بعد توترات سياسية متواصلة منذ الانتخابات التشريعية الاخيرة قبل ثلاثة اشهر، انتخب البرلمان العراقي الجديد الأحد الماضي محمد الحلبوسي رئيسا له، في جلسة تخللتها مشادات عنيفة، حيث تعرض خلالها رئيس الجلسة النائب الأكبر سناً محمود المشهداني “لاعتداء” نقل على أثره الى المستشفى، ورغم انتهاء الجلسة بإنتخاب الحلبوسي رئيسا جديدا وبأغلبية كبيرة، الا ان التوتر السياسي لا يزال قائما، وينعكس هذا التوتر على عملية تشكيل الحكومة التي قد تتعثر، وسط إصرار مقتدى الصدر على تشكيل حكومة أكثرية، وتمسك آخرين بحكومة توافقية تتمثل فيها جميع القوى الشيعية، فهل ينجح السياسيون في الوصول الى توافقات تلبي تطلعات الشعب العراقي، وتنهي حالة الانقسام السياسي القائمة؟
تصدر التيار الصدري
بدأت الازمة على خلفية الاعلان عن نتائج الانتخابات الاخيرة والتي تصدّر نتائجها التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، فيما ندّدت أحزاب شيعية أخرى منضوية في “الإطار التنسيقي” بهذه النتيجة، قامت على اثرها احتجاجات واعتصامات مطالبة بإلغاء نتائج تلك الانتخابات، الا ان حكم قضائي صادر عن المحكمة الاتحادية العليا، ثبت نتائج الانتخابات،
ومدفوعاً بحيازته العدد الأكبر من المقاعد (73 مقعداً من أصل 329)، كرر الصدر إصراره على تشكيل “حكومة أغلبية” ما يعني قطيعة مع التقليد السياسي الذي يقضي بالتوافق بين الأطراف الشيعية الكبرى.
ويبدو أن التيار الصدري يتجه للتحالف مع كتل سنية وكردية بارزة من أجل الحصول على الغالبية المطلقة (النصف زائد واحد من أعضاء البرلمان)، وتسمية رئيس للوزراء يقتضي العرف أن يكون شيعياً.
وقال الصدر في تغريدة بعد الجلسة “إن اختيار رئيس البرلمان ونائبيه هذه أولى بشائر حكومة الأغلبية الوطنية”.
في المقابل، تدفع أحزاب شيعية أخرى منضوية في الإطار التنسيقي، إلى حكومة توافقية تتقاسم فيها جميع الأطراف الشيعية المهيمنة على المشهد السياسي في البلاد منذ سقوط نظام صدام حسين في 2003، المناصب والحصص.
ويضمّ الإطار التنسيقي تحالف الفتح الممثل للحشد الشعبي الذي حصل على 17 مقعداً فقط مقابل 48 في البرلمان السابق، فضلا عن تحالف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (33 مقعداً)، وأحزاب شيعية أخرى.
وفي تصريح لوكالة فرانس برس، يرى رئيس مركز التفكير السياسي والباحث العراقي إحسان الشمري أن الوضع يشي بأن “شكل الحكومة المقبلة قد يكون وفق مبدأ جديد هو ما يسمى توافق الأغلبية، أي حكومة ائتلافية لكن بصيغة جديدة”، على عكس الحكومات السابقة التي شاركت فيها جميع الأطراف الشيعية.
ويوضح “قد نكون أمام مفهوم جديد يسمى توافق الأغلبية أي أن يتحالف الصدر مع البيت السني الذي يمثله عزم وتقدم، ومع البيت السياسي الكردي (الحزب الديموقراطي والاتحاد الوطني)، وحتى جزء من الإطار التنسيقي قد يلتحق بمشروع مقتدى الصدر”.
وقائع الجلسة الاولى
بدات الجلسة الاولى في البرلمان العراقي والتي ترأسها النائب الأكبر سناً محمود المشهداني (73 عاماً)، بأداء النواب الجدد اليمين، قبل أن تندلع مشادات بين النواب وتسود الفوضى.
وقال النائب مثنى أمين من الاتحاد الإسلامي الكردستاني لفرانس برس “بدأت الجلسة بشكل طبيعي برئاسة رئيس السن وتمت تأدية اليمين الدستوري”.
وأضاف “بعدها تقدم الإطار التنسيقي بطلب تثبيت كونهم الكتلة الأكبر، مشيرين الى أن كتلتهم مؤلفة من 88 نائبا. عندها طلب رئيس السن التدقيق في هذه المعلومة، وحصلت مداخلات، وقام بعض النواب بالاعتداء عليه”.
وأفادت وكالة الأنباء العراقية أن المشهداني تعرض ل”وعكة صحية خلال جلسة مجلس النواب” وأن حالته الصحية “مستقرة”.
وأكد النائب رعد الدهلكي من كتلة “تقدّم” برئاسة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي لفرانس برس أن “مشادات حصلت ووقع تدافع بين الكتلة الصدرية والإطار التنسيقي حول أحقية أحدهما بأنه الكتلة الأكبر”.
وبعدما سادت الفوضى لفترة، استؤنفت الجلسة برئاسة خالد الدراجي من تحالف “عزم” السني (14 مقعداً). وأعيد انتخاب محمد الحلبوسي زعيم تحالف “تقدم” السني (37 مقعداً) والبالغ 41 عاماً، بـ200 صوت، رئيساً للبرلمان. وكان يترأس البرلمان السابق منذ العام 2018.
وحاز منافسه محمود المشهداني من “عزم” 14 صوتاً فيما اعتبرت 14 ورقةً لاغية. وكان عدد النواب المشاركين 240 أدلى 228 منهم بأصواتهم، كما أفادت وكالة الأنباء العراقية.
