آفاق الحلول تتضاءل في العراق مع تعقّد الأزمة السياسية
بغداد “أ.ف.ب”: أكد رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي امس الإثنين من عمان أن استقالة نواب الكتلة الصدرية التي يتزعمها مقتدى الصدر نافذة، وسيخلفهم من حل بعدهم في عدد الاصوات في الانتخابات.
وقال الحلبوسي في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الأردني عبد الكريم الدغمي “تنتهي عضوية أي نائب من أعضاء مجلس النواب بشكل مباشر عند تقديم الاستقالة أو الوفاة أو المشاركة في عمل تنفيذي، وبالتالي فإن (استقالة أعضاء الكتلة الصدرية) لا تحتاج إلى تصويت” مجلس النواب العراقي.
وأوضح أن تصويت مجلس النواب على استقالة أعضاء منه “يقتصر على ثلاث حالات فقط: الأولى الطعن بصحة العضوية والثانية الإخلال الجسيم بقواعد السلوك الانتخابي والثالثة تجاوز النائب حد الغيابات المسموح به”، مشيرا الى ان هذه الحالات لا تنطبق على الاستقالات. إلا أن محللين وسياسيين عراقيين يرون أن الاستقالة يجب أن تقر في مجلس النواب.
وعن الخطوة اللاحقة، قال الحلبوسي “سنمضي بالإجراءات القانونية، وحسب قانون الانتخاب وآليات العمل الانتخابي، سيعوّض الخاسرون (الذين حصلوا على العدد) الأعلى (من الأصوات) في كل دائرة انتخابية بدلا من السيدات والسادة من نواب الكتلة الصدرية الذين استقالوا للأسف”.
وينص قانون الانتخابات العراقي على أنّه، عند استقالة نائب، يتولّى منصب النائب المستقيل صاحب ثاني أكبر عدد من الأصوات في دائرته.
وقال الحلبوسي “الخطوات القادمة قد تمضي سريعا. نسعى الى تشكيل حكومة تتحمّل القوى السياسية مسؤولية مخرجاتها وإدارتها وسيبقى التقييم أمام الشعب”.
وقدّم الأحد نواب الكتلة الصدرية استقالاتهم بطلب من الصدر وسط أزمة سياسية متواصلة منذ الانتخابات التشريعية المبكرة في أكتوبر 2021. ووصف الصدر الخطوة بأنها “تضحيةً مني من أجل الوطن والشعب لتخليصهم من المصير المجهول”.
“قبلنا على مضض”
وأعلن الحلبوسي الأحد قبول الاستقالات قائلاً في تغريدة على “تويتر”، “قبلنا على مضض طلبات إخواننا وأخواتنا نواب الكتلة الصدرية بالاستقالة من مجلس النواب العراقي”.
ولم تتضح بعد التبعات الدستورية لهذه الخطوة، لكن يخشى أن تؤدي إلى تظاهرات وتزيد المخاوف من عنف سياسي في بلد تملك فيه غالبية الأحزاب السياسية، فصائل مسلحة.
جاءت الانتخابات البرلمانية المبكرة في خريف 2021 كمحاولة من الحكومة لتقديم تنازلات إلى الشارع، بعد تظاهرات غير مسبوقة شهدتها البلاد في العام 2019، وتعرضت لقمع شديد ذهب ضحيته 600 شخص.
وبعد ثمانية أشهر على الانتخابات التشريعية التي لم تفرز أغلبية واضحة، لا تزال الأطراف السياسية الأساسية في البلاد عاجزةً عن الاتفاق على الحكومة المقبلة. كما أخفق البرلمان ثلاث مرات في انتخاب رئيس للجمهورية.
ويشرح رئيس مركز التفكير السياسي والمحلل السياسي العراقي إحسان الشمري لفرانس برس أنه “إذا ما مضينا مع قانون النظام الداخلي (لمجلس النواب) من عام 2007 مادة رقم 19 بالتالي فإنّ الاستقالات بحاجة لتصويت” في البرلمان.
يبقى التأثير السياسي لهذه الخطوة هو الأساس. ويملك الصدر كتلة وازنة في البرلمان، وبالتالي فإنّ استقالتها “ستولّد قناعة لدى أغلب القوى السياسية بأن هذا البرلمان لن يستمر”، كما يرى الشمري.
“أمر صعب”
بعد ثمانية أشهر من الانتخابات التشريعية المبكرة ومبادرات سياسية لا تحصى، لم تتقدّم العملية السياسية في العراق. ويتوقّف ذلك على التوافق بين الأطراف الشيعية المهيمنة على العملية السياسية منذ العام 2003.
