– 1 –
في العام 1986 وقبل حصوله على جائزة نوبل في الآداب، أرادت إحدى جهات الإنتاج الخاص العربية تكريم نجيب محفوظ بمناسبة بلوغه السادسة والسبعين، وقامت بالفعل بتنفيذ برنامج تسجيلي رائع مدته حوالي الساعة؛ بتعليق صوتي للراحل حمزة الشيمي، والقديرة سميرة عبد العزيز. وفي هذا التسجيل، تحدث نجيب محفوظ كما لم يتحدث من قبل، وأفاض وفصل في رواية ذكرياته منذ الطفولة وحتى بلوغه المكانة السامية التي ارتقاها بأدبه الفذ، وكدّه المثابر وعكوفه على الإبداع بدأب وانتظام لما يقرب من نصف القرن.
في هذا التسجيل، تحدث نجيب محفوظ -ولأول مرة- باستفاضة عن تأسيسه الثقافي وتكوينه الفكري والفني، وعن المؤثرات التي لعبت دورها في ذلك الوقت؛ وكانت ثقافته التاريخية القديمة، والفرعونية بالأخص، من أهم هذه الروافد التي نهل منها بشغف، ومضى يعلن عن نفسه روائيا من خلال إبداعه لرواياته الثلاث الأولى المشهورة «عبث الأقدار» (1939)، «رادوبيس» (1943)، و«كفاح طيبة» (1944).. وإن كان ترجم قبلها كتابًا صغيرًا بعنوان «مصر القديمة» (نشر عام 1932 على صفحات مجلة المجلة الجديدة لسلامة موسى).
– 2 –
كان سلامة موسى أول من لفت أنظار نجيب محفوظ إلى تاريخ مصر القديمة، وحينما كتب نجيب محفوظ رواياته الأولى؛ نشرها في ظل ما كان يعرف ببعث التيار الفرعوني الذي انتشر في مصر عقب ثورة 1919، إذ لم يكن الكاتب الشاب آنذاك بمعزل عن تلك الروح القومية النامية، والشعور الوطني الجارف الذي كان أحد نواتج الحركة العلمية النشطة والكشوف الأثرية غير المسبوقة التي دارت حول تاريخ الفراعنة؛ ساعد على إذكائه كثرة تلك الاكتشافات الأثرية اللاحقة التي وضعت مجد الفراعنة أمام الأنظار؛ الأمر الذي خلق في مشاعر المثقفين رغبة قوية في استطلاع حياة الأجداد وأمجادهم؛ وكان من أهم وأبرز تلك الاكتشافات مقبرة توت عنخ آمون التي شغلت الدنيا كلها لسنواتٍ طوال.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يشغل التاريخ المصري القديم الجانب الأكبر من اهتمامات وشغف “النجيب” الصغير؛ بل إنه تلاقى أيضًا مع ذلك الشغف والحنين والمتعة التي غرستها الأم في نفس ابنها الصغير، حيث كانت تصطحبه في زياراتها المتكررة والطويلة إلى المتحف المصري وللآثار المصرية القديمة.
يحكي نجيب محفوظ عن تنامي هذا الشغف بدراسة التاريخ المصري القديم والتعرف على تفاصيله؛ حينما قرر أن يكتب أولى رواياته الفرعونية؛ يقول:
“ولم ترتبط الكتابة عندي بالقراءة إلا في الفترة التي كتبت فيها الروايات الفرعونية، حيث اقتضى الأمر مني دراسة علم «المصريات»، خاصـة وقد كـان لديّ النية لكتابة تاريخ مصر بأكمله في سلسلة من الأعمال الروائية، كما فعل “جورجي زيدان” في تاريخ الإسلام”.
– 3 –
لكن المسألة كانت جذورها أبعد من مجرد التحضر والقراءة لكتابة سلسلة من الروايات التي تسرد تاريخ المصريين في زمن الفراعنة؛ الأمر كان أعمق من ذلك بكثير؛ يقول محفوظ:
“كنت كلما علمت باكتشاف جديد لآثار قديمة في أرض مصر عجبت لتاريخ هذا البلد الغني الذي كان طوال تاريخه ملتقي لحضارات العالم أجمع من الفارسية والرومانية واليونانية في العصور القديمة إلى مختلف الحضارات الغربية في العصر الحديث”.
ولهذا، فقد كان للاكتشاف الأول الكبير في أوائل القرن العشرين تأثير رهيب على نجيب محفوظ، وهو اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 على أيدي البريطاني “هوارد كارتر”، ففي ذلك الوقت انبهر العالم كله بما تم إخراجه من هذه المقبرة النادرة التي لم تكن أيدي لصوص المقابر في العصور الغابرة قد وصلت إليها، ورغم أن صاحبها الفرعون الصغير لم يكن من حكام مصر العظام، ولم يستمر حكمه أكثر من تسع سنوات، إلا أن النفائس التي كانت تزخر بها مقبرته أعطت للعالم فكرة عما كان بداخل مقابر الفراعين الكبار، من أمثال رمسيس الثاني، وأحمس، وخوفو، وأخناتون الذي خلّفه مباشرة في الحكم توت عنخ آمون.
