ترجمة قاسم مكي –
“نار” داعش التي بدا أنها انطفأت قبل ثلاثة أعوام عندما تم القضاء على ما أسمتها خلافتها، ولا تزال تومض تحت الرماد في مخيم “الهول” وفي سجن قريب، وتقول المليشيا التي تحرس المخيم والسجن إنها في حاجة ماسَّة إلى المساعدة قبل اشتعال داعش من جديد.
سوريا كانت آخر محطة للجنرال كوريلا في أول جولة له في الشرق الأوسط منذ توليه قيادة القوات الأمريكية في المنطقة في 1 أبريل وقد دعاني لمرافقته، كان يريد تقييم المخاطر المحتملة على المصالح الأمريكية هناك وعاد بصورة “مباشرة وحية” لمشكلة احتواء ما تبقى من داعش.
قدم له القائد المحلي لمليشيا قوات سوريا الديمقراطية التي تتولى تأمين مخيم الهول وصفا لانتفاضة في 28 مارس قام بها أنصار داعش داخل الأسوار، فقد شن مسلحون هجوما بقذائف صاروخية وبنادق كلاشينكوف ومسدسات سبق تهريبها إلى داخل المبنى، ومع احتدام المعركة قتل أربعة أشخاص وجرح 10 آخرون بحسب أخبار محلية.
قال القائد المحلي للزوار الأمريكيين: “هذا المعسكر مثل قنبلة موقوتة، نحن لا نعرف متي ستنفجر”.
مشهد مخيم الهول مُزْرٍ، فهو عبارة عن أفدِنة من خيام متسخة ومهترئة ومرافق مياه وصرف صحي بدائية، يأوي المخيم في الوقت الحالي 56 ألف شخص حوالي 70% منهم تقريبا تحت سن 18 عاما، والعديد من هؤلاء عائلات لمسلحي داعش الذين قتلوا أو أسروا في الحرب، ويمكن القول احتكاما إلى وجوههم الغاضبة داخل أسلاك المخيم أنهم يعيشون على الغضب وأحلام الانتقام، فقد قذف أحدهم سيارة كوريلا المصفحة بحجر أثناء مرورها.
إذا أردتَ إعداد بيئة خصبة لتفريخ الإرهابيين المسلحين في المستقبل ستكون هذه البيئة مخيم الهول.
جاء ما يقرب من 8 آلاف من المقيمين بالمخيم من بلدان أخرى بخلاف سوريا والعراق، لكن حكوماتها تجاهلت في معظمها طلبات استعادة مواطنيها.
تقول مسؤولة قوات سوريا الديمقراطية التي تشرف على الأجانب: “لم تُرِد بلدانهم عودتهم إليها، وهي لا تفعل أي شيء للمساعدة”.
قال لي كوريلا بعد أن غادرنا المعسكر: “العالم يريد أن يعرف ما الذي يحدث هنا”، وأوضح أن القوات الأمريكية تعمل على تحسين الأمن في المخيم، كما يريد كوريلا أيضا مساعدة وزارة الخارجية الأمريكية على تنظيم استجابة دولية من شأنها إعادة عائلات المسلحين الداعشيين الأجانب إلى بلدانها الأصلية وحمل بعض العبء عن كاهل مليشيا قوات سوريا الديمقراطية.
بعد ذلك انتقل كوريلا بطائرة عمودية إلى سجن الحسكة على بُعد حوالي 40 كيلومترا من المخيم، حيث استمع إلى وصف مرعب لعملية فرار عدة آلاف من الأسرى بمساعدة مسلحين جاؤوا من خارج السجن قبل عدة أشهر، وخلفت واقعة ذلك الهروب العنيف مئات القتلى، وقدم قادة محليون للمليشيا ومستشارو عمليات خاصة أمريكيون شاركوا في تلك المعركة الدموية شهادات وصفية لما حدث.
