في يناير فقط قام خمسة مسؤولين رفيعي المستوى من بلاد عربية نفطية بزيارات للصين من أجل مناقشة التعاون في مجالي الطاقة والبنية الأساسية. وتعهد كبير الدبلوماسيين في تركيا بمنع “التقارير الإعلامية التي تستهدف الصين” في الإعلام التركي، وضغط وزير خارجية إيران من أجل إحراز تقدم في استثمار بقيمة أربعمائة مليار دولار وعدت الصين بلده به.
في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة، وقد أنهكتها عقود من الحرب والاضطرابات في الشرق الأوسط، إلى الحد من وجودها هناك، تعمِّق الصين روابطها بكل من أصدقاء واشنطن في المنطقة وخصومها.
لم تقترب الصين بعد من منافسة حضور الولايات المتحدة في المنطقة. لكن الدول هناك تزداد اتجاها إلى الصين لا بوصفها مشترية لنفطها فحسب، وإنما للتعاون أيضا في مجالي التكنولوجيا والأمن، وهذه النزعة قد تتسارع مع انسحاب الولايات المتحدة.
بالنسبة للصين، تعزز الاضطرابات الأخيرة في البلاد المجاورة لها مثل أفغانستان وكازخستان من رغبتها في إرساء روابط مستقرة في المنطقة. ويتبع هذا التوسع انسحاب أمريكا العسكري من أفغانستان بعد عشرين عاما، والإنهاء الرسمي لمهمتها القتالية في العراق. وذلك ـ بالتوازي مع تواتر حديث إدارة بايدن عن احتلال الصين قمة أولويات الأمن الوطني لديها ـ بما جعل الكثير من شركائها في الشرق الأوسط يعتقدون أن اهتمام واشنطن بات ينصب على مكان آخر.
رحبت بكين بهذه الفرصة لتوسيع نفوذها، ويقدِّر القادة العرب للصين ـ التي تروج لفضيلة “عدم التدخل” في شؤون البلاد الأخرى ـ أنها لن تتدخل في سياساتهم الداخلية أو تبعث قوات عسكرية للإطاحة بأصدقائها الطغاة. وبوسع كل طرف أن يثق في أن الآخر سوف يغض الطرف عن انتهاكاته لحقوق الإنسان.
الولايات المتحدة جادة في الخروج
قال جيداليا أفترمان ـ رئيس (برنامج سياسة آسيا) في معهد (آبّا إيبان للدبلوماسية الدولية) بجامعة ريتشمان في إسرائيل إن “هناك إحساسا في المنطقة بأن الولايات المتحدة جادة في الخروج، وأن تلك فرصة سانحة للصين”.
اهتمام الصين بالشرق الأوسط له جذور قديمة تكمن في احتياجها إلى النفط. فهي تشتري قرابة نصف الخام من دول عربية على رأسها السعودية، ومؤكد أنها بحاجة إلى المزيد في ظل استمرار نمو اقتصادها ـ وهو ثاني أضخم اقتصاد في العالم.
لكن الصين في السنين الأخيرة تستثمر أيضا في البنية الأساسية الحيوية في المنطقة وتبرم صفقات لإمداد بلاد المنطقة بتكنولوجيا الاتصالات والتكنولوجيا العسكرية.
تضع شركات مدعومة من الدولة الصينية أعينها على استثمارات في مينار تشاباهار البحري في إيران. وتستثمر في المنطقة التجارية الخاصة بالدقم في سلطنة عمان، وفي بناء وتشغيل محطة حاويات في العاصمة الإماراتية أبو ظبي وكذلك في ميناءين بإسرائيل.
تعكس هذه الخطوات رؤية الصين للشرق الأوسط بوصفه محوريا لمبادرة الحزام والطريق وهي خطتها الشاملة لبناء بنية أساسية دولية لتيسير التجارة الصينية.
ترجو الصين أن تربط الأسواق وسلاسل التوريد من المحيط الهندي إلى أوروآسيا، جاعلة من الخليج العربي “مركزا مهما بحق” بحسب ما قال جوناثان فولتن الزميل الكبير غير المقيم لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلنطي.
في صفقاتها ذات الطبيعة التجارية في المنطقة لم تتصادم الصين بشكل مباشر مع الولايات المتحدة. لكنها غالبا ما تروج لنفسها كشريك بديل للبلاد التي لديها تساؤلات عن نموذج واشنطن التنموي، أو التي لديها تساؤلات عن تاريخ واشنطن في التدخلات السياسية والعسكرية في شؤون البلاد الأخرى.
الأكثر أهلية للثقة
قالت (لي جوفو) ـ الباحثة في معهد الصين للدراسات الدولية الخاضع لإشراف وزارة الخارجية الصينية ـ إنه “في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة صعودا وهبوطا في سياساتها المحلية والخارجية، تشعر هذه البلاد أن الصين ليست فقط البلد الأكثر استقرارا، ولكنها أيضا الأكثر أهلية للثقة”.
مصالح الصين الرئيسية في المنطقة مصالح اقتصادية، لكن روابطها المتنامية أتتها أيضا بمكاسب سياسية. فدول الشرق الأوسط لزمت الصمت حيال قضايا من قبيل قمع بكين للحريات السياسية في هونج كونج وخطواتها التهديدية تجاه تايوان.
بالنسبة للدول العربية، تبدو منافع العلاقة واضحة: فالصين تعد بأن تكون مشترية بعيد المدى للنفط والغاز ومصدرا محتملا للاستثمار دونما تبعات سياسية كالتي ينطوي عليها العمل التجاري مع الولايات المتحدة.
تتعامل بكين مع الحكومات التي تعافها واشنطن. ففي الفترة القريبة انضمت سوريا ـ التي ينوء قادتها بعقوبات ثقيلة ـ لمبادرة الحزام والطريق. وأصبحت إيران تعتمد بشدة على الصين منذ أن انسحبت الولايات المتحدة من الصفقة المبرمة للحد من برنامج إيران النووي وأعادت فرض عقوبات تكبل اقتصادها.
لكن روابط الصين الأكثر شمولا في المنطقة هي روابطها بعمالقة النفط في الخليج وفي صدارتها السعودية والإمارات.
الشريك التجاري الأكبر
والصين هي الشريك التجاري الأكبر لكثير من بلاد المنطقة التي تتوقع منها شراء المزيد من نفطها وغازها في الوقت الذي يقل فيه شراء الولايات المتحدة في ظل سعي إدارة بايدن إلى الابتعاد عن الوقود الحفري. في العام الماضي، تجاوز التبادل التجاري بين الصين ودول الخليج مئتي مليار دولار للمرة الأولى، وتوسع التعاون إلى مجالات جديدة.
وكانت البحرين والإمارات أول بلدين يقران لقاحات فيروس كورونا الصينية، وشاركت الإمارات شركات صينية في إنتاجها.
في الملخصات الصينية الرسمية للقاءات يناير، حظيت السعودية بأدفأ الثناء، إذ وصفتها الصين بـ”الصديقة الجيدة” و”الشريكة الجيدة” و”الشقيقة الجيدة”. وفي يوم الأربعاء عقد مسؤولون دفاعيون رفيعو المستوى من الصين والسعودية اجتماعا افتراضيا لمناقشة سبل تعميق الروابط العسكرية بين البلدين.
وتهتم الإمارات ـ الراغبة في تدعيم وضعها كمركز تكنولوجي ومالي ـ اهتماما خاصا بالشركات الصينية. قال إيك فيريمان الحاصل على دكتوراه في الدراسات الصينية من جامعة أكسفورد إن “الكثير من شركات التكنولوجية الصينية في الطليعة حاليا وتحاول الوصول إلى العالمية، ولا تستطيع دخول الولايات المتحدة أو أوربا بسبب القواعد التنظيمية”.
لقد جربت الولايات المتحدة منع بعض تحركات الصين في المنطقة، وبخاصة في تحديث البنية الأساسية على يد شركة هواوي العملاقة في مجال الاتصالات، وتحذر واشنطن من أن ذلك قد ييسر التجسس الصيني. ولكن بعض البلاد العربية أبرمت صفقات مع هواوي متجاهلة التحذير.
ويرى محللون أن نفور الصين من السياسات والصراعات الإقليمية قد يعوق ـ بمرور الوقت ـ توسعها في الشرق الأوسط الحافل بالحروب والانتفاضات والتوترات الطائفية. والصين لم تبذل جهدا قط لمحاكاة الحضور الأمني الأمريكي هناك، في حين حاول شركاء الولايات المتحدة العرب التعامل مع الصين بطرق لا تقصي واشنطن.
قالت إلهام فخرو الباحثة الزائرة في مركز دراسات الخليج بجامعة إكستر إن “دول الخليج حريصة على النهج المتوازن لتضمن ألا تؤدي روابطها المتنامية بالصين إلى استعداء ضامن أمنها الأساسي، أي الولايات المتحدة”.
“خدمة نيويورك تايمز”

