الفيلسوف الحاصل على نوبل في الاقتصاد في حوار حول الهوية وإنهاء الاستعمار وكيفية تغيير العالم
حوار: جيفين جاكوبسن
ترجمة: أحمد شافعي
يدين تاريخ الاقتصاد في أعظم منجزاته دَيْنًا كبيرا للفلاسفة من أمثال آدم سميث وجون ستيوارت ميل وكارل ماركس وفريدريش فون هايك وأمارتيا صن الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1998 وصاحب السمعة الكبيرة بوصفه مرجعا عالميا في شؤون التنمية والرفاه والمجاعة، وبوصفه منظِّرا فريدا وفيلسوفا أخلاقيا. ولد في البنجال في عام 1933، وعاش حياة كانت بمثابة عبور عظيم للحدود، ما كان منها جغرافيًّا أو فكريا، كما كانت بمثابة رفض عظيم أيضا للهويات الضيقة. وهو، على حد تعبيره:
“مواطن آسيوي، هندي، بنجالي من أصول بنجالية، مقيم في أمريكا أو في بريطانيا العظمى، اقتصادي، فيلسوف بالهواية، وكاتب، سنسكريتي، مؤمن إيمانا عميقا بالعلمانية والديمقراطية، له خلفية هندوسية، غير براهمي. وما هذه غير عينة صغيرة من فئات متنوعة. وثمة عدد من فئات أخرى قد تكشف عني أو تحتويني”.
“العالم موطنا” [Home in the World ] (2021) هو سيرة حياته الفكرية التي يراوح فيها بين الإلهام الداخلي والملاحظة البحثية الحادة والنظرة الاجتماعية الثاقبة. يسرد في تواضعٍ نشأتَه ثم مسيرتَه المهنية أكاديميًّا شابًّا، ويعرض الكتاب خريطة ارتحالاته في الأرجاء الإمبراطورية الأساسية ـ في الهند وبورما وكمبريدج ـ فضلا عن قوله أقوالا بليغة في حق المفكرين الذين ساعدوا في صياغة أعماله ورؤيته للعالم.
في الآونة الأخيرة، تحدث أمارتيا صن من منزله بكمبريدج في مساتشوستس الأمريكية مع محرر قسم “الأفكار” في نيوستيتسمان.
• من أمتع الأجزاء في سيرتك “العالم موطنا” وصفك حياتك الفكرية بأنها قامت على كسر الحدود بين التخصصات الأكاديمية. ما سر أهمية هذا في ظنك؟ وهل تعتقد أن خلفيتك الأولى في العلوم ساعدت على تجهيزك للعمل على المشكلات الفلسفية؟
أعتقد أنك محق في ظنك أن انخراطي المبكر في العلوم كان مفيدا لاهتمامي بالقضايا الفلسفية، وبخاصة بنظرية المعرفة [الإبستمولوجيا]. والغريب أن العلوم أفادتني أيضا في أن أفكر أكثر قليلا في الأخلاقيات. فقد كان من المهم أن أستطيع التشكيك في التمييزات المصطنعة المتواترة، بما يؤدي إلى توليد عداوات. يصعب تحديد ما الذي كان مفيدا، لأن معارف المرء الأولى، في حدود ما يمكن الوثوق فيه، تنزع إلى الاندماج مع فهمه الحالي.
• سمة أساسية أخرى يبدو أنها تحدد حياتك، وهي كسر التمايز بين التفكير والفعل، بين الأفكار والتطبيق. يبدو أن هذا يرجع إلى مفاهيم سابقة للفلسفة، مثلما تجسدت عند رابندرانت طاغور لكنها اشتهرت أكثر بارتباطها بمقولة ماركس بأن الغاية “ليست تفسير العالم وإنما تغييره”. هل تعتقد أن الفلاسفة والمفكرين اليوم نسوا فن تحويل النظرية إلى تطبيق؟ ولو أن الأمر كذلك، هل تعتقد أن الرجوع إلى التأمل المحض أسهم في ترسيخ العديد من الأزمات السياسية والاجتماعية التي نواجهها الآن؟
مؤكد أننا نعيش في عالم يقدر الأفعال مثلما يقدر التأمل. والمزيج يقينا مهم مثلما أصبتَ في توضيحك. لقد أكد ماركس حقا على الحاجة إلى مزج الاثنين. لكن من المهم أن نعرف قدر ما بقي من ماركس المنظر حينما انخرط في تقييم أشكال الفعل اللازمة. فمثلا، في “نقد برنامج جوثا” (1981) الذي ينتقد فيه بشدة حزب العمال الألماني، يكتشف ماركس في كتابات الحزب خلطا بين دفع الأجر بناء على العمل ودفعه بناء على الحاجة. ويؤكّد أيضا أهمية “الطبيعة” في الإنتاج (وليس العمل ورأس المال فقط)، ويؤكد بصفة خاصة الحاجة إلى رؤية وتمييز الهويات المختلفة التي قد تكون بالمصادفة في شخص ما. أتفق معك تماما في الحاجة إلى التحلى بالوضوح في الربط بين الأفكار والتطبيق، ولكن من الأمور التي تلفت نظري بشدة في أعمال ماركس، ولكن أيضا في أعمال طاغور، هو مدى الاستعمال القوي لوضوح الأفكار في إضاءة نوعية الأفعال التطبيقية اللازمة.
