يلجأ إليه الزوجان بعد صعوبة حل الموقف الإشكالي
نشر المركز الوطني للإحصاء والمعلومات مؤخرا إحصائيات عن حالات الطلاق في سلطنة عمان التي تراجعت في عام 2020 بنسبة 8.1% مقارنة بالعام الذي سبقه؛ إلا أن بعض المختصين الذين التقتهم «عمان» عزوا ذلك إلى ظهور كورونا، وبدء الإجراءات الاحترازية التي من ضمنها حظر التجوال، وعدم إقامة المناسبات الاجتماعية، وانخفاض كبير جدًا للزيارات المتبادلة ناهيك عن تخفيض عدد الموظفين بنسبة 50% من قوة العمل ككل، كل هذه الإجراءات تعني كثرة الجلوس في المنزل، وتقرب الأسر من بعضها، وفتح قنوات أكثر للحوار، بينما نبه البعض منهم إلى ارتفاع معدلات الطلاق في حالات الزواج المبكر، وطالبوا بأهمية تعزيز التماسك الأسري لتجاوز العثرات والخلافات واستمرار الود بين الزوجين، مع الابتعاد عن التدخلات الخارجية.
وقالت الدكتورة كفالة بن حمود العميرية، استشارية نفسية بدائرة التنمية الأسرية بالمديرية العامة للتنمية الاجتماعية بمحافظة الداخلية: إن وثائق الطلاق انخفضت عام 2020 بنسبة 8.1% مقارنة بالعام السابق إذ سجلت أعلى نسبة في محافظة مسقط بـ 23.2% تلتها محافظة شمال الباطنة بـ 19.6%، وتتعدد أسباب الطلاق في سلطنة عمان إذ تتضمن -حسب المطلقات-: عدم إدراك حقوق الزوجة، والحياة الزوجية، وانعدام الحوار العاطفي بالإضافة إلى الجفاء في المعاملة والقسوة وأخيرًا العدوان اللفظي، أما بالنسبة للمطلقين فالأسباب التي تؤدي لحدوث الطلاق تتمثل في قلة الصبر وعدم الرضا، وهجر الزوجة للزوج فترات طويلة، وفتور المشاعر بين الزوجين.
وأشارت إلى لجوء الزوجين للخيار الأكثر صعوبة وخاصة مع وجود الأطفال وذلك لقلة الخبرة وضعف التقدير للحياة الزوجية، وعدم وضع العواقب في الحسبان، بالإضافة إلى وجود تساهل خطير بكلمة «الطلاق» حيث أصبحت أول الحلول التي تتسلق ألسنة الأرواح مع حدوث أي مشكلة ولو يسيرة .. مشيرة إلى أن استمرار الحياة الزوجية يكمن في أهمية وضرورة تقبل الزوجين لبعضهما وكذلك تقبل اختلاف الطباع، وتعلم أمور الحياة الزوجية والالتزام بالعادات والتقاليد، وعدم السماح للتدخلات الخارجية «الأصدقاء ـ مواقع التواصل ـ الأهل» بإفساد الحياة الزوجية، وأخيرًا على الزوجين أن يكون لديهما رؤية مستقبلية لحياتهما الزوجية.
وأوضحت أن وزارة التنمية الاجتماعية تبنت برنامجًا وطنيًا للمقبلين على الزواج منذ عام 2014 لتحقيق الوعي لدى الشباب حول أهمية الأسرة وكيفية تأسيسها مستقرة وناجحة، إذ يهدف برنامج الإرشاد الزوجي «تماسك» إلى إعداد المقبلين على الزواج والمتزوجين حديثًا من خلال تزويدهم بالمعارف والمهارات اللازمة في أسس اختيار الشريك وأثره على الاستقرار الأسري، والارتقاء بالوعي الروحي والنفسي والديني والاجتماعي لدى الراغبين في الزواج.
