حينما بدأت روسيا غزوها لأوكرانيا بقرابة مائتي ألف جندي، توقع الكثير من المراقبين ـ وربما توقع الرئيس بوتين نفسه ـ أن القوة سوف تتدفق بسهولة وأن الصراع سوف ينتهي بسرعة. بدلا من ذلك، بعد خمسة أيام من الحرب، يبدو أن ما يتكشف لنا هو سوء تقدير روسي بشأن التكتيكات وبشأن مدى شدة الأوكرانيين في القتال.
لم يتم الاستيلاء على مدن كبيرة بعد أن توقف الاندفاع الروسي الأولي نحو العاصمة كييف. وفي حين بدا أن الروس يكبحون قوتهم، نظمت أوكرانيا المدنيين وسلَحتهم لتغطية مزيد من الأرض، وهاجم جيشها قوات وخطوط إمداد روسية، تاركة دليلا مصورا على مركبات روسية محترقة وجنود موتى.
لكن الحرب أخذت تتغير بسرعة يوم الاثنين، ويرجح أن تعتمد في النهاية على المدى الذي تريد روسيا أن تذهب إليه في إخضاع أوكرانيا. ويشير سجل المسار الروسي في حرب سوريا الأهلية، وجهودها القاسية لسحق الانفصاليين في منطقة الشيشان الروسية، إلى أن بانتظارنا حملة متزايدة القسوة.
ظهرت دلائل يوم الاثنين في ثاني كبرى المدن الأوكرانية خركيف حينما أسرعت روسيا في قصف حي سكني وترددت أنباء عن وقوع خسائر كبيرة بين المدنيين، في هجمة ربما استعملت فيها ذخيرة عنقودية تحظر بلاد كثيرة استعمالها، وإن لم تكن منها روسيا وأوكرانيا.
قال دوجلاس لوت العسكري الأمريكي السابق والسفير في الناتو “نحن فقط في الأيام الأولى، ولم تزل لدى بوتين أوراق كثيرة لم يلعبها. لم يزل الوقت مبكرا على النبرة الانتصارية، وثمة كثير من القدرات الروسية لم تستعمل بعد”.
عقيدة الجيش الروسي في ما يتعلق بالاستيلاء على المدن تتسم في آن واحد بأنها عملية وقاتلة، تؤثر المدفعية الثقيلة، والصواريخ والقنابل لترويع المدنيين ودفعهم إلى الفرار، وقتل المدافعين وتدمير البنية الأساسية المحلية ووسائل الاتصالات قبل التقدم على الأرض.
قال لوت إن “روسيا لم تحشد بعد قدرتها العسكرية بطريقة فعالة. لكن العقيدة الروسية القائمة على القصف الكثيف بلا محاذير تجلت في الشيشان، وثمة احتمال بأن تنتظم روسيا تكتيكيا فيؤدي ذلك إلى قصف كثيف لمراكز سكانية”.
تواجه القوات الروسية الزاحفة إلى كييف مقاومة مستمرة “مبدعة وفعالة” بحسب ما قال مسؤول رفيع في البنتاجون للصحفيين يوم الاثنين. ولكن الهجوم الروسي لم يزل في يومه الخامس فقط، والراجح أن يتعلم القادة الروس من إخفاقاتهم ويتغيرون، حسبما قال المسؤول، مثلما فعلت القوات الروسية في سوريا. ويقول مسؤولون أمريكيون إنهم يخشون من احتمال تصعيد روسيا للقصف الصاروخي والجوي للمدن فتقع خسائر كبيرة بين المدنيين حسبما صرح مسؤول البنتاجون.
يقول خبراء كثيرون إن الرئيس بوتين في ما يبدو قد أساء التقدير إذ افترض أن ضربة سريعة لكييف كفيلة بإسقاط حكم الرئيس فولوديمير زيلنسكي، وأن الأوكرانيين إلى حد كبير لن يبالوا بما يجري. ويرى الخبراء أن هذا يفسر دخول الروس باستخفاف، محاولين في ما يبدو تقليل الخسائر بين المدنيين.
لكن الأوكرانيين أدهشوا الروس بدفاعهم، ومنيت بالفشل الذريع محاولة مبكرة للاستيلاء على مطار كييف بمجموعة طليعية بهدف السماح بدخول التعزيزات جوا.
