مشروع “مكين”: تكلفة التصنيع وراء المنافسة التي يتلقاها المنتج المحلي
– تركز غالبية أنشطة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على القطاع الخدمي
– أوصت الدراسات بتطوير حاضنات الأعمال وحماية المنتجات العمانية وتطبيق سياسة التصنيع الموجه نحو التصدير
– الخايفية: المشروع البحثي “مكين” يخدم متخذي القرار في الموضوعات المتصلة باختصاصات وزارة الاقتصاد لتحقيق رؤيتها
أظهرت مجموعة من الدراسات البحثية التي أشرفت عليها وزارة الاقتصاد تركُّز غالبية أنشطة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على القطاع الخدمي، مما لا يدعم توجهات سلطنة عمان نحو تعزيز الصادرات والحد من الواردات، كما رصدت ارتفاعا في حجم المنافسة في السوق المحلي في سلطنة عمان من المنتجات المستوردة من الخارج. وأرجعت ارتفاع تكلفة تصنيع المنتجات الغذائية إلى قصور التكامل بين المؤسسات الصناعية مما أدّى إلى الحاجة لاستيراد المواد الخام الأساسية للصناعات الغذائية. جاء ذلك في خلاصة الأبحاث التي تضمنها مشروع “مكين” لتعزيز القدرات البحثية.
وأوضحت ثريا بنت ثاني الخايفية، مديرة مشروع مكين لتعزيز القدرات البحثية في تصريحات لـ”عمان” بأن نتائج الدراسات البحثية التي خلص لها برنامج مكين كانت بناءً على واقع اقتصاد سلطنة عمان خلال العامين 2019 و2020، وأنها من المحتمل أن تكون قد تأثرت بالتغييرات الإدارية والهيكلية والبرامج الاقتصادية التي شهدتها سلطنة عمان في العامين الأخيرين.
وحول تعميم نتائج هذه الدراسات والعمل بها، قالت الخايفية إن مكين هو برنامج تدريبي يهدف في المقام الأول إلى رفع كفاءة الأعمال البحثية التي ينتجها الباحثون والمحللون لخدمة متخذي القرار في الموضوعات المتصلة باختصاصات الوزارة وتحقيق رؤيتها، وأن الوزارة لن تفرض على الجهات ذات العلاقة بالدراسة تطبيق أي من التوصيات وإنما ستكتفي بعرضها عليهم، وهو ما قامت به في منتصف الشهر الجاري.
توزيع الأنشطة
وخلصت أول دراسة حول واقع توزيع أنشطة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على القطاعات الاقتصادية، وتحديد الفرص والتحديات والاستراتيجيات المستقبلية، إلى تركُّز غالبية أنشطة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على القطاع الخدمي، مما لا يدعم توجهات سلطنة عمان نحو تعزيز الصادرات والحد من الواردات، وأرجعت الدراسة السبب في ذلك إلى سهولة الإجراءات وقلة رأس المال لتأسيس مثل هذه المؤسسات، إلى جانب الرغبة في الحصول على الربح السريع.
وخلصت الدراسة أيضا إلى أن توزيع هذه المؤسسات يتأثر بشكل كبير بالتمويل وهيمنة المؤسسات الكبيرة على القطاعات الإنتاجية، وعامل التجارة المستترة، ومحدودية الخبرة التجارية لرواد الأعمال لاكتشاف الفرص الاستثمارية، وميل رواد الأعمال للأنشطة الأكثر أمانًا والتي تحقق عائدات مضمونة.
ومن أبرز الآليات التي يمكنها المساهمة في تعزيز الناتج المحلي وفقًا لنتائج الدراسة هي متابعة الشركات الكبيرة لحثها على تخصيص نسبة 10 بالمائة من العقود للمؤسسات الصغيرة، ومتابعة المشروعات القائمة، ومراجعة دراسات الجدوى للمشروعات، وخفض تكاليف تسجيل الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتبسيط إجراءات تسجيل وترخيص الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وكذلك تسهيل الحصول على أراض بحق الانتفاع.