من جهة، دفع الصدر إلى تشكيل حكومة “أغلبية” مع تحالف “إنقاذ وطن” الذي يضمّ سنّة وأكرادًا. أما خصومه في الإطار التنسيقي، فيريدون حكومة توافقية تضمّ جميع القوى الشيعية كما جرت عليه العادة.
يشرح الشمري أن واحداً من الأسباب التي دفعت نحو هذه الاستقالة هو “شعور الصدر بأن هناك محاولة لكسره سياسياً”، ويرى الشمري أن “تشكيل حكومة” بمن تبّقى في البرلمان في حال المضي بالاستقالة، “أمر صعب”.
وقد تتيح استقالة نواب الصدر إذا ما تمّ المضيّ بها، واستبدالهم وفق القانون، بمن حصلوا على ثاني أعلى عدد أصوات في الدائرة نفسها، للإطار التنسيقي بتشكيل حكومة.
لكن “حكومة مماثلة لن ترى النور وستسقط سريعاً”، وفق الشمري، في بلد غالباً ما تحسم فيه الأزمات السياسية في الكواليس وليس تحت قبّة البرلمان، ما قد يضع العملية السياسية في نقطة “اللاعودة” ويفضي إلى حلّ البرلمان الذي يتطلب تصويتاً من البرلمان نفسه.
منذ سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، تحوّل مقتدى الصدر إلى طرف سياسي أساسي في العراق. كان مناهضاً بشدّة للغزو الأمريكي، لكنه يقيم اليوم علاقات معقّدة مع إيران الجارة الكبرى المقربة من الإطار التنسيقي، والتي يندد الكثير من العراقيين بتزايد نفوذها في البلاد.
ويضيف الشمري أن “حتى الإطار التنسيقي الذي قد يشعر أنه حقق انتصاراً على مقتدى الصدر، غالبية الأطراف فيه تدرك جيداً بأنّ هذه (الاستقالات) نهاية للعملية السياسية”.
ويعني ذلك بالنسبة للشمري أن “الحكومة الحالية سوف تستمر، لحين حسم الخلاف”، أو إقناع الصدر بالعودة عن قراره.
ويرى بدوره المحلل السياسي العراقي حمزة حداد أن “الوقت سيكون حاسماً في معرفة ما إذا كان الصدر جدياً في هذه الخطوة أم أنها تكتيك جديد لوضع الملامة على الأطراف السياسية الأخرى وشراء الوقت”.
وكان الصدر على سبيل المثال قد أعلن قبيل انتخابات أكتوبر 2021 عن مقاطعته لها، قبل أن يعاود من جديد الانضمام إلى العملية السياسية.
ماذا عن الشارع؟
شُكلت الحكومة الحالية التي يرأسها مصطفى الكاظمي في العام 2020 بعد مفاوضات طويلة وتظاهرات شعبية غير مسبوقة، احتجاجاً على الأوضاع المعيشية والاقتصادية، لكن في صلبها، كانت اعتراضاً على النظام السياسي برمّته.
يرجّح حدّاد “اندلاع تظاهرات جديدة هذا الصيف، فهذا أمر وارد دائماً مع ارتفاع درجات الحرارة وضعف الخدمات، كما الكهرباء والمياه في الجنوب”، فضلاً عن التنديد بعدم تقدّم العملية السياسية.
واستباقاً لهذا الاحتجاج الشعبي الذي قد يشعل الشارع مجدداً كما حصل في العام 2019، انسحب الصدر من العملية السياسية “لينأى بنفسه” عن الملامة، كما يرى الشمري.
ويتوقّع الشمري حصول حراك شعبي “يشترك فيه ناشطو تشرين لإعادة التظاهرات إلى الشارع العراقي على اعتبار أن البرلمان الحالي لم يتمكن من أن يستكمل استحقاقاته الدستورية”. ولذلك وجد الصدر “بأن الاستقالة هي خير ما يمكن أن يبيض صفحته من أخطاء الطبقة السياسية الحالية”.
وبالنسبة لحمزة حداد، “يبدو أن مقتدى الصدر يريد صرف اللوم عن تأخر تشكيل حكومة، عبر هذه الخطوة، ليدّعي بأنّه ليس هو من يعرقل العملية السياسية كونه من ذهب بعيداً في التخلي عن السلطة كلياً”.
وكما حصل في العام 2019، قد ينضمّ الصدر إلى هذه التظاهرات مع قوى مدنية، لكن بالصدر أو بدونه “التظاهرات حاضرة”، كما يرى الشمري، نتيجة “أسباب عميقة تستهدف أسس النظام السياسي التي لا بدّ أن تتغير”.

