مع التغير المرتقب في المناخ نتيجة الاحتباس الحراري
د. علي البلوشي: أهمية تطوير البنى الأساسية لمواجهة شدة الأنواء المناخية ومخاطر الفيضانات
توقعت لجنة متابعة التغيُّرات المناخية في الأمم المتحدة IPCC أن معدلات الأمطار الناتجة عن عمليات النقل الحراري ستزداد خلال السنوات القادمة على سلطنة عمان وأبرزها التكونات المحلية الصيفية، والأعاصير المدارية، والمنخفضات.
واستعدادا لمثل هذا السيناريو المتوقع، أكد الدكتور علي بن سعيد البلوشي، أستاذ مشارك بقسم الجغرافيا بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس على أهمية أن تتواكب البنى الأساسية في سلطنة عمان مع قوة الأعاصير المدارية المحتملة، وتعزيز التوعية المجتمعية للتكيُّف مع التغيُّرات المتوقعة.
وقال: وفقا للسيناريوهات المتوقعة فإن ارتفاع درجات الحرارة والتغيُّر المرتقب في المناخ نتيجة الاحتباس الحراري، سيؤديان إلى ارتفاع كميات التبخر وبالتالي تعمُّق المنخفضات وارتفاع كميات بخار الماء في الغلاف الجوي بطبقاته المختلفة، وستستفيد المناطق الساحلية بمختلف دول العالم من فرص ارتفاع كميات التبخر على سواحلها، مشيرًا إلى أن القارات بمختلف مواقعها توجد فيها مناطق ساحلية وأخرى داخلية، وكلما ابتعدنا عن المناطق الساحلية تقل الاستفادة من كميات بخار الماء المتوغلة في القارة هذه أو تلك، وخاصة إذا كانت السواحل تتضمّن مناطق جبلية شاهقة والتي عادةً ما تعترض كميات بخار الماء الواردة من المسطحات المائية، مما يوجِد لدينا منطقتين إحداهما تستفيد من كميات بخار الماء وأخرى تقع في ظل المطر والتي ستعاني من تضاعف معدلات الجفاف؛ نتيجة انحدار الهواء الجاف الحار بسبب الاحتكاك والتسارع أثناء هبوطه من الحافات الجبلية إلى المناطق الداخلية، وستكون المحصّلة النهائية أن المناطق الساحلية في العالم ستستفيد بشكل كبير من ارتفاع درجات الحرارة بحكم ارتفاع كميات التبخر، بينما المناطق الداخلية ستكون بعيدة عن التأثيرات الرطبة وستتأثر إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة بوجود هواء جاف هابط من المناطق الجبلية.
الأنظمة المناخية
وأوضح أن الأنظمة المناخية في سلطنة عمان بشكل عام يتصدّرها النظام التضاريسي كنمط أول، والذي يعتمد على تسرُّب كميات بخار الماء من البحر باتجاه المناطق الجبلية نتيجة للرياح المحلية المتمثلة في نسيم البحر ونسيم البر، والاستفادة من عمليات الارتفاع في سقوط الأمطار خاصة على الحافات الجبلية وبالتحديد في فصل الصيف، والنمط الثاني في سلطنة عمان هي الرياح الجنوبية – الغربية التي تتأثر بها محافظة ظفار، والتي تعمل على إيجاد الضباب المتوغل من المسطحات المائية باتجاه الحافات الجبلية المواجهة لها، أما النمط الثالث فهو الأعاصير المدارية أو المنخفضات الشرقية التي تأتي من بحر العرب المتصل بالمحيط الهندي، وعلى ذلك فإن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى السيناريو المتوقع من قبل IPCC، ألا وهو أن كميات التبخر الواردة من المسطحات المائية ستضاعف من كميات الهطول التضاريسي سواء على جبال الحجر الشرقي أو الغربي، أما بالنسبة للرياح الجنوبية – الغربية فستكون محمَّلة بكميات أكبر من بخار الماء وبتكاثف أعلى وستستفيد المناطق المطلة على بحر العرب في محافظة ظفار من هذا الورود المائي، وبالتالي استفادة جبال محافظة ظفار من بخار الماء وربما تزحزحه إلى الداخل قليلا وتغطية مساحات أكبر من الحافات والهضاب الجبلية، وفيما يتعلّق ببحر العرب الذي يعتمد على نظام الأعاصير المدارية وتسرُّب الكتل الشرقية فإن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى شدة تعمُّق الحالات المدارية وزيادة حدة الأعاصير في حالة حدوثها، ومن ثم زيادة الهطول المطري الناتج عنها وشدة الرياح المصاحبة لها وارتفاع الأمواج، وأكد أن الأمطار التضاريسية تحدث على مدار العام متى ما توفرت الظروف المهيّأة لها وخاصة على الحافات الجبلية لسلسلتَي الحجر الشرقي والغربي.
