شريفة البرعمية: تسليم جائزة بلعرب بن هيثم للتصميم المعماري بنسخ تستخدم تقنية الـ(إن أف تي) رسالة بأهمية المضي قدما والحديث بلغة المستقبل –
سلطنة عمان أولت اهتماما مبكرا بهذه التقنيات .. وهي من ضمن التوجهات الاستراتيجية لرؤية عمان 2040 –
قمت بشراء صكوك غير قابلة للاستبدال بقيمة 70 ريالا وبعد أسبوعين فقط عُرض علي شراؤها بقيمة 700 ريال –
«تخيل أن ترتدي نظارات الواقع المعزز وأنت في المنزل لتنتقل إلى عالمك الافتراضي وبه كل ما تتمنى الحصول عليه»، هكذا عرف مارك زوكربيرغ مؤسس منصة «الميتا» أو الفيس بوك سابقًا مستقبل التواصل والإنترنت، حيث ظهر في مقطع مصور وسط منزل مصمم رقميًا بإطلالة قال بأن مستخدمي هذا العالم يمكنهم اختيارها كما يرغبون. من ثم انتقل إلى قاعة اجتماعات بها شخوص مختلفة يتفاعل معهم بطريقة حقيقية جدًا. يطلق على هذا العالم الـ «ميتافيرس»، وهو أشبه بأحد ألعاب الفيديو، حيث تكون لك شخصية رقمية يتم تسجيل عناوينها بأصول رقمية، ويمكنك من خلالها السفر والتواصل وعقد الاجتماعات وتداول السلع.
أما المنتج الذي يتم تداوله في هذا العالم، فهو الـ «إن أف تي»، وهي رموز أو صكوك غير قابلة للاستبدال. كما تعرف بأنها مقتنيات رقمية يمكن تعقب مصدرها، و أصل قابل للتحصيل والبيع والتبادل. وتتيح «إن أف تي» منح شهادة تثبت ملكية رقمية للمنتج، سواء أكان صورة أو رسما تعبيريا أو فيديو أو مقطوعة موسيقية أو مقالة صحفية، وغيرها. وقد شكّلت هذه التقنية محور مزادات كثيرة أحدثت ضجة عالمية، بينها على سبيل المثال بيع أول تغريدة لمؤسس «تويتر» جاك دورسي مقابل 2.9 مليون دولار أمريكي. كما حصدت القطع الرقمية الموثقة بهذه التقنية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الماضي ما يقرب من 2.5 مليار دولار من العمليات المالية، بحسب تقديرات موقع «نون فانجيبل».
وحول هذه التقنية والفرص التي تحملها للعالم، حاورت «عمان الاقتصادي» شريفة البرعمية، رائدة أعمال في مجال التقنية، وخبيرة في عالم الـ(إن أف تي)، والتي أوصت خلال حديثها بأهمية مواكبة تبني هذه التقنيات واستغلال الفرص الاقتصادية التي تحملها، وتثقيف الجميع بها لتقليل الفجوة بين الأجيال. ودار بيننا الحوار التالي:
ما علاقة الـ(إن أف تي) بعالم الميتافيرس؟ وما التأثيرات المتوقعة لهذا العالم؟
الـ(إن أف تي) هو المنتج الذي يتداول في عالم الميتافيرس وهو العالم الافتراضي الجديد، الذي بدأت تمهد لدخوله نظارات الواقع المعزز والتي تسمح لمستخدميها بعيش هذا العالم واستكشاف زواياه الـ360، والإحساس بجميع المشاعر، وما زالت تطبيقات الميتافيرس حتى الآن تقتصر على الألعاب وعالم التسلية، إلا أنه من المتوقع أن تتوسع لتشمل أكثر من ذلك. كاستخدامها في التعليم على سبيل المثال لإجراء محاكاة للعمليات الطبية أو حفر آبار النفط أو غيرها دون الحاجة للتعرض إلى المخاطر. كما من المتوقع أن يتم إضافة أدوات أخرى لإغراق المزيد من الحواس في هذه التجربة الفريدة كقفازات تتفاعل عند المصافحة أو الألم وغيرها.
وهناك الكثير من الجدل حول كمية التغيير الذي ستخلقه هذه التغييرات في عالمنا، ومن طبع الإنسان أن يحذر مما يجهل، كما هو الحال مع التلفاز عند ظهوره أول مرة. إلا أنه لا بد لنا من أن نخوض هذه المتغيرات ونتبناها، وأن تواكب الأجيال الجديدة التي تعيش هذا الواقع الافتراضي كجزء كبير من حياتها حتى لا تتسع الفجوة بيننا أكثر.
