تضعنا الحياة في مطبّات كثيرة، وحده الذكي من يخرج منها سليماً مُعافى، متعلّماً ومصححّاً لأخطائه إن وجدت، يخرج بعبرة وتجربة وإن كانت قاسية لكنها تعلّم، تصقل الشخصية وتنمّي مداركها، فالحياة كالبحر، وحدة القادر على السباحة من الممكن أن يملك فرصة الوصول إلى اليابسة، عندما يصل يستخلص خلاصة تجاربه، بعد أن وضعه الله تبارك وتعالى في امتحانات صعبة ومنها السهل، لكن المهم الاستفادة دوماً من الأخطاء وتصحيحها وتجنب تكرارها مهما كانت المغريات كبيرة.
هذا المقال مختلف، ليس عن سيرة لشخصية إسلامية، أو أدبية أو علمية، إنه مختلف، لأنه سلسلة اعترافات، سلسلة خلاصة تجارب، حدثت معي شخصياً، سلسلة تصفية وفلترة أخطاء كنت أظنها عين الصواب في أيامٍ خلت، ولأني عودتكم على الصراحة، فوودت التفكير بصوت مرتفع، أتناقش معكم ونخرج جميعاً بفائدة، لأن ظروفنا قد تتقاطع رغم اختلاف التجارب، لكنها مناسبة لكل التجارب، وبصراحة أكثر لا يخلو الأمر من أسباب مباشرة وأخرى غير مباشرة، كانت سبباً في أن أصل إلى قناعات ما كنت أملكها سابقاً، أود القول إن الجرأة تكمن في الاعتراف، وها أنا أقرر ذلك بكامل إرادتي، فأنا إعلامي كنت ولا أزال، وهذه المهنة “سيف ذو حدين”، سيف يمنحك الشهرة والأضواء، وآخر يُسلط على رقبتك، وكل من يعمل في هذا الحقل يدرك تماماً ما أقول.
وهناك أزمة حقيقية يعاني منها عالمنا العربي اليوم، وهي أزمة “الإعلام الموجه”، لماذا ننكر؟ أغلب القنوات اليوم موجهة، الرسمية والخاصة منها، حتى تلك المغلفة بلباسٍ ديني، وتقول إنها حيادية وبعيدة عن السياسة، ومتى ما تخلصنا من هذا الأمر، حينها من الممكن القول إننا وضعنا الحجر الأول على طريق تعافي المنظومة الإعلامية، لكن هذا لم ولن يحدث، فأغلب البرامج اليوم تشعر وكأنك في مبارزة، مبارزة حقيقية تريد إيصال فكرتك فيأتيك المحاوِر الموجه، ليقاطعك ويقول لك إن توجه القناة “كذا”، بالتالي أين هي مساحة الضيف الحرة، لا توجد وإن وجدت فهي بنسبة ضئيلة جداً، وبنفس الوقت أفهم أن هناك موظفين مضطرون لاتباع سياسات قنواتهم لكن الضيوف ليسوا أدوات بيد أحد، فإن غابت الحرية، لن نخرج بحوار صحي أو سليم، بل على العكس تماماً، يحولون الضيف إلى متلقي معلومات يصدح بما يريدون إيصاله للمتلقي، تحت شعارات زائفة لكنها غالباً برّاقة، مع الأسف الشديد، لذلك تجد كثيرون ممن يصدحون بأفكار من كوكب آخر وقناعات زائفة لأجل حفنة من الدولارات كأجور عل مشاركات موجهة، وهذه حقيقة لا تقبل الجدل أو النقاش.
لذلك، في السنوات القليلة الماضية، وبعد صقل تجربتي، لقد أخطأت في ظهوري على الكثير من المحطات التلفزيونية والتي ما كان يجب أن أظهر، ولست نادماً بقدر ما أرغب في أن أصحح ذلك ومن ثم أعلن أسفي على قلة بصيرتي في هذا الخصوص، لكن جلّ من لا يخطئ، فتصحيح المسار ليس بالأمر اليسير، لأنهم دائماً يتهموا الطرف الآخر بأنه نوع من الهروب، وهذا ليس صحيحاً، أنا إنسان حر ومفكر إنساني، أعنى وأهتم بالإنسان أولاً وأخيراً، لكن هذا الإنسان إن كان مكبّلاً بقيود وأغلال من الصعب تحريره، وللأسف هناك الكثير من الناس المثقفين والمتعلمين لكنهم أسرى عقيدة ما، وفكر ما، مؤدلجين بصحيح العبارة، هذه الأدلجة لا يمكن لإنسان حر أن يتقبلها، فعلى سبيل المثال، خرجت في أحد اللقاءات وكان معي ضيوف من دول عدة، ربما هم أفضل مني، لكن عند مناقشة المحاور المطروحة، نجد أن هناك توجه معين يُراد تلميع جهة على حساب أخرى خاصة القنوات ذات التوجه الديني، فهذه اللقاءات ليست للخروج بأهداف أو أفكار خلاقة يستفيد منها المتلقي والمشاهد بقدر ما هي مشاريع سياسية مغلفة بعباءة الدين، خاصة عندما يكون الضيوف من ألوان وأطياف مختلفة، لكن عتبي على أولئك المثقفين الذين استرضوا أن يكونوا مطية وأدوات لتحقيق تلك المشاريع التي أرفضها شخصياً ولا يمكن أن أكون شريكاً فيها إلا في حال أتيح لي التكلم بحرية، وتصحيح المسار.