وأجمع غالبية أفراد عيّنة الدراسة على أن قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من القطاعات الواعدة اقتصاديا، إلا أنه بحاجة لتطوير، وأكدت نتائج الدراسة أن هناك حاجة لإعادة هيكلة توزيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال إلزام الشركات الكبيرة بالدخول في شراكات ضمن المشروعات الاقتصادية الكبيرة، وإيجاد آليات لتوجيه رواد الأعمال نحو القطاعات الكبيرة.
ووجدت الدراسة أن القطاع الصناعي يمثل بيئة مشجعة ومحفزة لدخول أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للدخول فيه، إذا توفرت التسهيلات اللوجستية وتوفر بيئة وبنية أساسية مناسبة لجذب الاستثمار في هذا القطاع. ومن الأنشطة التي من الممكن أن تتبنّاها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وفقا لآراء رواد الأعمال هي: الخدمات اللوجستية، والأنشطة السياحية، وصناعة مواد التغليف، وصناعة المواد الغذائية، وصناعة منتجات البلاستيك، وصناعة الملابس، وهي صناعات بإمكانها الإسهام في رفع الناتج المحلي.
وأوصت الدراسة بأهمية الإسراع في إقرار حزمة التشريعات والقوانين الجديدة، وتبنّي سياسة العناقيد الصناعية، وسياسات التمويل البديل الحديثة، وإنشاء منصة مكين (منصة خاصة للدخول في مجال ريادة الأعمال)، وأن تتبنّى الحكومة برامج ضمان القروض، إضافة إلى توفير حزم من الخدمات المتكاملة (أرض ذات بنية أساسية متكاملة، تمويل، مناقصة عمل لشراء المنتجات، قوى عاملة وافدة أو وطنية) عند توفير الفرص الاستثمارية، وإعداد وتنظيم مسابقة تنافسية بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ضمن القطاع الواحد، على أن يتم تأهيل الفائز للتوجه العالمي.
كما أوصت بأهمية تطوير حاضنات ومسرعات الأعمال في سلطنة عمان، وتضمين مهارات ريادة الأعمال في مؤسسات التعليم الجامعي وما قبل الجامعي، والسماح لأصحاب المؤسسات بتوظيف طلبة الكليات والجامعات بشكل جزئي وصرف علاوة شهرية، وتبنّي مبدأ الشفافية والنزاهة فيما يتعلق بالمناقصات الحكومية، وسن قوانين تشجع على المنافسة وتدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى تنويع وتعزيز ورفع سقف التمويل، بما يمكّن هذا القطاع من الدخول في مشروعات اقتصادية عملاقة، وتحسين النظام الضريبي من أجل تحفيز الاستثمارات الاقتصادية في هذا القطاع، ليعزز من قدرته التنافسية.
الصناعات الغذائية ودعم الصادرات
وخلصت دراسة حول الصناعات الغذائية ودورها في دعم الصادرات وتحقيق الأمن الغذائي في سلطنة عمان إلى أن قصور التكامل بين المؤسسات الصناعية أدّى إلى الحاجة للاستيراد من المواد الخام الأساسية للصناعات الغذائية مما أسهم في ارتفاع تكلفة تصنيع المنتجات الغذائي، ومن هذا المنطلق أوصت الدراسة بأهمية تعزيز الحوكمة بين القطاعات الحكومية والقطاع الخاص فيما يتعلق بقطاع الصناعات الغذائية، ودعم السياسات الممكنة للقطاع، والاستمرار في تعريف المستثمرين بالفرص والممكنات المتوفرة في قطاع الصناعات الغذائية.
وأرجعت الدراسة ضعف التقدم التقني في الإنتاج الغذائي إلى غياب الإنتاجية المعززة للاستثمار وضعف الناتج من الصناعات الغذائية، ومن هنا أوصت بتوفير الحاضنات ومسرعات الأعمال بالتعاون مع القطاع الخاص، وتفعيل حقيقي لأداة القسائم الابتكارية المطروحة في الاستراتيجية الصناعية.
