إن علم المقاصد وكما أشرنا في موضوعاتٍ سابقة، ليس مقصوداً لذاته، وإنما يُراد به إعماله وإستثماره في فهم النصوص الشرعية وتوجيهها.
وعلى سبيل المثال، بما يتعلق في النصوص ظنية الدلالة، هنا يستعين المجتهد بالمقاصد في فهم النصوص، واختيار المعنى المناسب لتلك المقاصد وتوجيه معنى النص فيما يخدمها، وبذلك تكون النصوص الشرعية طبقاً لمصدريها الرئيسيين (القرآن الكريم والسنة النبوية) مجالاً من مجالات إعمال المقاصد، وذلك من خلال فهم النصوص وتفسيرها ومعرفة دلالاتها، وبالتالي انبثقت مدارس ومناهج في فهم تلك النصوص، وذلك يعود إلى طبيعة ونوعية الأصول التي يستند إليها أصحاب كل اتجاه.
الإتجاه الأول، يقف عند ألفاظ النصوص، وحرفيتها، مكتفياً بما يعطيه ظاهرها، مثل أصحاب المدرسة الظاهرية، التي لديها خصائص عامة في فهم الألفاظ والنصوص، أي الأخذ بالظاهر، دون الالتفات إلى أسرار المقاصد بشكل عام، أما الإتجاه الثاني فهو لأصحاب المدرسة المقاصدية وهذا الاتجاه يستند إلى التسليم بأن للشريعة مقاصد وحِكَم في عموم أحكامها ونصوصها.
وبالتالي إن المفسر الناجح هو الذي يجعل من مقاصد القرآن الكريم وأهدافه، مقاصد له وأهدافاً، فالكتاب الحكيم رسالة إلى كل البشر في نظام شامل وتشريع كامل، ومنهج واقعي يراعي الفطرة الإنسانية ومصالح الفرد والمجتمع، وبالتالي على المفسر أن يحدد أهدافه من كتابة التفسير قبل أن يشرع فيه، وينبغي أن تكون تلك الأهداف مواكبة لأهداف القرآن الكريم ومقاصده، وبالتالي يجب ان تكون لدى المفسر نظرة شمولية عند تفسير القرآن الكريم، وما يدل على أهمية هذه النظرة، قوله تبارك وتعالى: (الكلام لا يلتئم بعضه ببعض إلا بجامع يشتمل على أشتات المطالب).
لا بد في فهم الخطاب القرآني وصول المجتهد لفهم مراد الشارع وذلك بالنظر إلى دلالة الخطاب اللغوية وكذلك القواعد الكلية التشريعية ومن ثم النظر في مقاصد الشريعة الإسلامية، فالقواعد الكلية هي التي جاءت في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية مثل “لا ضرر ولا ضرار”، و “إنما الأعمال بالنيات”، فالشريعة مبينة على قصد المحافظة من الضروريات إلى الحاجيات فالتحسينات، وهذه هي أصول الشريعة الإسلامية، وبالتالي هناك مسألة مهمة وهي أهمية الاعتماد على الكليات التشريعية وتحكيمها في فهم النصوص، وتوجيهها، وهو نوع من رد المتشابهات إلى المحكمات.
لا بد أن يُفهم الكلام في ضوء النص كاملاً دون أن يقتطع المفسر جزءاً منه ويفهمه بمفرده، والنص في حالة القرآن الكريم هو القرآن كله، يقول تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا)، أي إن شئتم الاصطياد وهذا الأمر لا يدل على إيجاب الاصطياد عند الإحلال، وإن كل شيء كان جائزاً، قم حرم لموجب، ثم أمر به بعد زوال هذا الموجب، أيضاً وفي ذات السياق، قال تبارك وتعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) عن قاعدة (المشقة تجلب التيسير).
مقاصد الشريعة الإسلامية كنز من السماء بين يدي المسلمين، فالمقاصد هي الحكمة كما في قولته تبارك وتعالى: (وبما أنفقوا من أموالهم)، أيضاً العلة مثل (التحقيق أن علة الربا في النقدين كونها جوهرين نفيسين)، وثم الغرض مثل (العدّة)، إذاً المقاصد هي فهم الحياة والعمل لما بعد الممات، قال تعالى: (إن الله يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذي يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً)، ففي هذه الآية الكريمة فيها جميع ما في القرآن الكريم من هدى إلى خير الطرق في الدنيا والآخرة وأعدلها وأصوبها، وهي من المسائل التي طعن فيها الملحدون دين الإسلام وأنكروها لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة.
أخيراً، إن الفهم العميق بنظرة شمولية كلية لفهم الخطاب القرآني وبالتالي الخروج بتفسير سليم، أهم ما يجب أن يتمتع به الشارع قبل إصدار حكمه وتفسيره بما يحقق الفائدة العامة من هذا الأمر.
واستكمالاً لهذه السلسلة سنتحدث ونوضح المقاصد العامة للشريعة الإسلامية في مقالنا القادم.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان

