إن تدبر القرآن الكريم مفتاحٌ للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كل خيرٍ، وتُستخرج كل العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته؛ فإنهُ يُعرف بالرب المعبود وما له من صفات الكمال، وما ينزّه عنه من صفات النقص، ويُعرف الطريق الموصل إليه، وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه، ويعرّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها وما لهم عند وجود أسباب العقاب، وكلما ازداد العبد تأملاً فيه ازداد علماً وعملاً وبصيرة.
تحدثنا في الجزء السابق عن التدبر وعن المشاعر التي تملكت من الصحابة في فترة نزول القرآن الكريم، والنظر في سياق الآيات مع العلم بأحوال الرسول صلى الله عليه وآله سلم إلى جانب أهمية التلاوة المتأنية الخاشعة تدبراً وتفكراً وغير ذلك من الأمور ذات الصلة، واليوم نستكمل هذه السلسلة من وجوه الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم.
وكما علمنا أن التدبر يحتاج روحانيات وشروط خاصة إن أراد العبد التقرب من ربه بخشوع وإخلاص، لكن في المقابل هناك عوائق وصوارف تعيق هذا الأمر، التدبر كما نعلم يحتاج إلى استحضار القلب واستجماع الفكر وحسن الإصغاء وأمور أخرى كبذل الجهد في مطالعة التفسير، ومعرفة الأحكام وغير ذلك، وللأسف الشديد فإن واقعنا يكشف عن غياب وضعف التدبر عند كثير من الناس – إلا من رحم ربي- وهناك أسباب متعددة تصرف عن التدبر وتبعد عنه، ولا بد من ذكرها للعمل على اجتنابها، منها، ارتكاب الذنوب والمعاصي والإصرار عليها وأمراض القلوب، وهي من أعظم ما يصد القارئ عن اتعاظ قلبه وانشراح صدره لمواعظ القرآن وحِكمه وأحكامه، ومن المعلوم أن للذنوب أثراً في قسوة القلوب وظلمة النفوس وقلة الفهم، والله جل وعلا أوضح طريق العلم والفهم بقوله: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق)، وفي هذا السياق، قال ابن قدامة “وليتخل التالي عن موانع الفهم، ومن ذلك أن يكون مصراً على ذنب أو متصفاً بكبر أو مبتلى بهوى مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل جلاء المرآة”.
ولا شك أن من أعظم المعاصي التي تصد القلب عن تدبر القرآن تعلقه بشهوات الدنيا، فإن القلب لا يمكنه أن يسمو إلى المعالي وعظيم الفضائل ويشتاق ويطمئن إلى كلام الله وهو يعيش مع المحرمات التي تحوم عليها همم الفساق وأراذل الناس، فمن أراد أن يمن عليه ربه بتدبر آياته عليه أن يخلي قلبه من أمراض القلوب والشهوات والإصرار على المعاصي التي تحول بينه وبين التدبر، فمن اليقين أن المعاصي والشهوات تحدث ظلمة في قلب العبد فيحرم من رزق التدبر والخشوع لآياته سبحانه وتعالى بشؤم المعاصي والذنوب، والعودة تبدأ من التلاوة التي جئنا على ذكرها في المقال السابق، لأن التلاوة الحقة هي التي تكون مع التدبر، وقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، فلا ينبغي حصر الهمة في كثرة التلاوة وعدد الختمات دون أدنى التفات للتدبر والفهم.
فمن أراد تدبر آيات القرآن الكريم عليه أن يصفي ذهنه وقلبه من شواغل الحياة الدنيا، فالتلاوة مع انشغال الذهن بأمور الدنيا أو القراءة في أوقات وأماكن يكون فيها ناس كثيرون وحركة كثيرة وأحاديث متنوعة كل ذلك لا يساعد على التدبر بل يعلق القلب بما يرى ويسمع ويشغل الذهن بالتفكير في أمور بعيدة عن دلالة الآيات، ومما هو جدير بالذكر أن انشغال الذهن والقلب يصرف عن تدبر القرآن والتأثر به وذلك لغفلة القلب ولو كان حياً لكنه مشغول عنه بغيره، فمن كان حاله كذلك فهو غائب القلب ليس حاضراً فهذا لا تحصل له الذكرى مع استعداده ووجود قلبه، ومثله البصير الطامح ببصره إلى غير المطلوب، ومن أكثر الشواغل التي تذكر حين التلاوة أن يكون هم القارئ إتمام السورة دون أن يكون همه الفهم والاتعاظ والعبرة التي تحويها الآيات، في هذا الإطار، يقول الإمام الحسن البصري: (يا ابن آدم كيف يرق قلبك وإنما همتك في آخر السورة).