وثيقة الطلاق
وقالت ميثة بنت ناصر بن سيف الشبلية، عضو جمعية الاجتماعيين العمانية، وأخصائية اجتماعية في مدرسة الباطنة العالمية، ولديها شهادة ماجستير في العمل الاجتماعي: يصعب التحديد الدقيق لعدد حالات الطلاق كل سنة؛ لأن الطلاق قد يحدث في سنة، ثم عندما يشعر المطلقان بحاجتهم لوثيقة إثبات الطلاق يذهبون لتوثيقه في سنة أخرى، ولو سلمنا أن الإحصائية الأخيرة للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات الأخيرة صحيحة ودقيقة 100% بانخفاض حالات الطلاق في سلطنة عمان فإنه بدراسة مجريات عام 2020 نعلم أنه وقت ظهور كورونا في السلطنة، وبدء الإجراءات الاحترازية التي من ضمنها حظر التجوال، وعدم إقامة المناسبات الاجتماعية، وانخفاض كبير جدًا للزيارات المتبادلة ناهيك عن تخفيض عدد الموظفين بنسبة 50% من قوة العمل ككل، كل هذه الإجراءات تعني كثرة الجلوس في المنزل، وتقرب الأسر من بعضها، وفتح قنوات أكثر للحوار، كذلك ارتفاع الدعم النفسي والاجتماعي بين أعضاءها، وهذا من شأنه تقوية أواصر العلاقات الزوجية، وحماية بعض الأسر من الطلاق، إذ كشفت بعض الدراسات أن من أسباب الطلاق هو اشتغال الزوجين، وانعدام الحوار بينهما، أما نسب المقارنة بين محافظات سلطنة عمان فهي نسب منطقية واقعية تتناسب مع تعداد السكان للمحافظات المذكورة؛ إذ محافظة مسقط هي الأكثر ارتفاعًا في الكثافة السكانية، ومسندم هي الأقل.
دراسة بحثية
وأشارت إلى أن لكل حالة طلاق أسبابها الخاصة، ولكنها تتفق في أنه لم يكن هنالك توافق بين الزوجين، سواءً كان ذلك توافقًا إيجابيًا أو سلبيًا، وبالرجوع إلى الدراسة التي قامت بها جامعة السلطان قابوس بالتعاون مع وزارة التنمية الاجتماعية حول «واقع الطلاق في المجتمع العماني، دراسة ميدانية» 2015 وطبقت على 396 مطلقة، و117 مطلقا، ورصدت هذه الدراسة عددا من الأسباب المؤدية للطلاق كالعنف بين الزوجين، وعدم الاحترام وسوء المعاملة والإهمال، وتعدد الزيجات وعدم تحمل المسؤولية وغيرها .. مشيرة بحسب تقديريها أن هنالك أسبابا أخرى بينها دينية كعدم التزام أحد الزوجين بالفرائض كالصلاة، وسوء استغلال مفهوم القوامة، والاستعلاء، وعدم إدراك الحقوق والواجبات المشتركة بين الزوجين وهذه في غاية الأهمية، إذ إن عدم إدراك الزوج أو الزوجة أن الله تعالى يغضب على منتهك حقوق عقدة النكاح الذي سماه عز وجل بالميثاق الغليظ؛ سيؤدي إلى التهاون في تحقيقه، وضعف في الإحساس بقيمته العظيمة، والتهاون في تحقيق هذه الحقوق والواجبات يؤدي إلى الطلاق .. كما أن هنالك أسبابا أخلاقية متمثلة بالعدوان الجسدي واللفظي، والخيانة الزوجية، وإدمان المسكرات، وكذلك أسباب اجتماعية تتمثل بتدخل الأهل أو غيرهم في خصوصية حياة الزوجين، وضعف شخصية الزوجين، أو أحدهما، والفروقات بين الزوجين كالفروقات في العمر، وفي المستوى الثقافي والتعليمي، وفي المستوى الاجتماعي، ولعل من أهمها في الآونة الأخيرة هو إدمان مواقع التواصل وما قد يحدث بسببها من خيانات من قبل الزوج أو الزوجة، وتأثيرها على طريقة تفكيرهما، فمثلًا تتأثر الزوجات بنصائح مشهورات مواقع التواصل ذوات الحياة المزيفة، والنصائح المغلوطة البعيدة عن المعيارية الأخلاقية والدينية والعلمية، فتفشل حياتها الزوجية بسبب تلك النصائح.