استمع قائد القيادة المركزية لرواية الحادثة وهو ينظر من أعلى السطح إلى مباني السجن، وأوضح الضباط الأمريكيون والمحليون أن حوالي 10 من مسلحي داعش دخلوا السجن يوم 20 يناير في هجوم مخطط بعناية وفجروا الجدران بشاحنتين مفخختين واقتحموا مخزن أسلحة المليشيا، وزع المهاجمون الأسلحة لحوالي 5 آلاف أسير تقريبا وهرب منهم حوالي 3700 سجين، حينها أسرعت القوات الأمريكية لمساعدة المليشيا في توقيف المحتجزين الفارين، واستمر القتال لمدة 10 أيام مع استدعاء الولايات المتحدة مركبات برادلي المصفحة والطائرات المقاتلة وطائرات أباتشي العمودية لاحتواء الهروب.
استسلم أخيرا حوالي 3000 سجين في 30 يناير لكن قتل 421 من أنصار داعش إلى جانب 125 من أفراد قوات سوريا الديمقراطية، 25 منهم حُزّت رؤوسهم، بحسب أحد المستشارين العسكريين الأمريكيين، وتمكن حوالى 100 من مسلحي داعش من الفرار ولا يعرف مكان وجودهم.
قال كوريلا فيما كان يحدق في مبنى السجن على بعد 100 ياردة: “هذا جيش لداعش في الاحتجاز”، انفجار العنف من قبل الفارِّين بما في ذلك حز الرؤوس وما ذكره أحد مستشاري العمليات الخاصة الأمريكيين من تقطيع مرعب للأطراف تذكير بما يمكن أن يفعله مسلحو داعش خارج الأسْر.
وتتولي قوات سوريا الديمقراطية عبء إدارة 28 سجنا أكبرها سجن الحسكة الذي يحتجز فيه 12 ألف من مسلحي وأنصار داعش.
يقول مستشار العمليات الخاصة إن المطلوب هو إبعاد هؤلاء بالجملة إلى بلدانهم، لكن كما هي الحال مع عائلات داعش في مخيم الهول تجاهلت تلك البلدان طلبات الإبعاد، وأخبرني مظلوم عبدي قائد المجموعة الكردية السورية في مقابلة قصيرة لاحقا بعد اجتماعه مع كوريلا أن قوات سوريا الديمقراطية “بحاجة إلى عون كبير”، وأوضح أنه يحتاج إلى المزيد من التدريب والمعدات وأن الدعم الذي يحصل عليه الآن لا يزيد عن 20% مما يلزمه.
شاهد كوريلا مهددا آخر للقوات الأمريكية في سوريا خلال زيارة منفصلة له يوم الاثنين إلى قاعدة مشتركة للأمريكيين وقوات سوريا الديمقراطية اسمها القرية الخضراء بالقرب من دير الزور، وتعرضت القاعدة في ليلة 7 أبريل إلى انفجارين أصيب فيهما أربعة جنود أمريكيون بجراح، ووصف الجيش الأمريكي تلك الضربة في البداية بأنها هجوم بالصواريخ، وظن المحللون أن الهجوم وراءه مليشيا تدعمها إيران، وهذا ما طرح على مسؤولي إدارة بايدن في البيت الأبيض سؤالا حول ما إذا كان يلزم الردُّ على الهجوم والشكل الذي يتخذه الرد.
لكن القادة الأمريكيين في القرية الخضراء أبلغوا كوريلا يوم الاثنين أنهم يعتقدون الآن بعد فحص تسجيلات بالفيديو أن الانفجارين تسببت فيهما متفجرات زرعها شخص تسلل إلى القاعدة ولم يحدَّد انتماؤه حتى الآن. ولا تزال المهددات ماثلة، بما في ذلك داعش، فالحروب في الشرق الأوسط بقدر ما نرغب في تخيُّل انتهائها لا تنتهي حتى عندما تنتهي.
• ديفيد إجنيشس صحفي وروائي يكتب مقالا في الشؤون الخارجية بصحيفة واشنطن بوست
