برامج تحفيز تناسب الأوضاع الاقتصادية السائدة
نهج التوسع المنضبط يعني أن تحسن العائدات والوضع المالي يساهمان في توظيف جانب من فائض النفط في تحفيز الاقتصاد عبر مشروعات جديدة وفق الأولويات
استمرار التوجهات والمبادرات الأساسية في خطة التوازن للعمل على تقليص العجز المالي وخفض الدين العام إلى معدلات آمنة
حقق اقتصاد سلطنة عمان نتائج جيدة فيما يتعلق بمعدلات النمو التي فاقت التوقعات السابقة مما يظهر الأثر الجيد الذي قامت به جهود التحفيز وتشجيع الاستثمارات
تحليل – أمل رجب
بينما كان العمل في الخطة الخمسية العاشرة قد دخل مراحله النهائية في عام 2020 استعدادا لبدء تنفيذ الخطة بداية من العام التالي، شهد العالم التفشي واسع النطاق لجائحة كوفيد 19 بتبعاته الحادة على القطاع الصحي وعلى مختلف الأنشطة الاقتصادية، وفي ذلك التوقيت وإضافة إلى تبعات الجائحة كان اقتصاد سلطنة عمان يعاني بالفعل من تأثيرات التراجع الحاد في أسعار النفط العالمية والذي امتد حتى نهاية تنفيذ الخطة الخمسية التاسعة، وكان له تأثيره على أهداف النمو التي تبنتها الخطة وكذلك على الوضع المالي الذي أصبح تحت أعباء متزايدة من الدين العام الذي تحول إلى مهدد للاستقرار المالي، وفي الوقت نفسه كانت تحديات أخرى على مستوى العالم تلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي العالمي خاصة تبعات النزاع التجاري الذي نشب بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وغير ذلك من التوترات السياسية التي يشهدها العالم.
في ظل كافة هذه المتغيرات والتحديات كان يتم إعداد الخطة الخمسية العاشرة وهو ما تطلب خططا وبرامج تتمتع بالمرونة الكبيرة والقدرة على التكيف مع مختلف المتغيرات خاصة سيناريوهات أسعار النفط التي تشهد تذبذبا متواصل بين الصعود والارتفاع، كما كان التركيز كبيرا على وضع برامج تحفيز تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية السائدة في ظل الجائحة، وتم تعديل البرنامج الزمني لخطة التنمية الخمسية العاشرة، وذلك لإعداد خطة طارئة تم تنفيذها فوريا في عام الجائحة نفسه، وكذلك خطة التحفيز الاقتصادي تمهيدا لدخول الرؤية المستقبلية حيز التنفيذ الفعلي في عام 2021 عبر حزمة من الإجراءات السريعة التي تستهدف التعامل مع تداعيات الجائحة على الاقتصاد الوطني، وعلى القطاعات والفئات الأكثر تأثرا بالأزمة، مع الالتزام بالإجراءات الاحترازية للحفاظ على صحة العاملين والمواطنين. وفي أول أعوام الخطة الخمسية، تم إعلان خطة التحفيز الاقتصادي التي اعتمدها مجلس الوزراء وتضمنت خمسة محاور رئيسية لحوافز متعلقة بالضرائب والرسوم وحوافز تحسن بيئة الأعمال والاستثمار ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وحوافز لسوق العمل والتشغيل وحوافز مصرفية لمساندة المقترضين الذين فقدوا وظائفهم أو تأثروا بتبعات الجائحة، وعملت هذه الحوافز على تعزيز الجهود المبذولة للتخفيف من آثار تداعيات أزمة كوفيد-19 على الاقتصاد الوطني ودعم جهود التعافي الاقتصادي وتعزيز أداء الأنشطة الاقتصادية وجلب الاستثمارات الأجنبي، وقد تحققت كثير من النتائج التي تم استهدافها لتعزيز التنويع الاقتصادي في القطاعات المستهدفة في الخطة الخمسية العاشرة مثل الصناعات التحويلية والثروة الزراعية والسمكية والتعدين، كما شهدت معدلات الاستثمار الأجنبي تدفقا جيدا خلال العام الماضي، وقدمت خطة التحفيز دعما لإجراءات ومبادرات خطة التوازن المالي متوسطة المدى التي عملت على تحسين المركز المالي وخفض الدين العام ورفع التصنيف الائتماني. وكان من أهم ما تضمنته الخطة تعزيز جهود التنويع عبر قرارات منها الإعفاء من ضريبة الدخل لجميع الشركات التي تباشر نشاطها الرئيسي في قطاعات التنويع الاقتصادي اعتبارا من الأول من يناير 2021 وحتى نهاية عام 2022 وذلك لمدة خمس سنوات، وفقا للضوابط والشروط المحددة، وتخفيض القيمة الإيجارية للأراضي في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم وفي المناطق الصناعية التابعة للمؤسسة العامة للمناطق الصناعية «مدائن» بنسبة 25 بالمائة ابتداءً من يناير 2020م وحتى نهاية 2022، ودعم قطاع السياحة عبر إعفاء المنشآت الفندقية من ضريبة الدخل المستحقة عن السنتين الضريبيتين 2020م و2021، والإغفاء من الضريبة السياحية وضريبة البلدية التي تحصل من المنشآت السياحية إلى نهاية عام 2021م، والسماح بتقسيط سداد ضريبة الدخل المستحقة، والإعفاء من الضريبة الإضافية (عن عام 2021) والمترتبة على تقسيط الضريبة. وقد تم لاحقا إقرار مزيد من الحوافز والتسهيلات لتشجيع الاستثمار وتشمل إطلاق دليل تسعير الخدمات الحكومية والعديد من الحوافز والمبادرات لتحسين بيئة الأعمال من أهمها خدمة التراخيص التلقائية والسماح بمزاولة الأعمال والأنشطة التجارية والاستثمارية من خلال الحصول على ترخيص مبدئي يتيح للمستثمر مزاولة النشاط التجاري بدون انتظار الحصول على الترخيص النهائي بعد تعهده الالتزام بالاشتراطات والمعايير المحددة لمزاولة ذلك النشاط، بحيث تقوم الجهات المعنية بإجراء التفتيش والتحري من التزام المستثمر بالاشتراطات في أي وقت لاحق من مزاولته للعمل، ومعاملة الشركات المسجلة وفق قانون استثمار رأس المال الأجنبي معاملة الشركات المملوكة للمواطنين العمانيين فيما يتعلق برسوم السجل التجاري، وذلك عند الاستثمار في قطاعات التنويع الاقتصادي المحددة في الخطة الخمسية العاشرة والقطاعات الممكنة لها، مع حوافز إضافية للاستثمار الأجنبي.
