كتاب «إبحار باتجاه الكلمة» للصحفي المخضرم محمد بن سيلمان الحضرمي، خلاصة مهنية مهمة قام الكاتب فيها بالعناية بمادته والانتقاء عن طريق نشر الجزء المهم من تجربته المهنية التي تتقاطع مع إجراء لقاءات وحوارات مع أسماء فكرية وبحثية معروفة زارت عمان إلى جانب باحثين عمانيين تميزت بحوثهم وأفكارهم بالجدية، كما هو الحال مع الأستاذ خميس العدوي والدكتور سيلمان الحسيني، وهما العمانيان الوحيدان في هذا الكتاب الحواري، الذي سيكون القارئ فيه على موعد مع خلاصات فكرية وثقافية في مختلف مجالات المعرفة والأدب في العالم العربي، من المهم كذلك الإشارة إلى أن الكتاب يحتوي على اللقاء الأخير مع الكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، إلى جانب اللقاء الأطول مع المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، حيث حاز هذا اللقاء على ربع صفحات الكتاب البالغة 224 صفحة، والصادر عن الجمعية العمانية للكتاب ودار نثر العمانية عام 2020
موجة إثر أخرى:
يفتتح الكتاب بحوار مع الأديب الفلسطيني الثري والمتعدد جبرا إبراهيم جبرا الذي عرف إلى جانب رواياته، وسيرتيه البئر الأولى عن فلسطين وشارع الأميرات عن إقامته الطويلة في العراق، عرف أكثر بترجماته الأساسية لمسرحيات شكسبير، وفي هذا السياق نراه يقول:«لقد درست الأدب الإنجليزي في جامعة كامبردج، وكان لشكسبير القسم الأكبر من دراساتي، فأحببت هذه الشخصية التي لم تفرض علي يومًا؛ لأن شكسبير لا ينتمي لأمة واحدة، بل ينتمي للإنسانية كلها»، وفي موضع آخر يقول في ما يشبه العلاقة الصوفية مع التراث المسرحي الشكسبيري: «حين أترجم شكسبير أشعر أني أدخل في عالم هو امتداد لأعماقي، وإذا كنت مريضا فإن هذه العالم قادر على شفائي».
بعدها نكون مع اللقاء الطويل مع المفكر المصري نصر حامد أبو زيد الذي تميز بالتشعب، ويبدو أن الحضرمي استعد جيدًا لهذا اللقاء، حيث أشار إلى أن أسئلة هذا اللقاء قد ساعده في إعدادها الشاعر سماء عيسى، لا شك أن القراءة العميقة لنصر حامد وخاصة لابن عربي وعبد القاهر الجرجاني، حيث ينتمي لمدرسة دينية عريقة في مصر قبل أن يصير أكاديميا، أسهمت في تعميق رؤيته ( التأويلية). وأستل مثلًا هذه الفقرة من الحوار:( في أحاديثه عليه الصلاة والسلام أقوال قالها في حياته العادية، فهي ليست وحيا، وما ورد في القرآن «وما ينطق عن الهوى» في سياق الآية وتفسيرها،أنه لا ينطق عن الهوى فيما يبلغه من ربه).
بعد ذلك نكون مع المفكر الموسوعي حسن حنفي، صاحب التصانيف الغزيرة التي تذكرنا بالقدماء من المؤلفين العرب، والغريب – وهذا ما لم يذكره الحضرمي في لقائه؛ لأن السياق لم يكن يقتضي ذلك- أن حسن حنفي كان أستاذًا لنصر حامد، ولقاء حسن حنفي كشف جوانب كثيرة من تفكيره إلى جانب حياته الشخصية وطريقته في الكتابة، حيث إنه يقضي معظم النهار في مكتبه، وينام مبكرًا ثم يصحو قبل الفجر ويظل يقرأ ويكتب حتى الليل.
أستل هذه العبارة التي يتحدث فيها حسن حنفي عن الاجتهاد «في رأيي أن الاجتهاد شجاعة أدبية، تتجاوز تقليد القدماء، وتعطي الزمن والعصر حقه».
