السرقة تختلف عن جريمة خيانة الأمانة التي يكون المال المنقول مسلم على سبيل الأمانة وعن جريمة الاحتيال التي تستخدم فيها وسيلة احتيالية أو اسم كاذب أو صفة غير صحيحة تؤدي لخداع المجني عليه وحمله على التسليم، فكيف ينظر إلى التشريع الإسلامي إلى هذه الجريمة، مقارناً بالقانون الوضعي؟
السرقة في الشريعة الإسلامية نوعان: سرقة عقوبتها حد، وسرقة عقوبتها التعزير، وأما السرقة التي عقوبتها الحد فهي تتفرع إلى سرقة صغرى وسرقة كبرى، السرقة الصغرى هي: أخذ مال الغير خفية أي على سبيل الاستخفاء، أما السرقة الكبرى هي: أخذ مال الغير على سبيل المغالبة، وتسمى السرقة الكبرى حرابة، والفرق بين النوعين، أن الأولى يؤخذ فيها المال دون علم المجني عليه ودون رضاه، ولابد لوجود السرقة الصغرى من توفر هذين الشرطين معاً فإذا لم يتوفر أحدهما فلا يعتبر الفعل سرقة صغرى، فمن سرق من دار متاعاً على مشهد من صاحب الدار دون استعمال القوى والمغالبة لا يعتبر فعله سرقة صغرى وإنما يعتبر فعله اختلاساً، ومن خطف مالاً من آخر لا يعتبر فعله سرقة صغرى وإنما يعتبر فعله خطفاً أو نهباً، والاختلاس والغصب والنهب كلها صور من صور السرقة ولكن لا حد فيها، ومن أخذ متاعاً من دار برضاء صاحبها وفي غير حضوره لا يعتبر سارقاً.
والسرقة الكبرى فيأخذ فيها المال بعلم المجني عليه، ولكن بغير رضاه وعلى سبيل المغالبة، فإن لم تكن مغالبة فالفعل اختلاس أو غصب أو نهب ما دام الرضاء غير متوافر.
السرقة المعاقب عليها بالتعزير: هي نوعان: أولهما: يدخل فيه كل سرقة ذات حد لم تتوفر شروط الحد فيها أو درأ فيها الحد للشبهة كأخذ مال الابن وأخذ المال المشترك، ويستوي أن تكون السرقة في الأصل صغرى أو كبرى، وثانيهما: هو أخذ مال الغير دون استخفاء؛ أي بعلم المجني عليه وبدون رضاه وبغير مغالبة، ويدخل تحت هذا النوع الاختلاس والغصب والنهب، مثل أن يأخذ السارق ملابس آخر خلعها ووضعها بجواره ثم يهرب بها على مرأى من المجني عليه، ومثل أن يخطف شخص من آخر ورقة مالية كان يمسكها بين أصابعه، وهذا النوع من السرقة لا حد فيه أي لا قطع فيه ولا تخرج السرقات فى الشريعة الإسلامية عن هذه الأنواع الأربعة، ويطلق الفقهاء عادة لفظ السرقة دون تمييز على السرقة الصغرى، وإذا تكلموا على السرقة وأحكامها فإنما يقصدون السرقة الصغرى بينما يسمون السرقة الكبرى الحرابة أو قطع الطريق، أما ما عدا ذلك من نهب وغصب واختلاس فيطلقون عليه لفظ الاختلاس بصفة عامة.
والسبب الذي دعا الفقهاء إلى إطلاق لفظ السرقة على السرقة الصغرى دون تمييز أن عقوبتها قطع اليد، وأن أكثر السرقات تقع على سبيل الاستخفاء أي تقع سرقة صغرى، والقاعدة العامة التي يسير عليها الفقهاء أنهم يعنون عناية تامة بالجرائم المعاقب عليها بحد أو قصاص، فيبينون أركانها وشروطها ويفصلون أحكامها ولا يتركون صغيرة ولا كبيرة إلا بينوا حكمها.
أما الجرائم المعاقب عليها بالتعزير فلا يعنون بها تلك العناية ولا يتعرضون إلا للمهم منها، وما يتعرضون له يكتفون ببيان أحكامه مجملة، وإن كانوا قد عنوا بالتعازير عامة فيما يختص بأنواع العقوبات وحد كل عقوبة وسلطة القاضي وولي الأمر، ولعل عذر الفقهاء في أخذهم بهذه الطريقة أن أكثر جرائم التعزير يترك لأولي الأمر تحديد الأفعال المكونة لها والعقوبات التي تقع على مرتكبيها، وأن هذه الجرائم يختلف النظر إليها باختلاف البلدان ونوع الحكومات، فكان من المعقول أن لا يهتم بتفصيل أحكام الجرائم التعزيرية كما تفصل أحكام الجرائم الثابتة وهي جرائم الحدود والقصاص، خصوصاً وأن فكرة تجميع الأحكام التشريعية والأفعال المحرمة في مجامع تنشر على الناس لم تكن ظهرت بعد.
