إن الحالة الثقافية لأي فرد ليست إدّعاء، بقدر ما هي قدرة المرء على شحن نفسه ثقافياً، عبر القراءة والإطلاع على كل ثقافات الشعوب لبناء فكرة عميقة لكل حقبة ولكل شعب ولكل بلد، بالإضافة إلى التاريخ لكل ما سبق، فكلما قرأ الإنسان كلما زخرت ملكاته الفكرية وحللت المعلومات وتبيّنت الدقة في التوصيف أو التحليل أو الشرح، وكلما أبحرنا في صفحات الكتب، كلما بينينا فكراً نيّراً حرّاً، يؤثر ولا يتأثر إلا بما هو جيد ومفيد.
وكما هو معروف للجميع، يسعدني أن أقول إن بلدي الكويت زاخر بالمكتبات والتي تضم مختلف الكتب في كل الحقول والميادين، فأي ما كان توجهك ستجد ضالتك فيها، من أدب إلى علوم إلى أشعار، إلى كتب دين وفلسفة وتاريخ وجغرافيا والكثير الكثير، وبحكم ذهابي اليومي إلى العمل، أسمح لنفسي كل بضعة أيام في زيارة بعض المكتبات للإطلاع على كل ما هو جديد، وأنا بطبيعتي تستهويني السير الذاتية من الكتب، وأحب قراءتها بشكل كبير جداً، القديمة منها والحديثة، سواء كانت سياسية أم تاريخية وعلى وجه الخصوص شخصيات التاريخ الإسلامي، ومن ثم الأوروبي، والكتّاب والرؤساء وما شابه ذلك، بالإضافة لتخصيصي الوقت لقراءة الكتب الجامعية والرسائل العلمية سواء ماجستير أم دكتوراه، أم أبحاث علمية بشكلٍ عام، وأهتم أن تكون تلك الأبحاث من جامعات مرموقة سواء عربية أم أوروبية، في كل المجالات خاصة الإسلامية والفلسفية وعلم النفس وغير ذلك.
اللافت وأثناء زياراتي لإحدى المكتبات في الكويت، أن ما شدّ انتباهي عناوين كتب “السيرة الذاتية”، وقرأت عناوين تتناول شخصيات كثيرة للإصدارات المتوفرة، حيث أهتم بالطبعات المصرية والسورية والعراقية والمغربية وغيرهم، وبالتالي إن كمية الكتب التي تتناول هذه السير كثيرة جداً، لكن كان لدي ملاحظات كثيرة، فمثلاً من يتناول شخصية إسلامية مرموقة من آل البيت عليهم السلام، أو شخصية على سبيل المثال من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو نبي من أنبياء الله تبارك وتعالى بصورة عامة، من آدم عليه السلام، إلى ما شاء الله، ونسب أقوال كثيرة لهم.
والجدير بالذكر أن أتباع الديانات دائماً ما تكثر الكلام عن نبي من أنبياء الله تبارك وتعالى، إن كان سيدنا عيسى عليه السلام أو نبي الله موسى عليه الصلاة السلام أو يوسف عليه السلام أو إبراهيم عليه السلام، فأتباع المذاهب اليوم لديهم حالة من الممكن تسميتها بـ “الهوس” فيكثرون من الكتابة حول شخصيةٍ ما، فنجد مئات العناوين البرّاقة في هذا الشأن.