قال ماتيو بوليج خبير الحرب الروسية في شاتام هاوس إن روسيا في ما يبدو حجمت بشكل لافت استعمالها للقوة إلى حد الخَرَق في الأيام الأولى “ودفعوا ثمن تصريحاتهم بأن هذه حرب دفاعية ضد فاشيين ونازيين جدد” لكن الآن “لدينا الكريملين وقد أصابه الضيق، ولم نرَ بعد ما تدخره روسيا”.
قال إن العالم “بدأ يرى المرحلة الثانية، عندما يدخلون بالمدفعية الثقيلة والقوات البرية، مثلما يفعلون في خركيف وماريوبول”.
قال بوليج “أخشى أن هذه ليست إلا البداية، قد نرى غزوا تاليا بقوات أكثر خبرة، وبمزيد من القوات، وقدر أقل من الأنظمة دقيقة التوجيه، وقدر أكبر من الاستنزاف، وقدر أكبر من القصف الكثيف وقدر أكبر من الضحايا”.
في محاولتهم للاستيلاء على كييف بسرعة، بناء على “افتراضات فادحة العيوب بشأن أوكرانيا”، أمسك الروس الكثير من قوتهم وقدراتهم القتالية “فظهروا بمظهر الحمقى في أولى أيام الحرب” حسبما قال مايكل كوفمان مدير الدراسات الروسية في معهد البحوث الدفاعية سي إن آيه.
لكنه استدرك قائلا “إننا لم نزل في بداية هذه الحرب، وكثير من التفاؤلية الابتهاجية بشأن الطريقة التي مرت بها الساعات الست والتسعون الأولى تعطي صورة كاذبة عن الوضع الفعلي على الأرض وعن حقيقة أن الأسوأ لم يزل في الطريق”.
قبل اثني عشر يوما، رجع جاك واتلنج من أوكرانيا، وهو خبير الحرب البرية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو معهد بحثي دفاعي، وقال إنه يتوقع المزيد من الضغط من القوات الروسية في الأيام القامة فـ”الروس لديهم الكثير من القوات في أوكرانيا، وفيما تستمر هذه القوات في التقدم بوتيرة ثابتة، يمكنها العمل مجتمعة، لا كفرق دبابات منفصلة، وسوف يعمدون إلى مستوى أعلى بكثير في القوة النارية”.
يقول محللون إنهم يتوقعون أن تعمل القوات الروسية من أجل توسيع سيطرتها في الجيبين الانفصاليين المواليين لروسيا في شرق أوكرانيا وهما دونيتسك ولوهانسك، والاستيلاء على جسر بري إلى القرم في الجنوب، مع دفع القوات من الشمال إلى الجنوب لتطويق الجيش الأوكراني الرئيسي في شرق نهر دنيبر. وهم يحاولون الإحاطة بماريوبول والاستيلاء على خركيف.
يقول الخبراء إن تلك الإحاطة ستقطع ما بين الكتلة الكبيرة من القوات الأوكرانية وكييف وتقطع عنها سهولة الإمداد، بما يحد بصورة كبيرة من المقاومة المنظمة. كما تتحرك القوات الروسية أيضا بثبات باتجاه كييف من ثلاثة محاور في محاولة للإحاطة بها.
في حين تواجه القوات الروسية مشكلات إمدادات ومشكلات لوجستية ـ لدرجة وقوف بعض المركبات بلا وقود في أولى أيام الغزو ـ ولكن المحتمل أن تكون مشكلات الأوكرانيين أصعب. سوف يبدأ الجيش الأوكراني في استنفاد الذخيرة خلال أسبوع حسبما يرى الخبراء واستنفاد صواريخ شتينجر وصواريخ جيفلين المضادة للدبابات قبل ذلك الحين.
تقوم البلاد المنتمية إلى الناتو والاتحاد الاوربي بإرسال الذخيرة وصواريخ شتينجر وجيفلين إلى غرب أوكرانيا من بولندا، وهي عضو في الناتو، عبر حدود لم تزل مفتوحة. بل إن الاتحاد الاوربي للمرة الأولى يعد بتعويض الدول الأعضاء بما يصل إلى 450 مليون يورو عن مشتريات وإمدادات الأسلحة والمعدات من قبيل السترات الواقية والخوذات لأوكرانيا.
لكن إذا قام الروس بعزل المدن، حسبما قال والتنج، فسوف يصعب الوصول بهذه الإمدادات إلى المدافعين الأوكرانيين. وقال إن المروحيات الروسية تبدأ في اعتراض الطائرات قرب الحدود البولندية، وإنه يحتمل أن تتحرك قوات إضافية من بيلاروسيا لقطع طرق الإمدادات من بولندا، وبخاصة في حال دخول قوات من بيلاروسيا في الحرب، وهو ما يبدو محتملا.