• لطاغور حيز هائل في سيرتك، وبرغم أنه أحد أهم المفكرين في تاريخ الفلسفة فلعله غير معروف في الغرب على النحو الذي يستحقه. هل تعتقد أن طريقتنا في تدريس الفلسفة غيَّبت مفكرين من العالم غير الغربي؟ ولو أن الأمر كذلك، هل تعتقد أن المناهج الجامعية بحاجة إلى “التخلص من الاستعمار”؟
الحاجة إلى “التخلص من الاستعمار” مهمة يقينا في فهمنا عموما للعالم، وأيضا في المناهج الجامعية (على حد قولك)، على أن تكون هذه علاقة ثنائية. ولا أظنني متيقنا من أني فعلت ذلك جيدا جدا في أعمالي، لكنه شاغل كان ولم يزل حاضرا في ذهني.
• أريد أن أعرج الآن عروجا سريعا على الوضع في الهند. ما رأيك في إدارة مودي، وبخاصة تعامله مع وباء كوفيد 19؟ هل تعتقد أن فكرة الاحتوائية والوحدة التي ناصرها طاغور يمكن أن تصمد أمام صعود القومية الهندوسية الراهن؟
يؤسفني أن سجل ناريندرا مودي في السياسة أو الإدارة للهند محبط إحباطا كبيرا. وليست أسباب فشله خفية أو صعبة التحديد. بادئ ذي بدء، طريقته في التفكير تركز على نسخة من الهندوسية شديدة الضيق، وهي، بالقدر نفسه من الأهمية، تتسم بعداوة متأصلة للمسلمين. يصعب على المرء أن يفكر أن مودي، في بلد عاش فيه الهندوس والمسلمون معا عيشا طيبا للغاية لمئات السنين ورحب كلاهما وابتهجوا بدستور الهند العلماني، قادر متى يشاء أن يمنح مزايا معينة (منها شؤون المواطنة) للهندوس، وينكرها تعسفا على المسلمين. ولكن يعلو على ذلك كله ميل مودي إلى مساعدة الأغنياء وعدم شعوره بالتعاطف مع مدقعي الفقر، وهذه أيضا إعاقة هائلة. عندما فرض مودي نسخته من الحظر بإشعار مدته أربع ساعات في استجابة لانتشار كوفيد، اعتذر لمن يمتلكون بيوتا جميلة قائلا إنه يحزنه أن يحد حريتهم في الحركة، لكنه تجاهل العنت الشديد لمن ليس لديهم بيت لائق يعيشون فيه أو يعملون منه. وكثيرا ما كان العمال الفقراء يفتقرون إلى محض مأوى بسيط يعلمون منه، أو يمارسون منه وظيفة تدر عليهم دخلا (فهم كثيرا جدا ما يفتقرون إلى ذلك أيضا). كما لم يتسن لهم أيضا الرجوع إلى مواطنهم الأصلية حين كانوا شديدي البعد عنها بوصفهم عمالة مهاجرة. أنت محق تماما في أن هذا بعيد أشد البعد عن فكرة الاحتوائية والوحدة التي ناصرها مفكرون من أمثال طاغور ومعه في هذا المقام زعماء آخرون مثل المهاتما غاندي.
• في ضوء الاتجاه السياسي الذي اتخذته الهند في السنوات الأخيرة، هل يجعلك هذا تفكر تفكيرا مختلفا في الأساس الذي يقوم عليه البلد وطبيعة دستوره؟
هذا سؤال مثير جدا للاهتمام، وعلينا أن نفكر في تاريخ الهند وطبيعة دستورها مثلما تقول. الهند بالطبع بلد فيه انقسامات بين طبقات مختلفة، وانقسامات بالطبع بين الأغنياء والفقراء. والدستور، بقيادة د. بي آر أمبيدقار [الذي رأس لجنة وضع مسودة الدستور بعد استقلال الهند سنة 1947] أولى اهتماما خاصة بالتفاوت وبذل محاولات لوضع بنود عديدة خاصة بتمثيل الأقليات. لكن الرابط بين التفاوت الاقتصادي والانقسامات الاجتماعية لم يلق من الاهتمام ما كان ينبغي له. وما كان لهذا أن يكون ذا أهمية لو لم يكن التاريخ الهندي حافلا بالانقسامات والاختلافات على مدار قرون، لكن في حين أن الدستور لم يكن به بأس في ذاته، فإنه لم يمض قدما نحو الترتيبات العلاجية بالقدر الكافي (وأيضا، برغم الحضور التاريخي في الهند لأفكار موجهة نحو التخلص من التفاوت، فإن سياسات الصحوة الهندوسية تنزع إلى صيغة التركيز الإيجابي الداعم للتقسيم بحسب الطبقات والامتيازات والأديان). لقد بذل طاغور أقصى جهده للتركيز على المساواة وروح التضامن في الفكر التاريخي الهندي، لكن ذلك لم يكن كافيا لإخضاع التفاوت بوصفه أصلا أو صحوةً في السياسات الهندوسية على الهيئة التي اتخذتها الهند الحديثة بمرور الزمن.
• تكتب في السيرة عن الوقت الذي قضيته في بورما. ما رأيك في ما جرى لزعامة أونج سو كي؟ أهي حكاية تحذر من هشاشة المثل الليبرالية في مواجهة واقعية السياسة الباردة؟ وما أفكارك في ما يتعلق بالانقلاب الذي جرى هناك في فبراير من عام 2021؟
سو كي، التي عرفتها أول ما عرفتها في ديلهي ثم في أكسفورد، تمثل لي إحباطا إذ بدت أشبه بزعيمة لا تهاب للشعب البورمي كله، تستعمل ما ورثت من امتيازات في محاولة إقامة شعب مستقل حر جماعي. لا أعتقد أن سقوطها يعكس “هشاشة المثل الليبرالية في مواجهة واقعية السياسة الباردة”. ليس هذا رأيي أنا على الأقل. فنجاح زعيم سياسي في مواجهة عدو لا يرحم يعتمد على كلا الشجاعة والتضحية بالنفس، لكنه يعتمد أيضا على القدرة على القيام بتحليل سياسي بعيد المدى. ليس مفاجئا أن سو كي ـ مثل الكثيرين في بورما ـ لم تفهم مدى اندماج الروهينجا في بورما فتسامحت مع تفاوتات ضخمة ـ ودعمتها. لقد كان الجيش فعليا أذكى منها فقرر أن يحيط التفكير البورمي بغرس قوي للتاريخ العرقي. استطاعوا في الجيش أن ينتجوا في البلد ذهنية عرقية بغيضة لكنها شديدة القوة وموجهة ضد الروهينجا المسلمين.
ولما حان الوقت الذي قررت فيه سو كي أن تواجه ذلك، كان الأوان قد فات، في ظل انسياق الشعب وراء البروباجندا والافتقار إلى التعاطف مع جماعة الروهينجا الأقلية. وما كادت الدعاية تدخل حيز التنفيذ، حتى لم يعد بوسع سو كي أن تدعم الروهينجا دون أن تفقد مكانتها لدى الآخرين في بورما، ودون إضعاف حس التضامن الوطني، بعد إهمالها لا للروهينجا فقط بل ولجماعات قبلية أخرى. فالأمر لا يتعلق كثيرا بهشاشة المثل الليبرالية وإنما بضعف الشعب المنقسم الذي جعل من الصعب للغاية على سو كي أن تقف في مواجهة الجيش، وحينما أزيحت أخيرا لم تجد من القوة ما كان ليساعدها في أن تتولى أمر الجيش.
• من الكتاب والمفكرون الأحياء الذين تقرأهم لتفهم العالم؟
هناك قدر عظيم من الناس الذين تنيرني كتاباتهم وتلهمني. وهم يتراوحون بين كتاب الأدب مثل روائية جنوب أفريقيا نادين جورديمر ومفكرين سياسيين من مختلف المشارب. ليست بوسعي أن أشير إلى كاتب عظيم واحد يمكنه أن يهدي تفكيري بشكل شامل، لكن الحكمة التي أحتاج إليها لسوء الحظ لا بد أن تأتي من موارد مختلفة، ومن بلاد مختلفة في بعض الأحيان. لدي احتياج كبير أيضا إلى التجارب الفكرية. فمثلا، أحب أن أفهم كيف كان نيلسن مانديلا ليتعامل مع الانقسامات في أوربا أو بين المجتمعات المختلفة في أمريكا. من المفيد لي أن أفكر في زعماء حقيقيين في ظروف لم يواجهوها فعليا. لا أعرف إن كنت أرتكب خطأ بالمضي في هذه التجارب الفكرية، ولكن التعلم بالنسبة لي وثيق الصلة دائما بالتخيل.
• مترجم عن نيوستيتسمان