وهنا لا بد من التعقيب أن يخرج علينا أحدهم قائلاً، هذا الأمر مردّه نوع من الحب، وهذا حقهم لكن ضمن طرح المشاعر لا نسب الأقوال، والتي سأفسرها البرهان لاحقاً، لكن هذا إن جاز التعبير هو استهداف للوجدان المذهبي، فتشدنا العناوين ونشتري الكتب ونقرأها لألقى “تصورات وأماني الكتّاب”، دونما وجود للشخصية المعلن عنها، وعن فكرها ومآثرها، بل أجد تأملات ومشاعر قلم هذا الكاتب أو ذاك، وما يتمناه هذا الكاتب لأن يكون مترافقاً مع الشخصية التي إنتقاها، فهذا النوع من الكتّاب وتلك الأنواع من الكتب هي التي تستهدف العقل العربي، لأن الانتقاء لو كان في إطار شخصية غير إسلامية فبالطبع هذا شأن الكاتب، لكن العبث بسيرة شخصية إسلامية هنا الطامة الكبرى، فالشخصيات الإسلامية بالمطلق شخصيات لها اعتبارها بالفكر الإنساني قبل الإسلامي، لأن الأخلاق روح الأمة، فإذا صحت الروح عاشت الأمة قوية عزيزة مرهوبة الجانب، وإذا فسدت الروح تهاوت الأمة وخارت قواها وأصبحت مطمعاً للطامعين، وهدفاً للأعداء، والأخلاق الإسلامية نابعة من الدين، وكفيلة بالخير المطلق، وصالحة للناس أجمعين، ومجمل رسالة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول: “إنما بعثتُ لأتممَ مكارمَ الأخلاقِ”.
الإنسان والباحث الحقيقي الأكاديمي، يُصدم حين يجد مضمون الكتاب لا يعكس قوة العنوان المطروح، وخارج عن سياقات البحث العلمي وشروطه، فمثلاً إن تناول الكتاب كما أشرت شخصية إسلامية، وبمضمون الكتاب أقوال كثيرة لهذه الشخصية، أو منسوبة له، ثم نجد أن الكتاب خالٍ تماماً من أسانيد الرواية، وحقيقة نسبة هذا القول أو ذاك إلى القائل، مع التنبه إلى الشخصية المطروحة ورمزيتها المعتبرة، كما نرى على بعض شاشات التلفزة اليوم، ذكرى ولادة فلان، وذكرى وفاة فلان، دون إسناد يبين أن هذا التاريخ صحيح، وبالتالي هذا الأمر يعكس أمنية المذهب الفلاني وتصوراته ووجدانه المذهبي وما يؤمن ويعتقد فيه، دون تحقيق علمي، أياً كان هذا المذهب، وبالتالي وواقع الحال والحقيقة المجردة، هذا الكاتب لا يستطيع أن يبحر في بحر من يعتقد فيه بمكانته الدينية، لأنه يعتمد في ذلك على الروايات التي تُنسب وتُلصق بهذه الشخصية أو تلك.
لكن لا بد من إيجاد حل، فلربما هذا الكاتب لا يعرف حقيقة الأمر، وواجبنا التنبيه على الحل من خلال طرحه، ليس من باب المفاخرة، بل من باب التوعية والمعرفة المجردة، فعلى الإنسان ألا تغلبه عاطفته من خلال سرد أقول مقطوعة تنسب للشخصية ليس لها أسانيد وليس لها أي تحقيق، أو سند متصل أو بحث علمي رصين أكد أن هذه الأقوال فعلاً كانت لفلان، من خلال ما أشار له كبار جهابذة العلماء والمحققين، فإذا كان هناك تحقيق لعالم إسلامي تفصلنا عنه آلاف السنين أو مئات السنين، فكيف وإن كان الحال لشخصية إسلامية تفصلنا عنها 14 قرناً.
اليوم يتواجد ما اسمه “كتب الإسرائيليات”، التي تحمل أطنان من الأكاذيب على نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، وغيره، لكن الضابط لنا في ديننا الإسلامي هو أن أخبار الأولين، نأخذها من القرآن الكريم، لأنه واضح وصريح ونحن نطمأن لهذا النص ونعتقد فيه كمسلمين، وأنه صادر من قبل الله عزّ وجلّ، لكن باقي الروايات منقولة عن بشر، وهنا تجدر الإشارة إلى أمر غاية في الأهمية وهو أننا نحن نؤمن بأنبياء بني إسرائيل، وهذه عقيدتنا الإسلامية القرآنية، لكن ما ينسب لهم من روايات دون تحقق، فهنا الأمر الجلل، فعلى سبيل المثال، ما تسمّى “إسرائيل” الكيان الصهيوني، دولة إرهاب وتزعم أنها دولة دينية وعقيدتها يهودية زوراً وبهتاناً، إلى موسى عليه الصلاة والسلام، ونحن نقول إن سيدنا موسى بريء منهم، كـ “براءة الذئب من دم يعقوب”، من هؤلاء، فهم بعيدون كل البًعد عن عقيدة موسى عليه الصلاة والسلام، وإن أردنا قول الحق، نحن من نتبعه عليه الصلاة والسلام.