وانتخب النائب عن التيار الصدري حاكم الزاملي نائباً أول لرئيس البرلمان، والنائب عن الحزب الديموقراطي الكردستاني شاخوان عبدالله نائباً ثانياً.
وفي وقت لاحق، أعلن الإطار التنسيقي في بيان أنه لن يعترف بنتائج الجلسة الأولى. وأورد البيان “نؤكد عدم اعترافنا بمخرجات جلسة انتخاب رئيس المجلس ونائبيه كونها تمت بعدم وجود رئيس السن الذي لا يزال ملتزما بتأدية مهامه”.
في المقابل، وصف رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي انتخاب محمد الحلبوسي رئيسا للبرلمان العراقي بأنه مناسبة للم الشمل وجمع العراقيين على طريق الإصلاح.
وقال في تغريدة له على حسابه الشخصى على موقع التواصل الاجتماعي في تويتر انه “يوم كبير في تاريخنا ومناسبة للم الشمل وجمع العراقيين على طريق الإصلاح، وتمكين الدولة والوحدة الوطنية”، وأضاف”مبارك لأعضاء مجلس النواب ترديدهم القسم، كما نبارك لرئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي ونائبيه حاكم الزاملي وشاخوان عبد الله نيلهم باستحقاق ثقة ممثلي الشعب”.
ترشيح رئيس الوزراء
يقول المحلل السياسي العراقي حمزة حداد لوكالة فرانس أن “انتخاب الحلبوسي في اليوم الأول يؤشر إلى أن الصدر” إلى جانب تقدّم والحزب الديموقراطي الكردستاني، “سيعملون معاً في المستقبل”.
ويضيف أنه “بالتالي، نظرياً، بمكن لهم الدفع باتجاه انتخاب مرشحهم لرئاسة الجمهورية واختيار مرشحهم لرئاسة الوزراء”.
ويشير حداد إلى أن ترشيح رئيس الوزراء المقبل “مرهون بالكتلة الأكبر …اذا قدم التيار الصدري قائمة من التيار ومعها تواقيع من الحزب الديموقراطي الكردستاني وكتلة تقدم سيكونون هم من يرشح”.
ويضيف “لكن إذا بقي الأمر محصوراً بالبيت الشيعي فالإطار التنسيقي هو من يرشح رئيس الوزراء المقبل”.
ويبدو أن الإطار التنسيقي يتجه إلى تسمية رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، زعيم كتلة دولة القانون (33 مقعداً) وحزب الدعوة المنضوي في الإطار التنسيقي، كمرشحه، وفق المصدر، وهو اسم لا يمكن للتيار الصدري أن يقبل به نتيجة خلافات قديمة.
في المقابل، لم يعلن التيار الصدري عن مرشحه لاستبدال رئيس الوزراء المنتهية ولايته مصطفى الكاظمي.
ويرى حداد أنه “ما لم يسوِّ الطرفان خلافاتهما، ويتجهان إلى تشكيل كتلة واحدة، وهو أمر ترحب به الأحزاب السياسية الأخرى لتفادي مزيد من النزاع، فمن الصعوبة بمكان أن يسمح واحد من الطرفين للآخر بهدوء، بالتفرد في تشكيل الحكومة من دون الطرف الآخر”.
العنف بالتالي غير مستبعد في المرحلة المقبلة.
في حال نجح التيار الصدري بتشكيل حكومة أغلبية، أو نجح الإطار التنسيقي بتثبيت نفسه كالكتلة الأكبر، ففي كلتا الحالتين “لن يحاول الطرف الآخر إسقاط الحكومة بالطرق القانونية والسياسية، بل سيصعد بعنف”، كما كتبت الباحثة في مجموعة الأزمات الدولية لهيب هيغل في تغريدة.
ويعتبر حداد أن “الخشية الأكبر تبقى حصول تقاتل بين الفصائل المسلحة، الصدريون يملكون فصيلاً مسلحاً، والأطراف المختلفة في الإطار، لا سيما تحالف الفتح، لديهم أيضاً فصيل مسلح”.
ويمثّل “الفتح” الحشد الشعبي، وهو تحالف فصائل مسلحة باتت جزءاً من الدولة، وتعدّ 160 ألف منتسب.
رئيس الجمهورية
يوم الاثنين الماضي، أعلن البرلمان العراقي عن فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية للسنوات الأربع المقبلة.
وقال البرلمان، في بيان صحفي، إنه ” فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية فعلى الراغبين بالترشيح ممن تتوافر فيهم الشروط تقديم طلباتهم التحريرية مشفوعة بالوثائق الرسمية التي تثبت توافر تلك الشروط فيهم مع سيرهم الذاتية إلى رئاسة البرلمان وتسليمها إلى الدائرة القانونية في قصر المؤتمرات خلال الأوقات من الساعة التاسعة صباحاً ولغاية الساعة الثالثة بعد الظهر أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس المقبلة”.
واشترط البرلمان أن يكون المرشح لمنصب رئيس الجمهورية من أبوين عراقيين وكامل الأهلية وأتم الأربعين عاما من العمر، وصاحب سمعة حسنة وخبرة سياسية ومن المشهود له بالنزاهة والاستقامة والعدالة والاخلاص للوطن.
كما اشترط أن “لا يقل تحصيله الدراسي عن الشهادة الجامعية الأولية المعترف بها من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق وغير محكوم بجريمة مخلة بالشرف وأن لا يكون من المشمولين بأحكام إجراءات قانون المساءلة والعدالة أو أية إجراءات تحل محلها”.
وأكد البيان أن البرلمان العراقي سيجري عملية انتخاب رئيس الجمهورية في موعد أقصاه الثامن من الشهر المقبل تطبيقاً للدستور العراقي.
