الإيكونومست – ترجمة قاسم مكي
«نحن الآن نتحدث إلى شركائنا وحلفائنا الأوروبيين للنظر سويا في إمكانية حظر استيراد النفط الروسي. بهذا الإعلان «القنبلة» يوم 6 مارس أشعل آنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي، الحريق في أسواق النفط العالمية.
في الساعات التي أعقبت ذلك الإعلان قفز سعر خام غرب تكساس الوسيط، الذي يستخدم معيارا في تسعير النفط بالولايات المتحدة، بأكثر من 9%. وارتفع خام برنت إلى ما يقرب من 140 دولارا للبرميل أو ضعف سعره في الأول من ديسمبر الماضي قبل أن يتراجع إلى 123 دولارا للبرميل في 7 مارس. وهنالك الآن تكهنات باحتمال وصول سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل إذا احتدمت الحرب (نشرت الإيكونومست هذا التقرير في7 مارس- المترجم).
هذه هي الخلفية المتقلبة لمؤتمر «سيراويك»، أهم تجمع سنوي لصناعة النفط. لقد سافر الآلاف من كبار مسؤولي الطاقة والشخصيات المهمة الأخرى في هذه الصناعة بمن فيهم الرئيسان التنفيذيان لشركتي أرامكو السعودية وإكسون موبيل والأمين العام لمنظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك ووزير الطاقة الأمريكي إلى مدينة هيوستن بالولايات المتحدة لحضور هذا المؤتمر السنوي (سيراويك) الذي تنظمه شركة المعلومات المالية ستاندارد آند بور جلوبال.
حوى برنامج المؤتمر (7 – 12 مارس) قضايا تتعلق بالأجل الطويل مثل التغير المناخي والتحول إلى الموارد المتجددة. لكن الأحداث الأخيرة ستضمَن هيمنةَ جيوبوليتيكا النفط على «الدردشات» المطوَّلة للمشاركين في المؤتمر. (يمكن تعريف جيوبوليتيكا النفط بأنها: أثر الموقع الجغرافي لموارده على سياسة الدول. والعامل الأساسي في هذا الأثر هو الاعتماد المشترك للمنتجين «الإيرادات النفطية» والمستهلكين «الاحتياجات النفطية»- المترجم)
أسواق النفط في وضع حرج لثلاثة أسباب.
أولا، يتزايد القلق من احتمال عدم كفاية الإمدادات لتغطية الانقطاعات في تدفق النفط إلى الأسواق. فالتوازن بين العرض والطلب مختل أصلا منذ العام الماضي. ومن جهة أخرى تعافَي بقوة استهلاك الوقود الأحفوري من تراجعه بسبب تفشي كوفيد 19عام 2021. بل تتوقع الوكالة الدولية للطاقة عودة الطلب العالمي على النفط إلى مستويات ما قبل الجائحة بنهاية هذا العام. ومع انحسار كوفيد في الوقت الحاضر يستعد الأمريكيون بسياراتهم التي «تتجرَّع» الوقود لموسم القيادة الصيفي .
يقول أبي راجيندران، مدير الأبحاث بشركة معلومات الطاقة انيرجي انتيليجينس، ذلك يعني أن على الشركات بناء مخزوناتها الآن. لكنها لا تفعل ذلك. والعقبة التي تحول دون تكوين المخزونات هي أن إمدادات النفط لا تزال محدودة نتيجة لعوامل تتعلق بعدم كفاية الاستثمار وجائحة كوفيد 19.
لم تتمكن أوبك من الوفاء بحصصها الإنتاجية الخاصة بها. ووفقا لحسابات راجيندران، كانت السوق قبل الحرب في أوكرانيا تواجه نقصا في الإمدادات بحوالي مليون برميل في اليوم. ودفع ذلك النقص بالأسعار نحو 100 دولارا للبرميل.
السبب الثاني للوضع الحرج الذي يكتنف أسواق النفط هو حقيقة أن روسيا هي ثاني أكبر بلد مصدِّر للمواد النفطية بصادراتها من النفط الخام التي يبلغ حجمها 4.5 مليون برميل في اليوم إلى جانب 2.5 مليون برميل في اليوم من المنتجات النفطية. وإذا توقفت كل هذه الصادرات بسبب مقاطعة نفطية تقودها الولايات المتحدة أو عبر استخدام فلاديمير بوتين قيودا على صادرات بلاده من النفط كسلاح اقتصادي سيتعرض اقتصاد العالم إلى ضربة قاسية.
للتلطيف من هذا الوضع اتجه الغرب إلى احتياطيات الطوارئ. وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة في 1 مارس أن بلدانها الأعضاء ستنسق فيما بينها للإفراج عن 60 مليون برميل من احتياطياتها الإستراتيجية. المرات القليلة التي سبق أن لجأت الوكالة فيها إلى ذلك الحل كانت أثناء حرب العراق- الكويت في 1990 وإعصار كاترينا في 2005 والحرب الأهلية الليبية 2011.
لكن داميَين كورفالين، رئيس قسم أبحاث الطاقة في بنك جولدمان ساكس، يرى أن هذا الإفراج عن المخزونات الاستراتيجية لمرة واحدة «يتقزَّم أمام حجم الانحسار في صادرات روسيا.» وهو، وفقا لحساباته، لن يعوض عن خسارة الصادرات الروسية المشحونة بحرا لفترة طويلة من الزمن.
إلى ذلك، لا يمكن لأي جهة مصدرة للنفط أو أية مجموعة من المصدرين إنتاج كميات إضافية ووافية من النفط بسرعة كافية لإحلال المفقود من كل الصادرات الروسية.
ووفقا لحسابات جيمس ويست من بنك الاستثمار «ايفركور»، حتى السعودية بقدراتها الإنتاجية الضخمة يمكنها في أفضل الأحوال تدبير مليون برميل إضافي فقط خلال أشهر قليلة. ولا يزيد كثيرا إجمالي طاقة الإنتاج الاحتياطية لمجموعة أوبك عن مليوني برميل في اليوم.
حقا يتزايد إنتاج النفط في كندا والبرازيل وجيانا. لكن حتى إذا جمعنا كل هذه الزيادات معا ستكون أقل كثيرا من مليون برميل في اليوم هذا العام.
ذلك هو السبب في أن دبلوماسي الطاقة في الولايات المتحدة يبذلون جهودا إضافية لإيجاد مصادر أخرى للنفط تعوِّض عن أي نقص يحدث في الصادرات الروسية. ومن بين المصادر التي يبحثون فيها عن موارد إضافية صناعةُ النفط الصخري في الولايات المتحدة نفسها.
ذهب كبار المسؤولين الفدراليين من وزارات عديدة ومختلفة في الإدارة الأمريكية إلى مؤتمر»سيراويك» بأمل إقناع منتجي النفط الأمريكيين لإنتاج المزيد من الذهب الأسود «النفط الصخرى» بسرعة . لكن لوبي النفط غير سعيد من إدارة بايدن التي يعتبرها مهووسة بحماية المناخ وناقمة من الوقود الأحفوري. لذلك من المرجح ألا تنجح هذه المحاولة.
ما هو أكثر من ذلك، من المقرر سلفا أن يزداد حجم إنتاج النفط الصخري بحوالي مليون برميل في اليوم هذا العام. لكن يشكو أحد العاملين في قطاع النفط من ارتفاع سعر الرمل بنسبة 300% مؤخرا، وهو مكون حيوي في عملية إنتاج النفط الصخري. مثل هذه الاختناقات الخطيرة في سلسلة الإمداد تقف حجر عثرة في طريق مضاعفة تلك الكمية والتي لا يمكن أن تحدث في أقل من عام على أية حال.
هنالك تطور من شأنه أن يكون مفيدا وهو رفع العقوبات عن إيران. يمكن أن يقود ذلك إلى زيادة الصادرات بحوالي نصف مليون برميل في اليوم خلال 6 أشهر وإلى ضعف تلك الكمية خلال عام.
في أوائل هذا الشهر بدا كأن اتفاقا بين إيران وأمريكا حول تخفيف العقوبات بات وشيكا. لكن هذا المسعى تعرض لانتكاسة بسبب مطالب فجائية من روسيا بضمانات من أمريكا بأن أية عقوبات تتعلق بأوكرانيا لن تؤثر على تجارة روسيا مع إيران.
وذُكِرَ أن المفاوضين الأمريكيين يتفاوضون أيضا الآن مع فنزويلا، وهي بلد نفطي آخر فرضت العقوبات قيودا على صادراته.
لكن حسب تقديرات كورفالين، يمكن أن تؤمِّن هذه المفاوضات حوالي نصف مليون برميل فقط في اليوم من الصادرات الإضافية خلال عام.
السبب الثالث وراء قلق المتعاملين في تجارة النفط هو ظهور «العقوبات الذاتية». اللافت أن صادرات روسيا من المواد النفطية فقدت الكثير من جاذبيتها في السوق حتى قبل أن تفرض أمريكا أي حظر معلن عليها.
إلى الآن، تجنبت العقوبات المفروضة على روسيا بشكل صريح استهدافَ نفطها (أعلن بايدن يوم 8 مارس حظر استيراد النفط من روسيا إلى الولايات المتحدة- المترجم). لكن فاتح بيرول، رئيس الوكالة الدولية للطاقة، ذكر أن ذلك لم يمنعها من تقليص صادراتها البترولية.
يقول بيرول «هنالك خلط في أجزاء عديدة حول العالم حول ما إذا كان شراء النفط الروسي يتأثر بالعقوبات أم لا. ونتيجة لذلك يتجنب العديدون من الأطراف المقابلة شراء أي شيء روسي. وقاد ذلك إلى هبوط حاد في صادرات النفط الروسية.»
فبحسب ديفيد فايف، كبير الاقتصاديين بوكالة معلومات أسعار السلع آرجوس ميديا، فإن حوالي مليوني برميل في اليوم من المواد البترولية الروسية أصبحت «خارج السوق بطريقة أو بأخرى».
لقد تعرضت كبرى شركات النفط الغربية إلى ضغوط مكثفة كي تقلل من استخدامها للنفط الخام الروسي ومنتجاته المكررة. بل حتى الشركات في الصين والهند، والتي عادة لا تجد غضاضة في الالتفاف حول العقوبات الأمريكية، تتجنب التعامل مع الناقلات المملوكة لروسيا أو التي تتولى روسيا تشغيلها أو ترفع عليها علمها أو مع الموانئ الروسية.
وعندما شاع خبر بأن شركة شل ستربح 20 مليون دولار من التجارة في شحنة مخفضة الأسعار من النفط الروسي، بعد انسحابها طوعا من عدة استثمارات مشتركة في روسيا، واجهت انتقادات حادة الأمر الذي دفعها إلى الإعلان بأنها ستضع أية أرباح تحصل عليها من النفط الروسي في صندوق مساعدات لأوكرانيا.
يشكل احتمال المقاطعة النفطية معضلة لأمريكا. فمن جهة يريد القادة الغربيون معاقبة روسيا على عدوانها دون إرسال قوات إلى أراضي أوكرانيا. وموارد الطاقة هي أقوى الأدوات التي لم يستخدمونها حتى الآن. كما أن صادرات روسيا الضخمة من النفط والغاز تشكل أكبر نقطة ضعف باقية لديها. ومن جهة أخرى، نظرا لضخامة الصادرات الروسية يخاطر وقفها كلها دفعة واحدة بتقويض استقرار اقتصاد العالم.
في 5 مارس، حذر صندوق النقد الدولي من الخطورة البالغة لعواقب الحرب والعقوبات الاقتصادية. وإذا حدث المزيد من التصعيد قد يكون الخراب أشد.
ذلك هو السبب في أن بلينكن في تصريحه يوم 6 مارس مضى إلى القول: إن أمريكا ستفرض حظرا على الصادرات الروسية (سواء مع الحلفاء أو لوحدها عند الضرورة) إذا أمكنها ضمان «وجود إمداد كاف من النفط في أسواق العالم.»
قد يكون تردد الحلفاء في الانضمام إلى حظر الواردات من روسيا مفهوما بالنظر إلى أن أمريكا تستورد نفطا روسيا قليلا في حين تشكل أوروبا أكبر زبون لروسيا. فهي تستورد منها 2.7 مليون برميل في اليوم من النفط الخام ومليون برميل في اليوم من مواد التغذية والمنتجات النفطية، بحسب رتشارد جوسويك المسئول بوكالة ستاندارد آند بورز.
هل بلنكين جاد؟ إن حظرا «صادما ومروِّعا» للصادرات الروسية يخاطر بدفع أمريكا وأوروبا إلى انكماش اقتصادي. وذلك قد يغريهما باللجوء إلى خيار آخر أقل إثارة. وهما يمكنهما تجويد الأمور بعقوبات متدرجة على نحو ما فعلت أمريكا مع إيران. ففرض عقوبات تقلل من حجم الصادرات الروسية المسموح به بعد كل فترة لا تتعدي شهورا قليلة سيمنح موسكو حافزا لكبح سلوكها الشائن. لكن «الغموض الخلاق» والافتقار إلى البراعة في كل محاولة لإتقان المقاطعة قد يقودان إلى صدمة نفطية على كل حال.