لم تمنع البدايات السيئة في صراعات سابقة روسيا من الانتصار، وكثيرا ما كان ذلك بتكلفة قاسية.
في سوريا، بدأ الروس بانتكاسات مبكرة، أوحت بتنبؤات بمستنقع. لكنهم تكيفوا باستعمال الصواريخ والقوة الجوية والمدفعية مع دخول بري قام به حلفاء في الغالب. فيما بين 2015 ونهاية 2017، قتلت الضربات الجوية الروسية ما يقدَّر بـ 5700 مدني على الأقل، ربعهم من الأطفال، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وكانت حربا الشيشان ضاريتين بصفة خاصة، فحطمتا العاصمة جروزني، وساعدتا في إعطاء بوتين ـ الذي كان آنذاك رئيسا للوزراء ـ سمعة الشدة. مات الآلاف قبل أن تستعيد روسيا السيطرة وتجعل الشيشان موالية للكريملين.
قال والتنج إنه يبدو أن روسيا، حتى اللحظة، مقيدة في أوكرانيا باعتقاد “أنهم غير قادرين على إحالة كييف إلى جروزني وتوقع حكم البلد. لكننا نرى الآن الكريملين يجيز أعمال العنف المفرط، ابتداء بخركيف” التي تعرضت لقصف عنيف لمناطق مدنية.
وقع مزيد من القصف لكييف ومدينة تشيرنيهيف التي تقع شمال شرق العاصمة. قال واتلينج “لا يمكن تهدئة شعب بهذه الطريقة بل إنها تمهد الأرض للتمرد”.
تثير الاستراتيجية أيضا سؤالا أخلاقيا، سواء بين القوات الروسية أو الرأي العام الروسي في روسيا.
قال إيان بوند مدير السياسة الخارجية في مركز الإصلاح الأوربي إن “أمورا كثيرة تعتمد على مدى الوحشية التي يريد الروس أن يكونوا عليها. ليس بوسعهم فرض الرقابة على كل شيء، ومن ثم فالتعامل الوحشي مع الأوكرانيين الذين يشعر كثير من الروس بصله معهم قد لا يكون ناجحا لبوتين على المستوى السياسي”.
في روسيا، يواجه الرئيس بوتين وضعا متزايد الصعوبة، حسبما يرى الخبراء. إذ يقول مالكوم تشالمرز نائب مدير معهد الخدمات المتحدة الملكي ـ وهو مجموعة بحثية في بريطانيا إن “لدى بوتين همًّا آخر في الحملة العسكرية، لكن إذا فشل في الأسبوع الثاني بمثل فشله في الأسبوع الأول، يقع تحت ضغط للعثور على مخرج”.
تأكد سوء تقدير الأيام الأولى بتأثير العقوبات الاقتصادية الغربية التي جاءت منسقة وعنيفة بدرجة غير متوقعة وأدت إلى خفض قيمة الروبل وأنذرت بمزيد من الاضطراب الاقتصادي لكثير من الروس العاديين.
ثمة أصوات روسية مرموقة تنتقد الحرب بالفعل، وأقيمت بعض المظاهرات في مدن روسية. وقمع هذه الاعتراضات لن يغيِّب واقع الحرب عن أغلب الروس.
قال والتنج إن “بوتين أخطأ التقدير وورط نفسه. والحرب سوف تستمر، لكن أمورا كثيرا تتوقف على طبيعة المقاومة”، سواء أهي قتال في المدن أم ستتحول مثلما يتوقع الكثيرون إلى حرب بين جانبين، “ولكن الأوكرانيين” مثلما قال والتنج “لن يستسلموا”
قال كيرتس سكاباروتي ـ الجنرال المتقاعد من الجيش والقائد الأعلى للحلفاء في أوروبا، إن الجنود الأوكرانيين “لا يستطيعون أن يجاروا الوحدات الروسية، لكنهم أيضا لن يتراجعوا”.
وقال في رسالة إلكترونية إن الأوكرانيين “لا بد أن ينجوا وينتقلوا إلى التمرد وهذه مهمة صعبة. والروس لا بدَّ أن يعززوا المكاسب ويسيطروا على بلد كبير يعاديهم شعبه. وسوف تشير الأيام القادمة إلى ما قد تجري عليه الأمور. لو صعب الأمر، سينزع الروس إلى القسوة”.
• شارك إريك شميت في الكتابة من واشنطن
** “خدمة نيويورك تايمز”