ومن موانع التدبر أيضاً، قصر الخشوع على أحوال أو آيات معينة أو قصر القراءة على أحوال خاصة، فمن الناس من يقصر الخشوع في رمضان أو في القنوت، أو عند خشوع الإمام، أو عند آيات العذاب وذكر النار وأهوال القيامة، ومعلوم أن أسباب الخشوع ودواعيه متعددة، ففعله صلى الله عليه وآله سلم عند التلاوة فيه خشوع وتدبر، فهو ينزه ويسبح عند آيات الأسماء والصفات، ويسأل الله من فضله عند ذكر جنته وإنعامه وفضله ورحمته، ويستعيذ عند ذكر النار والعذاب، إلى جانب أن هناك من الناس من يقصر قراءة القرآن على أحوال خاصة كمن لا يسعى إلى سماع القرآن إلا عند مرضه أما في حال صحته وكمال عقله وصفاء ذهنه فإنه لا يتشوق إلى سماع القرآن أو قراءته حيث حرم نفسه السبيل إلى تدبر القرآن، وكذلك حال من لا يعرف القرآن إلا تلاوة عند العزاء أو عند افتتاح البرامج، أو في المناسبات العامة ولا يعرف له وقتاً آخر لسماع القرآن أو قراءته، فأنى له التدبر والتأمل والاعتبار والتأثر وهذه حاله؟!
أيضاً هناك بعض المفاهيم الخاطئة في هذا السياق، من المفاهيم الخاطئة الاعتقاد بأن مهمة القارئ تنحصر في القراءة دون التدبر والتأمل والنظر في المعنى وترك ذلك للعلماء والمفسرين فيصرف القارئ همته إلى كثرة القراءة وسلامة التلاوة فحسب، يقول الإمام الشاطبي في هذا الأمر: (فمن حيث كان القرآن معجزاً أفحم الفصحاء وأعجز البلغاء أن يأتوا بمثله فذلك لا يخرجه عن كونه عربياً جارياً على أساليب كلام العرب ميسراً للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى لكن بشرط الدربة في اللسان العربي، إذ لو خرج بالإعجاز عن إدراك العقول لمعانيه لكان خطابهم به من تكليف ما لا يطاق، وذلك مرفوع عن الأمة وهذا من جملة الوجوه الإعجازية فيه)، كذلك هناك الانشغال بالمبهمات عن التدبر في الآيات، حيث أن الاهتمام بتفاصيل القصص والحوادث التي ذكرها القرآن ولم يذكرها من الأمور التي تصرف القارئ عن التدبر وعن مقاصد الآيات العظيمة، فكثيراً ما يرد في القرآن أعيان وأماكن وأعداد مبهمة ولم يوضحها رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، لأنه لا جدوى من العلم بها فهي أمور لا يتوقف عليها عمل ولا يحصل بها علم نافع يحتاج الناس إليه، وقد هون الله من شأن معرفة الناس بعدد أصحاب الكهف في قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا)، فعلم بذلك أن عددهم لا طائل تحته، فمثل تلك الأمور لا فائدة فيها تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه، فمن العجب أن يترك القارئ لكتاب الله تعالى التأمل والتدبر والموعظة التي يجب أن يعيها ويأخذها من قصص وآيات الذكر لحكيم وينشغل بمعرفة ما لا جدوى من ورائه كمن يترك أخذ العظة والعبرة مثلاً من قصة موسى عليه السلام، وتدبير الله تعالى لأمره ونصرته ورعايته له وينشغل عن ذلك بالسؤال عن اسم أمه وما شابه ذلك.
أخيراً، إن حق القرآن الكريم علينا كبير وواجبنا تجاهه عظيم سيما وهو الكتاب المحفوظ والمعجزة الخالدة والرسالة الصالحة لكل زمان ومكان والهداية الباقية إلى قيام الساعة، فإن القرآن لكريم كما أكدنا حالياً وسابقاً، لم ينزل لمجرد أن تصدح به الأصوات، وتطرب الأذان لحسن تلاوته ولأن نكتفي بحفظه في الصدور فحسب بل لا بد من العمل به والدعوة إليه وذلك يستلزم التدبر في معانيه وفهم مراميه ومعرفة تفسيره والعلم بأحكامه وكل ذلك من واجبات الأمة المسلمة، بل وكل فرد من أفرادها، تجاه القرآن العظيم، وننصح دائماً من يقرأ كتاب الله تبارك تعالى أن يستحضر عظمة القرآن الكريم، وجلالة قدره، وعلو منزلته، وجزيل إنعام الله على من قرأه، فيتهيأ لكلام الله بالوجل والرجاء والفرح به عسى أن يظفر بالمقصود من إنزاله وليتهيأ لذلك ظاهراً وباطناً.
عبدالعزيز بن بدر القطان / كاتب ومفكر – الكويت.

