ترجمة أحمد شافعي –
قبل أكثر من خمسة وسبعين عاما، في مواجهة الاتحاد السوفييتي الذي أراد بوضوح أن يستولي على دول خارج حدوده، تبنت الولايات المتحدة منهج حرب باردة بات يعرف بـ”الاحتواء”، وهو مصطلح يبدو بسيطا لكنه تحول إلى استراتيجية معقدة في الحرب الباردة.
في يوم الخميس، استيقظ الرئيس بايدن على هجمة عنيفة غير مبررة على أوكرانيا تنتمي إلى نوعية الكوابيس التي جرى تخيلها قبل ثمانية عقود، فتحرك بوضوح إلى النسخة الثانية من استراتيجية الاحتواء. وبرغم أن هذه النسخة تبدو شديدة الشبه بسابقتها، فسوف يتحتم تعديلها لتلائم العصر الحديث الأكثر تعقيدا من أوجه كثيرة.
فالبلد الذي تحرك للتو “لمحو بلد كامل عن الخريطة العالمية” على حد تعبير المستشار الألماني أولاف شولتز، يظل أيضا موردا أساسيا للغاز الطبيعي اللازم لتدفئة الألمان وكثير من الأوربيين. وهذا يفسر إحجام الرئيس بايدن عن قطع هذا التصدير المهم. كما أن لدى روسيا اليوم ترسانة أسلحة سيبرانية يمكن أن تستعملها للهجوم الإنترنتي على الولايات المتحدة أو حلفائها دونما مخاطرة بقيامة نووية، وهذا خيار للثأر من العقوبات الأمريكية لم يكن متاحا قط لأسلاف الرئيس فلاديمير بوتين.
وما هذان غير مثالين لتوضيح أن الاحتواء لن يكون يسيرا. ولكن الرئيس بايدن أوضح أن هذه هي الوجهة التي يقصد إليها.
على مدار ثلاثة عقود، وصف الرؤساء الأمريكيون سلسلة من القيادات الروسية بأنهم “أشبه برجال الأعمال” بل وبأنهم “شركاء”. واحتفوا بسياسة الانفتاح المعروفة بالجلاسنوست [glasnost] وقدموا موسكو لمنظمة التجارة العالمية ومجموعة الدول السبعة الصناعية. بل إن واشنطن تلذذت في تسعينيات القرن الماضي بفكرة ـ عابرة ـ ترى أن روسيا قد تنضم إلى الناتو. ومضت سنوات لم يتكلم أحد فيها بهذه الطريقة. ولكن الرئيس بايدن ـ الذي تولى الرئاسة في العام الماضي وهو يتكلم عن تأسيس علاقة مع موسكو تتسم بـ”الاستقرار والقابلية للتنبؤ” ـ تكلم عن علاقة ممزقة تماما يوم الخميس.
قال الرئيس بايدن في خطاب من البيت الأبيض إن “العالم كله الآن يرى بوضوح ما يريده بوتين وحلفاؤه في الكرملين ” وأضاف أن “الأمر لم يتعلق قط بمخاوف أمنية حقيقية من جانبهم. بل لقد كان دائما مسألة عدوان سافر، ورغبة من بوتين في بناء إمبراطورية بأي وسيلة لازمة، بالتنمر على جيران روسيا عبر الإكراه والفساد”.
تعهد بايدن أن يجعل الروس يدفعون “ثمنا غاليا، اقتصاديا واستراتيجيا” وأن يجعل الرئيس بوتين “منبوذا على المسرح الدولي”. ربما كانت هذه الكلمات لتبدو مألوفة لجورج كينان، ضابط الخدمة الخارجية الأمريكية الذي اشتهر بأنه المخطط الاستراتيجي الكبير الذي اخترع الاحتواء، وإن حذر لاحقا ـ وهو في الرابعة والتسعين ـ من أن توسيع الناتو ليصل إلى الحدود السوفييتية فكرة خاطئة وسوف تؤدي حتما إلى “بداية حرب باردة جديدة”.
“الاحتواء” الذي وصفه كينان في “البرقية الطويلة” الشهيرة، وهي مذكرة من ثمانية آلاف كلمة مرسلة من السفارة الأمريكية في موسكو كان هدفها الرئيسي هو وضع حدود جغرافية للطموحات السوفييتية. لكن برغم طول البرقية، استغرق أغلبها في شرح سيكولوجية النظام الستاليني الذي وصفه كينان بجنون الارتياب ورؤية العالم الخارجي “شريرا عدائيا مهددا”.