ماذا يُقصد بالـ «إن أف تي»، وما هي استخداماته؟
ارتأى مجتمع الـ(إن أف تي) العربي أنه من الأدق استبدال التعريف المنتشر للمصطلح على أنه «الرموز غير القابلة للاستبدال» بـ «الصكوك غير القابلة للاستبدال» باعتبارها صكوكا وعقودا ذكية لأصول حقيقية بتقنية البلوك تشين. أما تقنية البلوك تشين، فتعني سلسلة من كتل المعلومات التي لا يمكن العبث بها أو تزويرها. وقد بدأ العالم باستخدام هذه التقنية كونها وسيلة سريعة لتخليص العقود دون الحاجة لوسيط وكونها تمنع حدوث أي تزوير.
ففي الولايات المتحدة مثالا، وفلوريدا على وجه التحديد، بدأ الناس ببيع عقاراتهم على صيغة الـ(إن أف تي)، وتتم العملية بين صاحب الملكية والمشتري دون الحاجة لوسيط أو مراجعات لدوائر متعددة، كونها عملية آمنة للغاية. كما تقوم العديد من العلامات التجارية بتنزيل بعض منتجاتها وخاصة النادرة والمحدودة منها وعرضها على هيئة (إن أف تي) حتى تقي نفسها من التزوير، وعند شراء المنتجات بهذه الصيغة يتم توصيل الغرض إلى المستهلك ويمكن من خلال حساباته على منصات منتجات الـ(إن أف تي) معرفة ما إذا كان المنتج الذي يمتلكه أو يرتديه أصليا أو مزورا.
ولا يمكن حصر مجالات تقنية الـ(إن أف تي)، فقد تخدم الفن والعلم والتقنية، ولا يمكن تأطيرها ضمن استخدامات محددة أو بقطاعات معينة، وكونها لا تخضع إلى الآن لمنظومات تشريعية فإن ذلك يتيح لمستخدميها مساحة شاسعة من الابتكار.
كيف غيرت هذه التقنية عالم الأعمال وصانت المنتجات الإبداعية؟
غيرت الـ(إن أف تي) من نماذج العمل في القطاعات الفنية، فأصبح الفنانون وأصحاب المنتجات الإبداعية يستطيعون الوصول إلى الجماهير دون الحاجة لشركات إنتاج وتوزيع أو دور نشر أو أي وسيط. كما تُمكن هذه التقنية أصحاب المنتجات الإبداعية من مشاركة ملكية منتجاتهم والأرباح مع جمهورهم، كونهم يحصلون على نسبة من ملكية العمل عند شراء على صيغة الـ(إن أف تي) وطوال فترة تداوله.
كما يتيح عالم الـ(إن اف تي)، خاصية التمويل الجماعي لأي مشروع أو عمل يود الفرد القيام به، من خلال ما يسمى بـ«الداو»، وهي منظمة مستقلة لا مركزية، يمكن من خلال تأسيس مشاريع وبيع حصصها مسبقًا على مجموعة من المساهمين، حتى إذا تم عرض هذا المشروع للتداول والبيع يتم توزيع الأرباح على المساهمين مدى الحياة. ويمكن أن يخدم ذلك الأفراد والفنانين الذين يمتلكون قاعدة جماهيرية واسعة بالفعل.
وفي العوالم الافتراضية، تعتمد قوة المشاريع على قوة مجتمعات تلك العوالم وقدرتها على المضاربة، حيث نتحول جميعًا اليوم لأنظمة رقمية تتحكم فيها مجتمعات افتراضية تجمعها قواسم مشتركة، وشركات كبرى وليست الشعوب.
ما هي مخاطر الاستثمار في هذا العالم. وما هي تجربتك؟
المخاطرة موجودة في جميع المجالات، وهو أمر يدركه أغلب رواد الأعمال، وقد تكون المخاطرة أكبر في هذا العالم لكونه حديثا ولا يوجد ما يؤطره أو يحمي مستخدميه حتى الآن، ولكن المغامرة فيه بحذر تجربة قد نتعلم من هذا العالم الذي يتوقع أن يمثل جزءًا من المستقبل. كما أنه من المتوقع أن 90 في المائة من مشاريع الـ(إن أف تي) ستهبط قيمتها للصفر، فمن المهم هنا عدم المخاطرة إن كان المستثمر غير مستعد للخسارة. وعالم الصكوك غير القابلة للاستبدال كحال سوق العملات الرقمية متذبذب جدًا وغير موثوق.
وقد استثمرت شخصيًا في عدد من المشاريع وأنا مستعدة للخسارة، وهدفي من هذا الاستثمار هو التعلم واستكشاف هذا العالم في المقام الأول، أحد المشاريع اشتريت فيها صكوكا غير قابلة للاستبدال بقيمة 70 ريالا عمانيا، وبعد أسبوعين فقط عُرض علي شراؤها بقيمة 700 ريال عماني، ولأنه سوق متغير وغير متوقع عادت هذه الصكوك إلى 150 ريالا بعد ثلاثة أسابيع، وأتوقع أن قيمتها اليوم عادت لحوالي 85 ريالا عمانيا.
وأنصح المقبلين على الاستثمار في هذا النوع من الصكوك عدم الاستعجال والدخول سريعًا في مضاربات، وإنما التأني لسنتين أو ثلاثة حتى ينضج القطاع وتكون الصورة به أكثر وضوحًا.
ما هي الخطوات الأولى للاستثمار في الـ(إن أف تي)؟
للدخول في هذا العالم يجب أولا أن تكون لدينا محفظة رقمية، متصلة بسلسلة الكتل أو البلوك تشين، وأن تحوي عملات رقمية كون أن أسواق الـ(إن أف تي) حاليًا تتعامل مع هذا النوع من العملات. وعادة ما يبدأ الناس بمحفظة «الميتا ماسك» ومن ثم لا بد من إنشاء حساب في أحد منصات العملات الرقمية مثل الباينانس أو الكوين مينا. وبعد ذلك يمكن التوجه لسوق الـ(إن أف تي) ومن أشهرها منصة «الأوبن سي» أو من خلال المنصات العربية مثل «نفتي سوق» أو غيرها، والقيام بربط حساباتنا في هذه المنصات بالمحفظة الرقمية من ثم البدء بشراء الصكوك.
أما في حال رغب الشخص بعرض أحد أعماله لهيئة صكوك غير قابلة للاستبدال فسيتعين عليه أيضًا أن تكون لديه محفظة رقمية وسيحتاج لبعض العملات الرقمية لتخليص بعض المعاملات.
وهناك العديد من العملات الرقمية، وأحد الطرق لمعرفة أيها أفضل هي مراقبة كبرى الشركات وتوجهاتها واستثماراتها.
ما السر وراء بيع بعض الصكوك بالمليارات؟
قيمة الصكوك يحددها أمران، أولهما الندرة كشراء صك فني أو رسمة نادرة وواحدة من نوعها لفنان مشهور، أو قد تكون قيمة بعض الرموز مرتفعة كونها جزءا من مجموعة تتيح لمشتريها الدخول لمجتمع أو نادٍ مغلق بمميزات خاصة، وهنا قد تمثل بطاقة عبور لعوالم وفرص عديدة، ولذلك يحرص البعض على اقتنائها. والأمر الإيجابي هنا أن سعر هذه الصكوك يمكن أن يرتفع مستقبلا مما يعود بفائدة على مشتريها.
كيف لنا اقتناص الفرص التي تقدمها هذه التقنيات في سلطنة عمان؟
هناك استخدامات عديدة لـ(إن أف تي) والبلوك تشين أو سلسلة كتل المعلومات عامةً، وما أن تقوم الحكومات بفهم طريقة عملها ستبدأ بلا شك في تأطيرها وتطبيقها، وقد أولت سلطنة عمان اهتمامًا مبكرًا بتقنية البلوك تشين منذ عام 2016 من خلال عقد العديد من الندوات التعريفية. كما أولت رؤية عمان 2040 تحديدا في قطاع التقنية أهمية كبيرة من خلال توجهها الاستراتيجي نحو إيجاد اقتصاد متنوع ومستدام قائم على التقنية والمعرفة والابتكار، ومستوعب للثورات الصناعية.
ولتطبيق هذه التقنيات والاستفادة منها على الوجه الأكمل فإنه لا بد من التكاملية والتعاون من قبل المشرعين والمستثمرين والمستخدمين وأن يتحدث الجميع ذات اللغة.
ومن المبادرات الجميلة والتي شهدناها مؤخرًا في سلطنة عمان كانت تسليم جوائز صاحب السُّموّ السيّد بلعرب بن هيثم للتصميم المعماري بنسخ رقميّة تستخدم تقنية الـ(إن أف تي) لأول مرة على مستوى الجوائز بالوطن العربي. وهي تعد رسالة واعترافا بأهمية المضي قدمًا والحديث بلغة المستقبل. وأرى بأن الشباب اليوم لا بد له أن ينشغل بالمستقبل، وأن يكون جل حديثه عن المستقبل وإلا فسينكب على تفسير الماضي والحاضر ويدخل في دوامات من الانكسار والملل والإحباط.