الاستعداد للتكيُّف
وأضاف: إن المنخفضات الجوية متى ما تعمّقت ربما تؤدي إلى كوارث طبيعية متعلقة بالفيضانات المصاحبة لها والرياح المنحدرة منها، وكذلك الارتفاع في الأمواج وعلينا من الآن الاستعداد والتكيُّف لاستقبال هذه الموجات من خلال تطوير البنى الأساسية بشكل يتلاءم مع التكيُّف، وزيادة الوعي المجتمعي بكيفية التعامل مع الحالات المناخية، ومثالًا على ذلك في الأمطار التضاريسية يجب رفع مستوى الوعي لدى المجتمع للحذر من الصواعق وكميات الهطول والرياح الهابطة، وبالنسبة للأعاصير المدارية يجب إيجاد ملاجئ مهيّأة فعلا لإيواء المتأثرين بالكوارث على اختلاف أنواعها وتكون في مناطق آمنة وسهل الوصول إليها، وتكون بشكل خاص مهيّأة لاستقبال المتأثرين في الحالات المناخية الشاذة لو صحّة هذه التوقعات مستقبلا، كما أوضح بأن الأعاصير المدارية أحد النُظم المناخية التي تتعرَّض لها سلطنة عمان بشكل دائم، وتحدث خلال فترتين من العام إحداهما في الربيع 21 مارس – 21 يونيو والأخرى في الخريف 21 سبتمبر – 21 ديسمبر، والمسار عادة من الشرق إلى الغرب وأنها تتكوَّن فوق البحار والمحيطات المفتوحة، وكل تلك الظروف متوفرة في سلطنة عمان، مضيفا إن مسارات الأعاصير والترددات موجودة في سلطنة عمان منذ القِدم إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي في الفترات الأخيرة أدّت إلى وضوحها بشكل أكبر.
التجمعات العمرانية
وأشار إلى أنه مع زيادة التجمّعات العمرانية بمختلف استخداماتها وما صاحب ذلك من تغيير واعتراض الكثير من مسارات الأودية أصبحت الأنواء المناخية أكثر وضوحًا وتأثيرًا على مختلف التجمّعات العمرانية، ويجب علينا التعامل مع الأعاصير ككوارث طبيعية واردة الحدوث في أي وقت من الأوقات وقد تصيب أي منطقة من مناطق سلطنة عمان وخاصة الساحلية منها، مشيرًا إلى أن مسارات الأعاصير في بحر عُمان تعد نادرة ولكنها موجودة، وأما بالنسبة لمسارات بحر العرب فهي واضحة المعالم وأكثر ترددًا ولذا لا بد أن نضع في عين الاعتبار أهمية الاستعداد في البنى الأساسية التي تتناسب مع حدة الأعاصير المدارية، وتعزيز التوعية المجتمعية لتتوافق مع سيناريوهات التغيُّر المناخية الحالية التي تنبئ بارتفاع درجات الحرارة وتغيُّر المناخ.