كان لهذا الاكتشاف الجديد أثر أعمق مما نتخيل في حياة نجيب محفوظ لم يفارقه طوال عمره؛ لأنه كان الدفعة [الباعث] الأولى التي ولّدت بداخله الدافع للكتابة، وحددت له الاتجاه الذي سيتخذه في كتاباته الروائية في ذلك الوقت؛ يقول:
“إنني وجدت في ذلك التاريخ كنزًا زاخرًا بالقصص والمواقف، فقررت أن أهب حياتي لكتابة تاريخ مصر القديم بالرواية، وهكذا نشرت بالفعل ثلاث روايات مستوحاة كلها من هذا التاريخ القديم، لكني بعد فترة وجدت أن ثراء التاريخ المصري ليس في القديم وحده، وإنما أيضًا في التاريخ الحديث الذي بهرني بنفس الدرجة، فاتجهت إليه برواياتي، دون أن أترك التاريخ القديم، فقد عدت إليه مرة أخرى لأكتب رواية «العائش في الحقيقة» عن فرعون مصر الأكبر إخناتون”.
– 4 –
لكن اتجاه نجيب محفوظ إلى التاريخ المصري القديم لم يكن يعني المعنى الحرفي فقط لـ “تاريخ الحقبة الفرعونية” من حيث هو تاريخ سياسي وسير شخصيات فراعنة وأسر حاكمة؛ بل كان أيضًا يشغله في القلب من هذا التاريخ “الأدب الشعبي الفرعوني” بالتحديد؛
إذ كان من نتاج النشاط المعرفي في تلك الفترة اكتشاف كتابات وبرديات تحمل في طياتها نصوصًا وحكايات شعبية كتبت في العصور الفرعونية، وقام عدد من كبار المؤرخين والأثريين المتخصصين في تاريخ مصر الفرعونية بجمع هذه الحكايات وتصنيفها ودراستها؛ وقدم الأثري الراحل الكبير سليم حسن كتابَه المبهر «الأدب المصري القديم أو أدب الفراعنة» في جزئين؛ الأول في القصص والحكم والتأملات والرسائل، والثاني في الدراما والشعر وفنونه.
وأظن أن نجيب محفوظ قد اطلع على هذا الكتاب وقرأه بوعي وتركيز؛ ولا أستبعد أن يكون قرأ كتبًا أخرى في الدائرة ذاتها؛ ذلك أن دلائل عدة تشير إلى تركيز اهتمامه على تراث الفراعنة “الأدبي”؛ وعلى الحكايات الشعبية والقصص الخيالية التي أنتجها الفراعنة في ذلك الزمن السحيق.
من ذلك، ترجمة نجيب محفوظ المبكرة جدًا لكتاب الأثري البريطاني جيمس بيكي «مصر القديمة»؛ وهو كتاب صغير الحجم يروي -في قالب قصصي- جانبًا من تاريخ الفراعين وحياتهم اليومية وتقاليدهم واحتفالاتهم الدينية، ووصف لمدنهم ومعابدهم ومسلاتهم.. إلخ،
كل ذلك في سرد جذاب يغلب عليه التخيل أكثر من إيراد الوقائع التاريخية والالتزام بحرفية الحوادث والسنين. في هذا الكتاب المبكر ستتبدى ملامح بازغة لأسلوبية الأديب المنتظر.
ومن ذلك، أن نجيب محفوظ نفسه (في التسجيل المشار إليه مطلع المقال) قد صنف رواياته الثلاث الأولى بأنها “تستلهم الأدب الشعبي أو “التراث الفرعوني الشعبي” وليس التاريخي؛ يقول محفوظ:
“يمكن اعتبار روايتي «عبث الأقدار» و«رادوبيس» إعادة تشكيل لقصتين فرعونيتين من التراث الفرعوني في الأدب، مزجتُ بين حوادثها وشخوصها وبين خط وهمي متخيل وضفرت الاثنين في جديلة سردية واحدة كي أقول ما أريد”.
– 5 –
فيما كانت «كفاح طيبة» -وحدها- هي التي اعتبرها محفوظ “رواية تاريخية” بالمعنى المعروف ذلك لأنه “معروف أن الأساس الذي بنيت عليه الرواية تاريخي، بمعنى أنها تستلهم تاريخ كفاح أسرة أحمس في سبيل تحرير مصر من الهكسوس، وقد كان نظري في واقع الأمر على الواقع الذي نعيشه أكثر من عيني على الحوادث التاريخية القديمة في ذاتها”..
ولهذا فإن نظرًا أكثر دقة وفحصًا لقراءة هذه الأعمال بات أمرًا مُلحًا وضروريًّا..
(وللحديث بقية)..