ومع إقرار مجلس الوزراء مؤخرا لحزمة دعم تستهدف العديد من الفئات والقطاعات الاجتماعية والاقتصادية، تساهم هذه الحزمة في تخفيف التبعات التي نالت قطاع ريادة الأعمال بسبب الجائحة، وكانت خطة التحفيز الاقتصادي قد قدمت العديد من الحوافز لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة منها تخفيض معدل ضريبة الدخل من 15 بالمائة إلى 12 بالمائة للمؤسسات والصغيرة والمتوسطة وفقا لتصنيف هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومثيلاتها من المؤسسات غير المسجلة بالهيئة والمسجلة بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار للسنتين الضريبيتين 2020 و2021، واقتصار إسناد مناقصات المشتريات الحكومية التي لا تزيد قيمتها عن 10000 ريال عماني للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحاصل أصحابها على بطاقة ريادة، ويتم الاستثناء من ذلك بقرار مسبب من رئيس الوحدة.
ومع بداية العام الأول من الخطة الخمسية العاشرة كانت سلطنة عمان والعديد من دول العالم قد تعلموا العديد من الخبرات والتجارب للتعامل مع الجائحة، وفي إطار الاستعداد للتعايش مع الوباء بدأ تنفيذ خطة التحفيز الاقتصادي والتخفيف تدريجيا من إجراءات الإغلاق، وتباعا تم طرح مجموعة من البرامج الاستثمارية الإستراتيجية والتي من شأنها تحفيز النشاط الاقتصادي، وتشجيع القطاع الخاص وتعزيز الثقة في بيئة الاستثمار المحلي، وجذب الاستثمارات للاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة، مع تشجيع وتحفيز مشروعات الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص وقيام جهاز الاستثمار العماني بدور رئيسي في ذلك، وقد أحرز اقتصاد سلطنة عمان نتائج جيدة فيما يتعلق بمعدلات النمو التي فاقت التوقعات السابقة مما يظهر الأثر الجيد الذي قامت به جهود التحفيز وتشجيع الاستثمارات الجديدة، خاصة وقد شهد العام الماضي دخول العديد من المشروعات الاستراتيجية حيز العمل والتشغيل بما لها من تأثير إيجابي على معدلات النمو الاقتصادي.
وبينما يمثل العام الجاري ثاني أعوام الرؤية المستقبلية عمان 2040 والخطة الخمسية العاشرة، يأتي الارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز ليمثل واحدا من أهم المتغيرات التي تسعى الخطة الخمسية العاشرة للتكيف معها وفق السيناريوهات التي تتضمنها الخطة، وهو متغير إيجابي قدم دعما منذ العام الماضي لكافة مستهدفات وخطط تحسين الوضع المالي وخفض معدلات الدين، ومع استمرار صعود النفط وزيادة توقعات الفائض المرتقب لهذا العام اتجهت الخطة الخمسية العاشرة وفق التوجيهات السامية، إلى توجيه الفوائض نحو أولويات هذه المرحلة وهي خفض الدين العام وتحفيز الاقتصاد بالمشروعات الإنمائية ذات الأولوية، وفي هذا الصدد تتبع الخطة الخمسية العاشرة نهج التوسع المالي المنضبط، وهو ما يعني أن مزيدا من التحسن في الوضع المالي وحجم العائدات يتم توظيف جانب منه في تحفيز الاقتصاد عبر مشروعات جديدة وفق الأولويات المحددة في الخطة الخمسية ومتطلبات التنمية، مع استمرار التوجهات المالية والمبادرات الأساسية التي تم تبنيها في خطة التوازن المالية متوسطة المدى والتي تعمل على تقليص حجم العجز المالي والدين العام إلى معدلات آمنة.