سيكولوجية
وأوضحت أن من بين أسباب الطلاق أيضا الأفكار الدخيلة على المجتمع، التي لا تتوافق مع سيكولوجية الذكر والأنثى التي فطرهم الله عليها، كالفكر النسوي، ونصيحة بعضهن للبعض بإسقاط قوامة الرجل، وعدم طاعته، والتمرد عليه باسم قوة الشخصية والشجاعة وبعض العناوين البراقة التي هي بعيدة كل البعد عن سلوكهن غير المتوافق مع الفطرة، إذ قال الله الخالق الحكيم: «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض»، كما أن كثرة خروج المرأة من المنزل بدون أسباب حقيقة هي أحد أسباب الطلاق، أضف إلى ذلك الأسباب العاطفية كالغيرة الشديدة والشك والقسوة والجفاء في المعاملة والشح العاطفي، وهنالك أسباب اقتصادية كالتقصير في النفقة وحق المسكن، وأسباب متعلقة بتعدد الزواج، وأسباب نفسية كمعاناة أحدهم من مشكلات نفسية، وأيضًا من ضمن الأسباب الأفكار والتصورات المغلوطة عن واقع الزواج، واعتباره بعض الأشياء حقًا من حقوقها كأن تتوقع الفتاة حصولها على كذا وكذا إذا تزوجت، وأن الزوج سيحقق لها ما تريد، وعندما تعيش الواقع المغاير، تنشأ الخلافات التي قد تصل إلى الطلاق، فهي قد تكون مقتنعة تمامًا أن الأخريات حقق لهن الزواج طموحاتهن، وأنها هي في حرمان وسلب لحقها الأساسي، وعليه تحكم على زوجها بالفشل.
الموقف الإشكالي
وأضاف: يلجأ الزوجان إلى خيار الطلاق عندما تعجز قدراتهم عن حل الموقف الإشكالي، وقد يكون الطلاق أمرًا محمودًا في بعض العلاقات التي يشكل استمرار الزواج فيها أزمة ومشكلات متفاقمة تمتد إلى الأبناء، بينما توجد بعض الحالات التي تلجأ لحل الطلاق بسبب خلافات بسيطة لا يجدر حل الميثاق الغليظ بسببها، ويرجع ذلك إلى افتقارهم إلى ثقافة الحوار، كما يحدث الطلاق بين زوجين ذوي شهادات علمية عالية في العلوم المختلفة ولكنهما ذوا ثقافة أسرية منخفضة، أضف إلى ذلك ضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه تحقيق واجبات الطرف الآخر، وهو الفرق بين الجيل الحالي المعتاد على الرفاهية، وجيل الآباء الذين عاشوا تجارب قاسية جعلت منهم قادرين على تحمل أعباء الأسرة ومتطلباتها والقدرة على تجاوز ما تواجهه من عقبات، كما أن جيل الآباء لديهم امتثال للعرف والتقليد، وهو ما يزيد من رغبتهم بعدم انحراف سلوكهم عن المعايير التي حددها المجتمع، إضافة إلى بساطة العيش التي تمكن الآباء من الإيفاء بمستلزمات الأسرة، وهو بعكس ما يواجه الزوج في هذه السنوات، حيث الرفاهية وكثرة المتطلبات التي تُعد عند بعض الزيجات حاجات أساسية لا ثانوية.
معدلات الطلاق
وأكدت أن الخلافات الزوجية أمر يحدث في كل الأسر تقريبًا، ولكن التصرف السليم هو الفارق بين أسرة وأخرى، وكلما زاد إدراك الزوجين بالقيمة الحقيقية للميثاق الغليظ ـ الزواج ـ المتمثلة بحقوقهم وواجباتهم، وما يترتب عليها من آثار دنيوية وأخروية، عليهما وعلى أبنائهما وعلى المجتمع؛ سيكون الزوجان عندها على استعداد لتكوين علاقة زوجية توافقية ناجحة، فالإدراك يستلزم الفعل.
ولتعزيز أواصر العلاقة بين الزوجين وتقليل معدلات الطلاق في سلطنة عمان قالت ميثة الشبلية: إن على الجهات الحكومية المتصلة بشؤون الأسرة أن تدير برنامجًا للمقبلين على الزواج، بإقامة برنامج تثقيفي متكامل بمسمى دورة، يكفل حصول الأفراد المقبلين على الزواج على قدر من المعرفة المنظمة حول الزواج والمسؤولية وبناء الأسرة، ثم توفير خطوط اتصال مباشرة مع أشخاص مدربين وذوي خبرة في الاستشارات الأسرية لتوفير الاستشارة الصحيحة التي يحتاجها المتزوجون الذين يواجهون خلافًا فيما بينهم، وإدراج موضوعات الإرشاد الأسري والزواجي في موضوعات الدراسة المدرسية والجامعية، بالإضافة إلى توظيف المختصين بالشؤون الأسرية، والعلاج الأسري في لجان المصالحة في المحكمة، إذ لا تحول الحالة إلى الطلاق، إلا بعد المرور على المستشار الأسري والسير على خطته الإصلاحية، وإقامة الدورات للمتزوجين عن وسائل وطرق تجديد الحياة الزوجية، والتخفيف من التوترات التي قد تحدث، وتهدف هذه الدورات إلى حماية الأسر من تراكم هذه الضغوطات التي ربما تصل إلى الطلاق والتفكك الأسري.