أكرر، إن الهارب من شيء لا يمكن أن يخوض أي نقاش حوله، وما دفعني للكتابة اليوم في هذا الإطار، هو أمر أصبح مهماً لي أن أصحح وأكتب عنه، خاصة بعد عرض الكثير من المغريات للقبول والموافقة، لكن ولله الحمد الإنسان الحر لا يُشترى بأموال الدنيا، لأن صاحب الرسالة هوشخص يريد إيصال رسالته بأبلغ الطرق التي لا تغضب الخالق عز وجل، ولا تروّج لمشاريع هي بعيدة عني، وأنا المدافع عن الأمة الإسلامية بكل ما أملك وبكل جوارحي، فلا مدرسة عندي أعلى من مدرسة الحديث والأثر، ولعلها مناسبة مهمة أن أذكر أنني بصدد تأريخ لسيرة الإمام البخاري بما له وما عليه، وأنا توجهي هو تصحيح الأخطاء ومحاربة الجهل والخرافات، خاصة فيما يتعلق بالدين الإسلامي، فالدفاع عنه واجب شرعي وإثبات السند المتصل لأي حديث هو علم واسع يجب على المتخصص أو المهتم أن يكون ملماً بتفاصيله وقواعده الشرعية، ومن ثم الحديث عن كل الأمور لكل المذاهب، فلا أحد يزاود في هذا الأمر خاصة وأننا مقبلون على شهر رمضان المبارك وستكثر الأحاديث المروية دون سندٍ صحيح ومتصل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما خلا ذلك فهو أمر ليس من ضمن اهتماماتي الخوض فيه.
وهنا يجب ذكر مثال ليس ببعيد، لقد عرضت عليي إحدى القنوات التي تتبع لدولة إسلامية، أن أكون ضيفاً على مدار أيام الشهر الكريم، ولقاء أجرٍ كبير، مقابل أن أمتنع عن ذكر أمور عديدة من بينها أسماء معينة مثل السيد محمد حسين فضل الله، والسيد كمال الحيدري، كما أعطوا محاذير لعد ذكر بعض الفرق الإسلامية وتشعباتها، والحديث في إطار محدد من جانبهم، وهنا فتشت عما هو دوري سوى أن أكون بوقاً لهذا المشروع في المنطقة، وهنا لا أنقد القناة ولا العاملين بها ولا شيء، لكن هذا الأمر يطبق على أشخاص قبلوا أن يُشتروا بأبخس الأثمان، لذلك اعتذرت وبثقة، إلا إذا طُلب مني الحديث وفق قناعاتي فأنا أرحب أن أكون ضيفاً دائماً بأي قناة عربية أو إسلامية وربما هذا الفرق بيني وبين الآخرين، فتوجيه الضيوف هو أول أمر فيه من المعصية الكثير، تحت لبوس ديني وهذا قمة الخطأ التستر خلف قناعات زائفة مع شديد الأسف.
أخيراً، إن الإنسان يمر بتجارب كثيرة، لكن عندما يكون الأمر متعلقاً بمهاجمة رموز الإسلام وأهل الحديث وأهل الأثر، هنا أتحول إلى مقاتل شديد البأس، وأدافع عنهم وعن أهل البيت عليهم السلام بإزالة أي لبس يتم تداوله منخرافة وأكاذيب وكل ما نُسب إلى التراث الإسلامي الثمين أو إلى آل البيت ستجدونني في الصف الأول مدافعاً عنهم، لأن هذا حق علينا كمسلمين، فنحن من نروي عن آل البيت بالإسناد ونحن من ندافع عن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل البيت هم حملة سنّة النبي، ورواياتهم موجودة بكتب الحديث الستة، وأنا حاضر لأي برنامج موضوعي وأكاديمي لا إقصاء فيه وبعيد كل البعد عن التطاول على رموزنا الإسلامية أو أي طرف آخر.
وستكون البداية في هذه الأيام المباركة كما ذكرت آنفاً عن الإمام البخاري، وكتب أهل الحديث وآل البيت عليهم السلام، كما تكلمت سابقاً عن فقيه المدينة المنورة، الإمام جعفر الصادق، ووالده عالم المدينة، الإمام محمد الباقر والإمام موسى بن جعفر الكاظم الملقب بالعبد الصالح، وغيرهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة الكرام، لأن هذا هو طريق الوحدة الإسلامية الحقيقي، في أن نوحد الناس ونجمعهم معاً عملاً بقوله تبارك وتعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، بالدليل العلمي وبالسند المتصل، وأنا لا زلت طالب علم على يد خيرة علماء الأمة الإسلامية في باكستان وأفغانستان والعراق والهند والشام والحمدلله على نعمة العلم، وللحديث بقية.
عبدالعزيز بن بدر القطان / كاتب ومفكر – الكويت