التماثلات مذهلة مع خطاب الرئيس بوتين ليلة الاثنين حيث اتهم أوكرانيا ببدء إبادة جماعية، والسعي إلى امتلاك أسلحة نووية ـ وكلا الزعمين غير صحيح ـ واتهم الولايات المتحدة بالسعي إلى استعمال الأراضي الأوكرانية لضرب موسكو. وكذلك وصف أمريكا بـ”إمبراطورية الأكاذيب”.
لكن “التعقيدات اليوم” ـ كما قال ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية يوم الخميس “كبيرة للغاية أمام نجاح الاحتواء”.
وأشار إلى أن الاتحاد السوفييتي كان يمثل إلى حد كبير تحديا عسكريا وأيدولوجيا أما روسيا اليوم فمصدر للوقود والمعادن الضروية “وهذا يعطيهم ميزة كبيرة علينا، حتى لو أن لنا ميزة عليهم”. وقد اتضحت قوة ميزتهم علينا في إجابة الرئيس بايدن على سؤال يوم الخميس عن سبب عدم طرد روسيا من نظام الاتصال البنكي العالمي للمعاملات المالية (سويفت SWIFT).
من شأن إخراج روسيا من هذا النظام أن يكون خطوة تدميرية، تقطع عن الحكومة عائدات الغاز التي تقدر بنحو 40% من دخلها النقدي، ومن شأنه أن يكون العقوبة المفردة القادرة بصورة شبه يقينية على إيذاء الرئيس بوتين أذى لا تملك عقوبة أخرى تحقيقه.
لكن الرئيس بوتين أشار في خطابه إلى أنه “في حزمتنا العقابية، خطَّطنا تحديدا لما يسمح باستمرار مدفوعات الطاقة”. وبسؤاله عن إخراج روسيا من سويفت أضاف في رقة أنه “في الوقت الراهن، ليس هذا بالوضع الذي ترجو أوربا اتخاذه”. والواقع أن الجدل بشأن سويفت مصدر توتر في نقاشات الغرف المغلقة، وبخاصة مع ألمانيا. والاعتراض الألماني واضح: إذا لم يجد بلد وسيلة لدفع ثمن الغاز، فلن ترسله إليه روسيا.
لكن السبب الثاني لاحتمال عدم نجاح الاحتواء هو أن لدى روسيا شريكا جديدا واقفا في مواجهة الغرب، وإن يكن غير متحمس كثيرا، وهو الصين.
حينما أوصى كينان بنظرية الاحتواء، كانت الصين في حرب أهلية. وفي وقت لاحق من الحرب الباردة، حينما التقى القادة الروس بنظرائهم الصينيين، كانت روسيا هي اللاعب الميهمن بين البلدين. انتهى هذا. في الاجازة الأسبوعية الأخيرة حينما قال وزير الخارجية الصيني بالمشاركين في مؤتمر ميونخ للأمن إن حدود أوكرانيا لا بد أن تحترم، اطمأنت النفوس.
بدا، للحظة، وكأن الصين تكبح روسيا. لكن ذلك كان في يوم السبت. أما في يوم الخميس، مع قصف القوات الروسية لأوكرانيا، قالت الحكومة الصينية إنها أجازت العديد من الصفقات المعلن عنها خلال زيارة الرئيس بوتين لبكين لحضور الأولمبياد الشتوية في هذا الشهر، ومنها صفقة لشراء كميات هائلة من القمح الروسي. ولم تظهر كلمة “العقوبات” قط في الإعلان الصيني عن الصفقات في هذا الأسبوع.
حينما سأل الرئيس بايدن يوم الخميس عما لو كان يحث الصين على المساعدة في عزل روسيا، تردد ثم قال “لست مستعدا للتعليق على هذا في اللحظة الحالية”.
وفي الاحتواء تحد أخير لم يستشرفه كينان، وهو صعود الصراع السيبراني بوصفه آلية غير حربية تهاجم بها القوى العظمى إحداها الأخرى من بعيد، دونما اللجوء لأسلحة نووية.
ذكرت شركة مايكروسوفت في أكتوبر أن 58% مما تعقبته من الهجمات السيبرانية التي وقعت العام الماضي في شتى أرجاء العالم برعاية من دول قد خرجت من روسيا. وهذا لا يتضمن عصابات برامج الفدية الإجرامية التي تعمل من الأراضي الروسية.
لم يخف مسؤولو إدارة بايدن تخوفهم من رؤية روسيا لترسانتها من الأسلحة السيبرانية المدمرة باعتبارها وسيلة للرد على العقوبات الأمريكية. والآن وقد أعلن الرئيس بايدن فرض عقوبات على بعض أكبر البنوك الروسية، فربما تكون هجمة سيبرانية جيدة التخطيط هي أكفأ وسيلة تحاول بها روسيا الانتقام من المؤسسات المالية الأمريكية. لكن روسيا تعلمت في العام الماضي أن المجموعة المستهدفة من البنية الأساسية الأمريكية الضعيفة أكبر كثيرا.