أوجه الخلاف بين السرقة الصغرى والاختلاس
أولاً، عقوبة السرقة القطع وعقوبة الاختلاس التعزير، ثانياً، الركن المادي في السرقة الأخذ على سبيل الاستخفاء، وفي الاختلاس الأخذ دون استخفاء، ثالثاً، يشترط في السرقة أن يكون المسروق في حرز ولا يشترط ذلك في الاختلاس، رابعاً، يشترط في السرقة أن يبلغ المسروق نصاباً معيناً ولا يشترط ذلك في الاختلاس.
ونستطيع بعد معرفة الفرق بين السرقة والاختلاس أن نقول بأن أحكام الاختلاس في الشريعة تكاد تكون نفس أحكام القانون المصري في السرقات المعتبرة جنحاً، وإذا كان ثمة فرق بين الشريعة والقانون في بعض الحالات كما في حالة اعتبار القانون للاختلاس الحاصل على متعهد النقل سرقة وعدم اعتباره خيانة أمانة كما هو الحال في الشريعة فإن القانون يجب اتباعه في هذه الحالة لأن الجريمة من الجرائم التعزيرية وهي محرمة اعتبرت في تكييفها سرقة أو خيانة أمانة، ولولي الأمر سلطة كبرى في تحديد عقوبات الجرائم التعزيرية فإذا عاقب عليها بعقوبة السرقة فإن أمره يجب أن يطاع.
وإذا قارنا الشريعة الإسلامية بالقانون المصري فيما يختص بالسرقات وجدنا أن الشريعة تعاقب على نفس الأفعال التي يعاقب عليها القانون باعتبارها سرقة، فالشريعة تعاقب على أخذ المال خفية (السرقة الصغرى)، وعلى أخذه مغالبة أي بإكراه وتهديد في الطرق العامة وغيرها (السرقة الكبرى أو الحرابة)، وعلى أخذه بغير استخفاء وبغير مغالبة (الاختلاس)، وكذلك القانون يعاقب على اختلاس المال سواء كان الاختلاس بعلم المجني عليه أو بغير علمه، أي سواء أخذ خفية أو غير خفية، ما دام ذلك دون رضاه وبغير إكراه، ويعتبر القانون الأفعال التي من هذا النوع جنحاً، كذلك يعاقب القانون على الاختلاس مغالبة أي بإكراه أو تهديد في الطرق العمومية وغيرها وتعتبر الأفعال التي من هذا النوع جنايات.
ولقد كانت القوانين الوضعية تعاقب حتى الثورة الفرنسية على اختلاس منفعة الشيء على اختلاس حق حيازته، على اعتبار أن اختلاس المنفعة واختلاس الحيازة سرقة، كذلك كانت هذه القوانين تخلط بين السرقة والتبديد والغصب وتعتبرها جميعاً سرقة متأثرة في ذلك بأحكام القانون الروماني الذي أخذت عنه، أما الشريعة الإسلامية فإنها على قدمها وقد وجدت من أكثر من ثلاثة عشر قرناً لم تخلط بين سرقة الشيء والانتفاع به أو استرداد حيازته، ولم تخلط بين السرقة وبين الجرائم الأخرى الواقعة على الأموال كالغصب والتبديد.
بالتالي، في استعراض جريمة السرقة على اختلاف أشكالها في الشريعة الإسلامية، لا تختلف شيئاً عما وصلت إليه أرقى القوانين الوضعية الحديثة، ما يبين مدى دقة الشريعة في تفاصيل التفاصيل، ومما لا شك فيه أن القانون الوضعي دائم التطور لكنه حين يتطور مرة بعد مرة إنما يسير في أثر الشريعة ويأخذ بمبادئها، وحين يقال إنه وصل إلى الكمال يكون قد أوشك أن يبلغ فقط بعض ما بلغته الشريعة، وأن اليوم الذي تأخذ فيه القوانين الوضعية عن الشريعة قد أصبح قريباً جداً، الفرق الوحيد أن الشريعة وجدت كما ذكرنا آنفاً منذ زمنٍ طويل، والقوانين الوضعية تتطور وهذا مرتبط بطبيعة التقادم وأسلوب العيش للمجتمعات حديثاً، إلا أن الحقيقة أن الشريعة الإسلامية وضعت اللبنات الأساسية ودعمتها بالنظريات الشرعية القانونية معاً.
عبدالعزيز بن بدر القطان / كاتب ومفكر – الكويت.

