى العام فرصة رؤية “ما يغيب عن أنظارهم”، لكن العمل في غير “الوقت الحقيقي” للحدث قد يمثل تحديا “فالمرء في بعض الأحيان قد يعمل بعد سنين ليحكي للرأي العام شيئا وقع قبل سنين”.
من أصعب ما يمكن الحصول عليه من الوثائق ما يتعلق بالمعسكر 7 الذي يقيم فيه 14 من “المعتقلين مرتفعي القيمة” ومنهم المتهمون بالتخطيط لهجمات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001. استجوبت المخابرات المركزية الأمريكية أولئك الرجال في مواقع سرية حول العالم وفي جوانتانامو نفسه، وكثير من جوانب البرنامج الذي أقرته إدارة الرئيس جورج دبليو بوش يبقى سريًّا.
قال ليوبولد إنه يظل متخوفا من نظام الأراشيف الحكومية وجودتها ومن مخاطرة وقوع المعتقل في “هوة النسيان”. قال “لقد مر عشرون عاما، وهذا جزء مهم من تاريخنا، وهو يتجاوز أولئك المطلعين القادرين على حكي ما رأوه. الوثائق هي التي سوف تتمكن حقيقة من حكي القصة”.
القصة لم تنته مطلقا بالنسبة للباحثة الفائزة بجوائز مارجوت وليمز التي قادت تأسيس “سجل جوانتانامو” ذي النظام الدقيق التابع لصحيفة نيويورك تايمز، وهو أضخم قاعدة بيانات إلكترونية خاصة بالمعتقلين. فوليمز ـ التي تعمل غالبا في مشاريع استقصائية عالمية ضخمة ـ لم تزل تتابع جوانتانامو عن كثب. قبل خمس سنين، تقدمت بطلب بموجب قانون حرية المعلومات للحصول على معلومات حول الاتفاقيات بين الولايات المتحدة والحكومات التي استضافت معتقلين سابقين تحتم توطينهم في بلاد أخرى لأسباب أمنية، من قبيل قضية المعتقل الروسي السابق رافيل مينجاوف التي قام كاتب هذه السطور بتغيطتها لمجلة ذي نيشن. تساءلت “من الملتزم بهذه الاتفاقيات؟ ما طبيعة الأموال التي دفعناها؟ وماذا كان المقابل، ولماذا لم ننجح في إخراج التسعة والعشرين سجينا المتبقين؟ إنني أريد أن أتقاعد، لكن هذا هو الأمر الوحيد الذي يمنعني من التقاعد تماما. أريد أن أراه منجزا”.
قضى المخرج أليكس جيبني والصحفي ريموند بونر سنوات في التحقيق في قصة أبي زبيدة، وهو معتقل فلسطيني في منتصف العمر يقال إنه منتم إلى القاعدة من أجل فيلم وثائقي لهما هو “السجين الأبدي” The Forever Prisoner تم إطلاقه في ديسمبر. يصف بونر أبا زبيدة بأنه “فأر تجارب” التعذيب باسم أساليب الاستجواب المعززة، وقد طلب عشرات الوثاق منها رسوم تصور معاملته وهو رهن الاعتقال الأمريكي وتم الحصول عليها من خلال طلبات قانون حرية المعلومات واستعملت في فيلم جيبني.
عمل ديفيد آيه شولتز ـ الذي يرأس وحدة حرية الإعلام وإتاحة المعلومات في جامعة ييل ـ مع كل من بونر وروزنبرج وصحفيين من أسوشييتد بريس على طلبات قانون حرية المعلومات، وتحديات متعلقة بالتعديل الأول، والتفاوض من أجل الاطلاع على السجن والإجراءات القانونية المحيطة به. قال لي “لقد كان الأمر أشبه بخلع الضرس”. سبعة عشر من طلبته عملوا على مقاضاة الحكومات في ثمانية طعون قانونية مختلفة لصالح بونر وجيبني، على مدار ست سنين، في شؤون تخص إتاحة معلومات عن قضية أبي زبيدة. نجح شولتز وطلبته في مقاضاة المخابرات المركزية الأمريكية للحصول على معلومات من كتاب مذكرات على صوفان عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي الخاص وعنوانه “الرايات السود”، وقد صدر في 2011، ورفعت عنه السرية، لي يتمكنوا من الحديث إليه بشأن استجواب أبي زبيدة في موقع سري في تايلاند. قال لي شولتز “من المهم مقاومة مزاعم السرية هذه. محتمل جدا أن يكون بعضها حماية لمصالح وطنية، لكن من السهل جدا حجب معلومات بداعي الحرج، لكشفها سلوكيات غير لائقة أو خشية أن تسيء إلى صورة الوكالة”.
قال جينبي ـ الذي قوبل طلبه للتصوير في السجن بالرفض في أغسطس من العام الماضي ـ إنه يأسف لأن التقييد على الصحفيين والسينمائيين من أمثاله يزداد سوءا. وقال صحفيون آخرون ممن تحدثت إليهم لكتابة هذه المادة إن مناطق من المعسكر قاموا من قبل بتصويرها أصبحت الآن مغلقة دونهم أو منع النشر عنها. قال جينبي عن نهج إدارة بايدن في التعامل مع جوانتانامو إنه “لا أحد يريد أن يتكلم في الأمر، ولذلك يكتفون باجتنابه واستحداث قواعد جديدة تزيده سرية على سريته”. ولم يزل بونر يلح في تقديم طلبات قانون حرية المعلومات بخصوص أبي زبيدة بينما يفكر جيبني في فيلم عن أفغانستان.
بالنسبة لبونر وجيبني، هناك ضرورة لرفع السرية عن تقرير لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ بشأن التعذيب ـ والذي نشر جزء منه في 2014 ـ أو عن “ملخصه التنفيذي على الأقل” من أجل حكي قصة جوانتانامو الحقيقية، في ضوء مدى مركزية النظام المخابراتي للتعذيب وتسليم المتهمين في مؤسسة السجن. قال بونر “إننا نقوم بتغطية فترة مخزية من التاريخ الأمريكي”.
قبل أسابيع قليلة، قال ريان إنه يستعد لرحلته الثامنة والثلاثين إلى السجن لتغطية قضية هجمات الحادي عشر من سبتمبر. ولقد كان يتوقع أن يشترك في المقصورة مع صحفيين آخرين في الذكرى العشرين، ولكن القاضي ألغى الجلسة. يتوقع ريان أن ينتظر إلى فبراير أو مارس، بحسب تطورات الوضع في ما بتعلق بكوفيد 19، قبل أن يتخذ مكانه من جديد في الصف الأول لحضور محاكمة يصر أنها لا يزال ينبغي أن تعد “محاكمة القرن”.