كان الاجتماع الوحيد الذي عقده الرئيس بايدن في العام الماضي مع الرئيس بوتين في جينيف قد عقد بدافع من اختراق خط أنابيب كولونيال الذي أغلق نحو نصف تدفق البنزين ووقود الطائرات إلى الساحل الشرقي، وتسبب في ظهور طوابير الوقود برغم وجود وفرة منه. كان حدثا اهتز له البيت الأبيض وتعلم منه الكريملين دروسا تتعلق بضعف البنية الأساسية الحيوية في أمريكا.
خرج الرئيس بايدن من الاجتماع مظهرا بعض الاحترام المهني للرئيس بوتين بوصفه خصما. ومن جانبه قال الرئيس بوتين إنه “لا وجود لعداوة”. وفي لحظة ما وجه الرئيس بايدن سؤالا للرئيس الروسي عما قد يشعر به لو هوجمت خطوط أنابيب الغاز الروسية من بعيد ـ وهو السؤال الذي فسره البعض باعتباره تهديدا للرئيس الروسي.
على مدار شهور، تراجعت عصابات برامج الفدية، ولم يمض وقت طويل على اعتقال الشرطة الروسية ـ بناء على معلومات من الولايات المتحدة ـ مجموعة مما وصفته بالقراصنة الإلكترونيين الإجراميين. لكن هناك خوفا الآن من إطلاق العنان لهذه العصابات، وكذلك مجموعات القرصنة من قبيل ساندوورم التي تم ربطها بوحدة جي آر يو، أو المخابرات العسكرية الروسية. ويعتقد أن ساندوورم مسؤولة عن قرصنة شبكة الطاقة الأوكرانية وأهداف عدة في الولايات المتحدة.
منذ ما يزيد على شهر، تصدر مديرة وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية الأساسية جين إيسترلي سلسلة مما تسميه تغريدات “الدروع” وتظهر علنا للتشجيع على مزيد من المرونة في شبكات الكمبيوتر الخاضعة لسيطرة القطاع الخاص في الولايات المتحدة.
بالتعاون مع البريطانيين والمباحث الفيدرالية وووكالة الأمن الوطني كشفت وكالة جين إيسترلي تفاصيل تقنية لسلسلة من البرامج المؤذية التي رصدتها. وتبين أنها مشتقة من إحدى أكثر الهجمات التي تم تنفيذها تدميرا وكانت موجهة لأوكرانيا في عام 2017.
بالنسبة لأكبر البنوك والمرافق في أمريكا، كان هذا خبرا قديما، إذ درست لسنوات الهجمات الروسية على أوكرانيا ودول أخرى. لكن في مؤسسات أخرى أقل استثمارا في صد الهجمات، يستغرق بناء المرونة وقتا، لذلك لا يتصور أحد أن تحذيرات اللحظة الأخيرة لإغلاق النظم الضعيفة كافية وإن تكن نافعة.
لسنوات تحذر حكومة الولايات المتحدة من أن روسيا أدخلت شيفرة ضارة في الشبكات الأمريكية، ومنها شبكة الطاقة، وهي قادرة على الإطلاق في تاريخ لاحق. (وقد فعلت الولايات المتحدة مثل ذلك في روسيا). لكن روسيا مترددة حتى الآن في إطلاق تلك “الشيفرة النائمة”. وقد تدفع عقوبات الولايات المتحدة القيادة الروسية إلى إطلاقها في ما يتكهن البعض.
ثم هناك مشكلة ما يسميه البعض “التداعيات الرقمية”، إذ ربما يتسبب هجوم يستهدف أوكرانيا في ضرر جانبي.
وقد حدث هذا من قبل: حيث انتهت هجمة توتبيتيا الروسية على أوكرانيا في 2017 بالتسلل خارج حدود أوكرانيا، فأعاقت بعض عمليات شركات الشحن مثل ماريسك وفيدكس.
قال السناتور الديمقراطي مارك وورنر عن ولاية فرجينيا ورئيس لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ الذي سخر كثيرا من طاقته لمثل هذه السيناريوهات إن “بوسعك أن تتخيل تصعيدا سريعا إلى ما قد يعد هجمة على الناتو”. وهذا منطقة مجهولة لم يتعين قط على كينان أن ينظر في أمرها.
* “خدمة نيويورك تايمز”