كذلك الأمر في الفكر الإسلامي، فمن باب العاطفة تجد أحدهم يضع عشرات المقالات والروايات غير المحققة ولا نعرف حقيقة نسبتها إلى قائلها، لأن هناك قواعد علمية وأنا نبهت إليها في عشرات المقالات، أن هناك قواعد علمية لصحة هذه المرويات التي تُنسب إلى أي شخصية كانت ومهما كان موقعها، للتحقق، الأقوال التي يتم نسبها كثيرة لكن هل هي صحيحة؟ وكيف تعلم أنها فعلاً لفلان من الناس؟ وأين أسانيده؟ ومن صاحبه؟
نحن على سير الصالحين ونحب جميع رموزنا الإسلامية، لكن لحبنا لهم وفي مقدمتهم نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا نقبل لأحد أن يكذب على سيدنا رسول الله، ولا نقبل بأن يروي أحد عنه دون إسناد وسند متصل علمي وتحقق، وكما يقول محمد بن سيرين: (السند من الدين)، فالأخذ عن الكتب لا يمكن أن يكون مصدراً يثبت صحة هذا القول من ذاك.
محمد بن سيرين: (ابن سيرين هو أبو بكر محمد بن سيرين البصري. التابعي الكبير والإمام القدير في التفسير، والحديث، والفقه).
خلاصة القول، لأن نعرف هذا القول لسين من الناس، يجب البدء بالتحقيق العلمي، ومن ثم الأسانيد، من يروي عن فلان، النبي أو الوصي أو الإمام، أو الصحابي، ومن حقق هذا الاثر، وماذا قالوا علماء التحقيق والرواية والدراية، في هذه الرواية، لأنهم أصحاب التخصص في علم الحديث، فمثلاً الشافعي كتب كتبه بخط يده وهي موجودة لماذا أقرأ عن الشافعي ولا أقرأه نفسه، كذلك أحمد بن حنبل، وللإمام جعفر الصادق عليه السلام، فالأقوال كثيرة في الكتب الستة الروائية فيها مئات الأحاديث الصحيحة المتصلة على سبيل المثال للإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، فلو نحب رموزنا لتحققنا كرمةً وحباً لهم، فالفكر الشخصي للكاتب هو الذي يقدم للناس ويبين ثقافته وإيمانه بما يكتب والذي هو نتاج ثقافة صرفة، وللحديث بقية.
أخيراً، كلمة حق للجميع، خاصة الذين ينبهرون بعناوين الكتب البراقة، بالذات للشخصيات المعروفة إسلامية وغيرها، الذين يكتبون بعقدية المذهب والانتماء، وأكرر للفائدة، ما يُقرأ اليوم هو عبارة عن تصورات المؤلف، فلنبحث عن مضمون الكتاب الأكاديمي، خاصة الديني منه، يجب التحقق من إسناده وتحقق من رواته، ومن حققه، فلا نحول الثقافة خاصة الدينية إلى تجارة، من باب العاطفة لا المذهبية ولا الحزبية التي يجب وضعها جانباً إن أردنا الخروج بعمل متميز، وأن نقرأ منهجية أي مؤلِف من مقدمته، لتبني الفكرة الصحيحة كي لا يضيع العقل العربي والإسلامي.
الكويت.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان








