(استئنافا لنشر حلقات جديدة كان قد بدأ مع ملحق «شرفات» الثقافي إبان صدوره، وتمهيدا لإصدار الجزء الثاني من اليوميات بعد «تشظيات أشكال ومضامين: عنوان مبدئي في أحسن الأحوال وأسوئها» الذي كان قد صدر عن دار الانتشار العربي، بيروت، 2009)
الأربعاء، 20 ديسمبر 1989، سان دييجو، كاليفورنيا:
ما هذا؟
ما هذا بالضبط؟
«مَن مِن الملائكة سيسمعني إذا صرختُ؟ » (ريلكه، «المراثي»).
الخميس، 21 ديسمبر 1989، سان دييجو، كاليفورنيا:
أنا كالريح
والعالم مثل ريشة من غبار.
حَسَنٌ جدا، لكن ما الجدوى في ذلك؟
ما النفع في أدوات التشبيه؟
الثلاثاء، 26 ديسمبر 1989، سان دييجو، كاليفورنيا:
(1)
بالمعنى الأعمق: الإحساس بالحريَّة يقاربك بالموت.
(2)
وجهان من الوجوه الأكثر بغضا ونذالة تسللا إلى عينيك في كوابيس البارحة؛ وجهان هما من الوضاعة بحيث لا تريد أن تذكرهما هنا حتى لك وحدك. إن الذاكرة الفرديَّة نتاج مادي صارم، من دون أن يمنع ذلك وجوها لا تعرفها من التسلل.
الذاكرة ذئب يتحين كل الفرص واللافرص للافتراس، ودوما يفتك.
(3)
أثناء وجودي في المكتبة العامة كانت هناك امرأة عجوز، وحيدة، متأنقة ومنهمكة في القراءة. إنها تقرأ زمنها الشخصي الموشك على الأفول. كم كان ذلك مشهدا جميلا.
(4)
قبيل الخامسة والنصف مساء صاح بك أحد موظفي المكتبة العامة: «إننا على وشك الإغلاق!» انتزعت وجهك من كتابك، ونظرت إليه بدهشة خاصة أنه لما تمض بعدُ حتى ساعتان من القراءة. «ولكنكم تقفلون في الثامنة»، قلتُ له. «كلا! نغلق في الثامنة في أيام الاثنين والأربعاء فقط»، أجاب!
حقا، ليس هناك أي سبب معقول لأن يكون اليوم هو الثلاثاء وليس الاثنين أو الأربعاء. السبب الوحيد هو استحالة عيشك في الزمن الموضوعي وفق شروطه هو.
حسن اليوم هو الثلاثاء، ولكن ما الجوهري وما الفرق الحاسم في ذلك بالنسبة لي؟
(5)
كيف يمكن للمبدع الحقيقي ألا يكون قلقا بصورة قاسية، تدميريَّا ومتعدد الوجهات من حيث توجيه شكوك الطاقة التدميريَّة والتساؤليَّة.
بازوليني:
من الشعر، والقصة، والرواية، والنضال السياسي، والرسم، والنقد والتنظير، وإنجاز السينما، إلى النص؛ أي إلى استحالة ذلك النص ودمار المبدع. من ضيق الأنواع والأجناس إلى رحابة الانتحار المباشر وغير المباشر. من ضيق النظريَّة إلى محاولة مؤاخاة ماركس وفرويد والمسيح؛ من الدمار الذاتي إلى فضح التماسك الكوني، أو ما يبدو لبعضهم كذلك.
من الرأي إلى الرؤيا.
حين أفضى بازوليني في حوار مع أوسوالد ستاك رغبته بأن يكون عمله الأخير فيلما عن محاكمة سقراط وإعدامه فإن الرأي إنما كان يؤسس لحتفه هو نفسه إذ أنه، بعد سنوات من إجراء ذلك الحوار، إذا بغوغاء أثينا القديمة ورعاعها يرسلون سيَّارة لتسوِّي القلق الكبير بالأرض في روما المعاصرة في هذه المرة: سقراط الأقل ولاء واعتبارا للأنظمة والقوانين هذه المرة؛ بازوليني الذي يحفر قبره بِسُمِّ عينيه هذه المرة.
أتفكر في ذلك وأنا أشاهد بازوليني في «ملاحظات نحو أورِسْتِس إفريقيَّة» وهو فيلم لم يكتمل.
كيف له أن يكتمل؟
(6)
قبل سنوات من الآن، كان يتأتى لك أن تتكلم عن الانتحار، وكنت تذهب إلى حد الشغف بالتفاصيل القتليَّة: أن تُسدِّد حتفك بالشعريَّة التي تريد. كنت تقف هنا بينما الانتحار يقف على مسافة قريبة. أنت تنظر إليه وهو ينظر إليك، وكل منكما يمتحن نظرات الآخر، ويذهب في التأويل. حين كنت تنظر إليه من تلك المسافة فإنك إنما كنت تفكر فيه، أما هو فقد ضلَّلك: كان أقرب إليك مما اعتقدت. «أفكر في الانتحار»، كنت تقول. الآن، لم يعد ذلك ممكنا، فقد ألغيت تلك المسافة، أو ما كنت تعتقد أنه مسافة، بينه وبينك. الآن أصبحت تعيش الانتحار بوصفه ممارسة حياتيَّة ويوميَّة.
أنت في حالة انتحار دائم.