التفكك الداخلي
وقالت المحامية منال بنت محمد بن سعيد المقبالية: بقراءة نسب الطلاق الواردة للأعوام 2019 و2020 رغم أنها تبدو مخيفة بعض الشيء إلا أنها تعد في المستوي الطبيعي مقارنة بعدد السكان المتزوجين والمطلقين المسجلين في الجهات المختصة بسلطنة عمان، وقد تعددت دعاوى الطلاق في الأعوام الأخيرة وتنوعت أسبابها وفي المجمل كل على حسب الظروف الواقعة لها ومن بينها أسباب راجعة لسوء الاختيار منذ البداية وعدم التكافؤ بين الزوجين والظروف الاقتصادية والزواج المبكر وعدم إدراك من المقبلين على الزواج بحقيقة الواجبات الزوجية على أنها شراكة ومسؤولية تقع على عاتق الزوجين وليس على أحدهما وهناك نوع من الطلاق للأسف لم يتم إحصاؤه داخل سلطنة عمان وحقيقة الأمر يحتاج دراسة وهو ما نسميه (الانفصال العاطفي داخل المنزل) وهذا النوع لم يسجل أو يصل للمحاكم ولعل السبب هو السعي من كلا الزوجين للحفاظ على وضعهم الخارجي أمام الناس على الرغم من أن هذه الحالة قد تؤدي إلى التفكك الداخلي للأسرة الذي بلا شك له أبعاد غير محبذة مستقبلا.
التخبيب
وأشارت إلى أن هناك بعض العوامل المساعدة على حدوث الطلاق منها تدخل الأهل أو الاستعانة بغير المختصين لحل المشكلات بين الزوجين مما يثير الفتن بين الطرفين التي تؤدي بدورها للطلاق وهو ما يطلق عليه في الشرع «التخبيب» وهو إفساد قلب المرأة الصالحة على زوجها بهدف التفريق بينهما لسبب ما، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها، أو عبدا على سيده) وفي رواية أخرى (لعن الله من خبب امرأة على زوجها)، وعمومًا فإن دعاوى الطلاق داخل سلطنة عمان متشابهة لتشابه أغلب الظروف وليس من بينها ما هو شاذ أو خارج عن المألوف فنجد أحيانًا عدم الاهتمام وأحيانًا قليلة الخيانة التي تؤدي للطلاق والانفصال العاطفي وأيضا مسألة تعاطي الزوج للمخدرات أو المسكرات أو مرض أحدهما مما يحرمهما من القيام بواجباتهم الزوجية وغالب الأمر الطلاق داخل سلطنة عمان لم يخرج بعد عن المألوف بفضل محافظة المجتمع على عاداته وتسامحه وتعاضده وإسلامه كلها أسباب أدت إلى الحفاظ على الأسرة ولا ننفي بعض الحالات الشاذة لكنها قليلة.
ندب حكمين
وأوضحت أن دور المحامي في مثل هذا النوع من القضايا يكمن في سعيه في البداية إلى تفهم أسباب الخلاف وتقديرها وذلك بقيامه بتقصي الحقائق ومعرفة أسباب الخلاف واقتراح الحلول على موكله والعمل على مساعدته للحلول صلحًا، ثم إن استحال الحل فاتباع ما يمليه الواجب والقانون من إجراءات وتقديم دفاع ودفوع موكله أو موكلته بما يمليه عليه ضميره القانوني وواجبه المهني من أجل إظهار الحقائق للمحكمة التي تقوم بمقارنة وموازنة الأدلة والحكم بموجبها ولا تلجأ المحكمة للتفريق بين الأزواج إلا بعد استنفاد جميع الطرق الممكنة التي حددها القانون والشرع ومن بينها ندب حكمين لمحاولة الإصلاح بين الأزواج، وختاما وفي هذا المقام لا يسعني إلا أن أقول للأزواج ألا يستسلما للمشاعر السلبية والغاضبة وأن يتنازلا لبعضهما البعض من أجل الحفاظ على أسرتهم متحابة متماسكة دائمة بإذن الله تعالى.
