هل انتهت سنوات الركود التي بدأت في عام 2014 عندما هبطت أسعار النفط إلى ما دون أسعار التوازن في الكثير من الدول المنتجة للنفط وبشكل خاص الدول الخليجية التي كانت تعتمد في دخلها على أسعار النفط التي بدأت تسجل أرقاما قياسية في عام 2008؟
يحضر هذا السؤال بقوة هذه الأيام مع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع قبل حتى بدء الحرب الأوكرانية حيث كانت الأسعار تدور حول محور 80 دولارا للبرميل. اليوم الأسعار تتذبذب فوق 110 دولارات، وهذا سعر مرتفع جدا لم يكن متوقعا في أي ظرف قبل ثلاث سنوات فقط حينما قال خبراء النفط إن سعر الـ 100 دولار أصبح من التاريخ!
لكن ماذا يعني هذا الارتفاع بالنظر إلى الأزمات التي مرت بها الدول والشركات العاملة فيها خلال السنوات السبع الماضية؟ ماذا يعني ذلك في سلطنة عُمان؟
كان أكثر ما أثرّ على أداء شركات القطاع الخاص خلال السنوات السبع الماضية هو بطء/ ندرة المشاريع الحكومية الكبرى التي كانت تُسند إلى شركات القطاع الخاص وتنعش أعماله، لكن مع بدء تنفيذ سياسة مالية حذرة جدا بدءا من نهاية عام 2014 عندما بدأت أزمة انهيار أسعار النفط دخلت الشركات التي كانت تعتمد بنسبة كبيرة في أعمالها على المشاريع الحكومية في أزمة كبيرة كان أبرز مظاهرها تسريح عشرات الآلاف من الموظفين. وجاءت جائحة فيروس كورونا مطلع عام 2020 عندما كانت أسعار النفط قد بدأت تبشر ببعض الارتفاع وكرست الأزمة، بل عمقتها جدا جدا إلى درجة أغلقت معها الكثير من الشركات خاصة تلك التي تصنف بأنها «متوسطة وصغيرة»، بل إن بعض الشركات الكبرى قد بلغ التأثير عليها إلى درجة تهديد بقائها ولو اسميا. كما توقف أو تقلص عمل الكثير من الشركات العاملة في قطاع النفط والتي كانت تستوعب آلاف الموظفين العاملين في الصحراء وبرواتب مجزية إلى حد كبير، وشهدت هذه الشركات التي كانت واعدة جدا تسريع آلاف الموظفين والعاملين في الأعمال المرتبطة بتلك الشركات. كل ذلك خلق الكثير من الأزمات المركبة.
ولكن مع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع بدءا من النصف الثاني من العام الماضي ووصولها إلى أرقام قياسية هذا العام فإن الجميع يتوقع أن ينعكس ذلك إيجابا على الجميع وبشكل خاص الشركات.
والأسبوع الماضي تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- فوجه بتنفيذ مشاريع تنموية مضافة إلى المشاريع المعتمدة في الخطة الخمسية العاشرة بما يزيد عن 650 مليون ريال عماني، وكذلك زيادة السيولة المالية لمخصصات الموازنة الإنمائية لهذا العام 2022 بمبلغ قدره 200 مليون ريال عماني ليصل إجمالي المبالغ المخصصة للصرف ملياراً و100 مليون ريال عماني.
وهذه المبالغ من شأنها أن تحرك الاقتصاد وأن تشغل الشركات التي تشتكي من الركود بسبب قلة المشاريع وقلة السيولة، وحركة الشركات من شأنها أن تعيد المسرحين إلى أعمالهم وكذلك تفتح فرص تشغيل لآخرين من الباحثين عن عمل. وفي الاقتصاد هناك دورة عمل تستطيع أن تحرك الكثير من القطاعات. فعودة المسرحين إلى أعمالهم تعني عودة دورة اقتصادية صغرى مرتبطة بكل واحد منهم، وتوظيف موظفين جدد تعني دورة اقتصادية لكل فرد فيهم.
وفي الحقيقة هذا ما كانت تهدف إليه الحزم الاقتصادية التحفيزية التي أعلنتها سلطنة عمان خلال عامي 2020 و2021 ولكنها رغم ضخامتها بالنظر إلى حجم الاقتصاد العماني تبقى محدودة أمام عودة المشاريع التي تحرك وحدها الاقتصاد.
والأسبوع الماضي أعلنت سلطنة عمان أن حجم الدخل الوطني خلال العام الماضي بلغ 33 مليار ريال عماني وهذا دليل أن الوضع المالي في تحسن حيث كان الدخل في عام 2020 قد بلغ 24.8 مليار ريال . وبالنظر إلى الوضع قبل انهيار أسعار النفط فقد كان حجم الدخلي الوطني في عام 2014 قد بلغ 31.4 مليار ريال عماني. ولا يمكن أن نعزي الأمر فقط إلى ارتفاع أسعار النفط العام الماضي ولكن هناك إصلاحات اقتصادية جذرية دفعت بالنمو الاقتصادي إلى 12.7% وهذا النمو مرشح أن يزيد العام الجاري وتسجل السلطنة أكبر فائض في موازنتها مدعوما بالإصلاحات الاقتصادية وكذلك ارتفاع أسعار النفط.