وقالت الدراسة إن القطاع يعاني من صعوبة التوسع في إيجاد أسواق جديدة لتوفير المواد الخام الأولية من الدول الأخرى وبأسعار تنافسية، لذا أوصت بتوفير منافذ تسويقية سهلة للمنتج المحلي كالمنصات الإلكترونية، ومراكز التسويق التجميعية، ووضع المنتج العماني أولوية في المراكز التجارية، إضافة إلى تعزيز الشراكات الدولية والدفع نحو التفعيل المرحلي للأسواق الخليجية المشتركة والاستفادة من الاتفاقيات الدولية، وإسناد المناقصات والمشتريات الحكومية للصناعات الغذائية مع زيادة التوسع الجغرافي لحملات الترويج للمنتج العماني الداخلية.
ورصدت الدراسة ارتفاعا في حجم المنافسة في السوق المحلي في سلطنة عمان من المنتجات المستوردة من الخارج. وأوصت بحماية المنتجات الغذائية العمانية من خلال رفع نسبة التعرفة الجمركية للمنتجات المستوردة أو تطبيق نظام الكوتا لتنظيم الواردات، ووضع اشتراطات في المواصفات والمقاييس التي تتناسب مع جودة المنتج المحلي، وإنشاء منظومة معلوماتية لإدارة المخاطر المرتبطة بالصناعات الغذائية، كما أشارت الدراسة إلى عدم اكتمال الخدمات اللوجستية المتعلقة ببعض المنتجات الغذائية، لذا أوصت بدعم القطاع اللوجستي الخاص بالصناعات الغذائية من المرافق والمشروعات والمستودعات التخزينية الجاهزة والتقليل من زمن الإفراج عن المنتجات الغذائية.
ووجدت الدراسة أن هناك قلة في توفر الموارد البشرية الكفؤ المؤهلة اللازمة لتطوير الصناعات الغذائية، ومن هنا أوصت بتطبيق برنامج فيما يخص التعليم والتدريب المهني والتقني.
توطين الصناعات وتنويعها
وخرجت الدراسة التحليلية للتجارة الخارجية وتوطين الصناعة بأن قطاع النفط والغاز ما زال المهيمن على النشاط الاقتصادي في سلطنة عمان ويمتلك الحصة الأكبر من الصادرات، وإلى أهمية التوجه لسياسة التصنيع من أجل التصدير وليس لإحلال الواردات لما يترتب على الأخيرة من تحديات محلية ودولية. وقالت الدراسة إن القوانين والإجراءات الحكومية تعتبر أبرز العوائق التي تواجه التصدير وإعادة التصدير والتصنيع في سلطنة عمان.
وخلصت الدراسة إلى أن الموقع الاستراتيجي لسلطنة عمان لم يستغل بالشكل الأمثل لتعزيز تجارة إعادة التصدير حيث إن البنية الأساسية للموانئ والخدمات اللوجستية لا تعزز نمو القطاع إلى المستوى المؤمل. وقالت إن المنافسة والتسويق يعدان من أبرز التحديات التي تواجه قطاع إعادة التصدير في سلطنة عمان.
وخرجت الدراسة بخمسة توصيات، وهي: ضرورة استهداف مجموعة من الصناعات ذات الميزة التنافسية والتركيز عليها، وتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في هذه الصناعات وذلك من أجل تنمية الصادرات العمانية غير النفطية وإعادة التصدير بما يتناسب مع رؤية عمان 2040، وتطبيق سياسة التصنيع الموجه نحو التصدير بدلا من التصنيع لإحلال الواردات، وتبنّي مسارات علمية معنية لتخريج كوادر وطنية وتدريبها من أجل استغلالها لتنمية نشاط القطاع الصناعي والقطاعات الأخرى المرتبطة به كالقطاعين اللوجستي والتجاري، إضافة إلى الاستغلال الأمثل للمناطق الاقتصادية ومناطق التجارة الحرة والموانئ والبنية الأساسية وتطويرها وتحديثها، والدفع بدور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في تنمية التجارة الخارجية لسلطنة عمان وتوطين الصناعات.