(7)
كي تبرر وجودها فإن الكتابة تذهب في نزعتها القتليَّة إلى الكاتب. أما الكاتب فليس لديه سوى الذهاب إلى الكتابة؛ وبهذا يثبت كونه إلها مأساويَّا.
(8)
أنت النقطة فوق «الخاء»؛ خاء الخراب. أنت النقطة تحت «الباء»؛ باء الحِراب.
(9)
على قسوتها، تبقى الكتابة العزلة الأكثر حقيقيَّة، والأكثر نصاعة ونضارة، في عريها الجارح.
(10)
كيف لا يؤلمك كتفاك وروحك تنوء بكل هذه الأثقال؟
(11)
كيف يمكن للعشق الحقيقي أن ينفصل عن التخريب والجنون؟ لم يعد العشق ممكنا اليوم لأن الناس أصبحوا عقلانيين بشكل سخيف. أتفكر في ذلك وأنا أتأمل بورتريه فان جوخ الذاتي بأُذن مضمَّدة.
لا يستطيع الجسد الأمريكي أن يعشق لأنه عقلاني جدا، ورياضي جدا، ولذا فإنه ليس بجسدٍ مأساوي، ليس جسدا عشقيَّا. إنه جسدٌ ميِّت، لا يستطيع أن يجرح، ولا يتمكن من أن ينجرح: جسد لا يستطيع أن يعشق؛ جسد لا يتمكن إلا من ازدراد كثير من الهمبورجر والانخراط في المزيد من الـ «fun».
لا فائدة في كل شيء يأتي من أمريكا.
الأربعاء، 27 ديسمبر 1989، سان دييجو، كاليفورنيا:
من الماء أتيت، وإلى الماء أعود. هكذا قالت رؤى البارحة.
الخميس، 28 ديسمبر 1989، سان دييجو، كاليفورنيا:
(1)
وحدها الحياة الصعبة تنتج الكتابة، وهي تلك التي يتقاطع معها بعمق كبير خلقٌ كثير (قد يبلغ حدُّهم الأقصى ثلاثة أشخاص بالكامل).
(2)
البارحة، في ذروة الرعشة مع كاتيا، رأيتُ الموت، رأيته، رأيته، رأيته.
(3)
الكتابة استحالة، وكفى.
(4)
لكنك، أيضا، لا تستطيع أن تموت.
(5)
القراءة. يا للكتابة.
(6)
لكن الموت ليس انتصارا. إنه تَرَفُّع.
(7)
أنت كل شيء، وأنا الشاهد.
(8)
يتساقط المطر خلف زجاج المقهى بينما يتصاعد بخار القهوة الدافئة ودخان التبغ وحنانه بين كاتيا وبينك. ترى إلى حتفك في عينيها السوداوين وترغب في أن تحاورهما بصمت.
حينما افترقتما وعدت تسوق سيارتك في الليل الممطر تمنيت لو أن الطريق لا يتوقف.
الجمعة، 29 ديسمبر/ 1989، سان دييجو، كاليفورنيا:
في العام الجديد ينبغي التفكر في الأوجاع القديمة.
السبت، 30 ديسمبر/ 1989، سان دييجو، كاليفورنيا:
(1)
شاهدت اليوم ثلاثة أفلام:
1. فيلم وثائقي عن لينين، وكنت تتفكر في أن لينين لو كان حيَّا لقبلتَ صداقته بلا تردد، ولحدَّثتَه عن الأرق الثوري المزمن والبعد الشخصي في العملية الثوريَّة، ولصارحتَه أنك، وعلى الرغم من الاحترام الكثير الذي تكنُّه له، فإنك تختلف معه في بعض الأشياء. ولكنك بالتأكيد كنت ستتفكر مليَّا في إيضاحه بأنه لم يكن لديه وقت كافٍ للاهتمام بكل المسائل. لينين هو أحد الثوريين الذين تتمنى مصاحبتهم والاستماع إلى موسيقى بيتهوفن بمعيَّتهم. قد يكون أهم ما جذبك في الفيلم المشهد الذي يتحدث فيه صانع ثورة أكتوبر 1917 (أو من الأفضل القول إنه أحد صُنَّاعها المعلومين الكبار، فلكل ثورة جنودها المجهولون) بينما يداعب بين كفَّيه قطَّة استسلمت لحنانه.
2. فيلم «حالة حصار» لكوستا جافرَس. رغم أهمية جافرَس التاريخيَّة في تأسيس خط «سياسي» في السينما يتناغم مع المد الثوري في الستينيَّات والسبعينيَّات، إلا أنك تمنيت لو كان جافرَس ثوريَّا أكثر في تعامله مع مادته، كما كان لينين ثوريَّا في تعامله مع الواقع.
3. فيلم «أيام الغضب» الوثائقي عن الانتفاضة الفلسطينية الذي، لأجل امتصاصه، أبت «النزاهة الأمريكية» إلا أن تضعه ضمن برنامج آخر وتضادُّه بوجهات نظر أخرى ما دامت مقاربته التوثيقية لمعاناة الفلسطينيين اعتُبرت «بروباجاندا». كم هو عنصريٌّ وفاشيٌّ الإعلام الأمريكي السائد تحديدا وبالضبط تحت مظلَّة «الموضوعيَّة». أما الفلسطينيون فإنهم يحتاجون إلى شخص مثل لينين.
(2)
الظلمة مظلمة ومضيئة.
(3)
قاسم حدَّاد ثوريٌّ.
(4)
الثوريُّ مأساويٌّ بالضرورة.
