عمّان في 24 يناير /العمانية/ تندمج الأشكال والألوان وتتمازج على سطوح لوحات التشكيلي عصام طنطاوي، مشكّلة ما يشبه الرحلة التي تغور في أعماق الذات وتبحث في مناطق اللاوعي الغائرة في العمق، لذا يبدو لكل عمل يراه المشاهد تفسيرًا يخصه وحده، ويمكنه من خلاله أن يقترح التأويل المناسب له والمتقاطع مع تجربته الذاتية.
ويستند طنطاوي في لوحاته إلى الذاكرة التي تؤدي دورًا مهمًا في تشكيل العمل الإبداعي، والتي تعدّ مخزنًا ثريًّا بالصور والأشكال والأحداث القابعة في العقل الباطن للإنسان.
لم يدرس طنطاوي الفن أكاديميًّا، وتكشف سيرته أنه شغُف بالفن منذ صغره، وأن اللوحات المعلّقة في الصف كانت تلفت نظره، فبدأ يرسم بقلم الرصاص، ولعدم توفر الأوراق في بيته آنذاك، فقد لجأ للرسم على الطاولات الخشبية، وسرعان ما أدرك أن الفن جزء من شخصيته ولا يمكنه العيش من دونه.
تعبّر لوحات طنطاوي عن هاجس الانتماء إلى المكان، ويتقاطع هذا المنحى مع كون الفنان ينتمي إلى عائلة ارتحل فيها الأب من مصر إلى يافا والتحق بالجيش العربي هناك ثم تزوج امرأة فلسطينية قبل أن تحدث النكبة، وفي عام 1954 وُلد عصام الذي شهد النكسة وهو في عمر الصبا، قبل أن تحط رحال العائلة في الأردن.
وقد ظهر هاجس الانتماء إلى المكان من خلال لوحات طنطاوي التي تصوّر مدنًا من الأردن وفلسطين والعراق والسعودية وألمانيا وفرنسا وروسيا والنمسا، والتي تُظهر سطوحها تشكيلات لونية متوازنة فيّاضة بالمشاعر، إذ رسم الفنان المكان كما أحسّه وعرفه من ساكنيه أو من العابرين فيه ومن طبيعة تضاريسه التي تختزنها الذاكرة قبل أن يستدعيها المبدع ويسكبها تفاصيل ومنمنمات على القماش.
ويرصد طنطاوي في مجموعة من لوحاته الواقع المؤلم الذي يعيشه المكان الفلسطيني جراء الاحتلال، والذي اختبرته أماكن أخرى تعرضت للتدمير بسبب الحروب والصراعات، وقد اختار الفنان اللونين الأبيض والأسود تحديدًا للتعبير عن حالة الحزن والفقد والمعاناة.
ولكثرة تجواله في عمّان، مدينته التي استقر فيها وأقام محترفه في أحد أحيائها العريقة اللويبدة، صار طنطاوي يرسم المشاهد من مخيلته صانعًا ما يمكن دعوته “مدينته الخاصة”. ومن المألوف أن ترافقه الكاميرا ليلتقط مشاهد يراها فريدة من حيوَات الأمكنة التي يزورها، ثم يسكب عليها من خياله وإحساسه لتنتج أعمالا فنية تحمل بصمته ورؤيته. وهو في هذا السياق يرى أن الصورة الفوتوغرافية عليها أن تنطوي على مواصفات اللوحة، بمعنى أن يكون لها إطار ويحضر فيها الظل وتبرز التكوينات المميزة للمشهد في ثناياها.
بعد التقاط الصور تأتي مرحلة التأمل، كي يتشرّب الفنان المشهد التشكيلي فيها قبل أن يحشد في لوحته المنتظرة ما يتخيله من تفاصيل تعبّر عن روح المكان وجمالياته، وهذا ما يرومه طنطاوي من الفن؛ أن يقول المشاهد وهو في حالة ذهول: “يا إلهي.. كيف لم أنتبه لهذا المشهد من قبل”.
شخصية طنطاوي التي ترفض الأطر والمحددات تَظهر كذلك في رفضه أن تتقيد أعماله بمدرسة فنية بعينها أو بأسلوب تقني ثابت، فبعض أعماله تميل للتجريدية حيث تنسكب الألوان والأشكال على سطح اللوحة وتندمج ضمن توليفة بصرية قوامها اللون، وأحيانًا يميل للتعبيرية ويرسم مشاهد مستوحاة من الواقع، وفي مرة ثالثة قد يتقاطع مع التكعيبية أو التربيعية. ومثل ذلك ألوانه، ففي بعض اللوحات ثمة اعتماد على الألوان الفاتحة والقوية والمبهجة، وفي لوحات أخرى تسيطر الألوان القاتمة والمعتمة، وفي ثالثة يراوح بين هذه وتلك، وفي رابعة يكتفي بالأبيض والأسود.
كما تظهر في أعمال طنطاوي شخصيته التي تميل للسخرية والمشاكسة، وإذا ما زار أحدهم محترفه سيُفاجأ باللوحات المعلقة على الجدار التي تكشف عن أساليب متعددة، وبالقناع الإفريقي الذي يتوسطها مادًا لسانه في وجه العالم.
ليس الرسم وحده طريقة تعبير طنطاوي عن أبعاد شخصيته الثقافية المركبة، فهناك أيضًا مقالاته الساخرة التي يسند دور البطولة فيها لشخصيات من مثل: “عارف” و”تلفان” و”سوزي”، وهي مقالات واظب على نشرها في الصحف على مدار أعوام، قبل أن يكتفي بنشر مقاطع منها على حسابات التواصل الاجتماعي خاصته في الآونة الأخيرة.
لا يعتني طنطاوي برسم الوجوه كثيرًا، وإن كانت له تجربة يُعتَدّ بها في ذلك، حيث الوجوه ذات الملامح الطريفة التي تقترب من الأسلوب الطفولي في التعبير، فالرأس قد يكون كبيرًا والعينان صغيرتين والأنف عملاقًا.. وهي وجوه تجعل من يراها يتفاعل معها بمرح وأريحية بالنظر إلى الألوان الساطعة والمبهجة التي تَظهر به.
/العمانية/
ع م ر