بعد ذلك كان اللقاء مع المفكر الجزائري محمد أركون، صاحب مفهوم العقل الإسلامي في مقابل العقل العربي الذي نحته المفكر المغربي محمد عابد الجابري، وقد زار أركون عمان مرتين ويقول في إحدى زوايا الحوار: «زرت عمان مرتين، واتضح لي أن ثمة إنعاشا للحياة الثقافية والفكرية العمانية، أتمنى أن يتحقق هذا الإنعاش في جانب الحياة العلمية، أعني الاهتمام بالبحث العلمي، أي في ما يخص علوم الإنسان والمجتمع، وتطبيقها على دراسة مجتمعاتنا وتاريخنا وثقافتنا؛ لأن تلك الدراسات تفيد المجتمع، وتجعله متفتحًا لا يسيطر عليه الجهل المؤسس».
بعد ذلك كان الحوار مع الباحث خميس العدوي وهو حوار نشر في عام 2008 ينم عن سعة اطلاع الباحث وأرضيته القرائية الصلبة،حيث إنه مثلًا في الحوار عرفنا على كتب عمانية لم تكن في ذلك الوقت سوى مخطوطات، وهذا دليل على أنه سعى للاطلاع عليها، وتلخيص قيمتها قبل أن تظهر إلى حيز النشر والتداول، مثل التراث الواسع للشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي. وأقتطف من الحوار الفقرة المضيئة التالية:«يجب أن نجنب الأعمال الفكرية أي شحن عاطفي خارج الفكرة، فهذا لا يخدم الساحة الثقافية بقدر ما يحولها إلى شيء من العبثية الاجتماعية».
حوار الباحث البحريني الدكتور أحمد العبيدلي الذي كان بدوره كاشفًا، حيث عرف عن العبيدلي أنه من الباحثين الذين خلصوا للبحث في التراث العماني في جامعات غربية عريقة، مثلًا رسالته للدكتوراة « نشأة الدولة العمانية الأولى » دافع عنها في جامعة كمبردج. كما تميز اللقاء بإسقاط الضوء على العلاقات العضوية بين الشعبين الشقيقين البحريني والعماني، يقول مثلًا: «إن الحضور العماني جزء من الشخصية البحرينية»، كما تحدث عن مهنيين عمانيين عاشرهم في طفولته، وأقتطف هذا المقطع من حواره، إجابة على سؤال الحضرمي: (أنا أنظر إلى الدولة العمانية ككيان وليس كمذهب).
بعدها يضعنا الكتاب مع حوار ثري مع المفكر المصري عبد الجواد ياسين الذي ألقى محاضرة في النادي الثقافي بعنوان «الدين والتدين»، وهو يرى أن الدين يتلخص في «الإيمان بالله والأخلاق»، وما عدا ذلك فهو تدين. فالدين بالنسبة إليه هو المشترك الإنساني بين مختلف الأديان السماوية، على أن يكون لكل ديانة تدينها أي شعائرها الخاصة التي تترجم بها دينها.
ثم جاء الحوار مع الصحفي اللبناني المعروف رياض نجيب الريس، تعرفنا من خلاله على تفاصيل تجربة صحفية عربية خصبة، والريس هو أول من أجرى لقاء صحفيًا مع جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -طيب الله ثراه- إثر عودته من ظفار إلى مسقط، كما أن العديد من كتبه تدور حول التاريخ السياسي العماني الحديث.
عالم الحفريات المفكر العراقي فاضل الربيعي، تحدث عن قضايا تتميز بالجدة والإثارة حين قال مثلًا: إن اللغة العبرية منشأها اليمن وهي إحدى اللغات السامية كالشحرية وغيرها التي منشأها اليمن. تحدث كذلك عن دراسات أنثروبولوجية للشعر الجاهلي، أقتطف من الحوار الفقرة التالية:«اللغة العبرية في إسرائيل تسمى صنعانيت» أي العبرية الصنعانية، الاسم الرسمي لها العبرية الصنعانية، هم يعرفون الحقيقة أن قصص التوراة دارت في اليمن وليس في فلسطين، يعني أي عاقل يمكنه أن يصدق أن حضرموت وعدن وبلقيس وسبأ هذه لها علاقة بتاريخ فلسطين.
ثمة كذلك في حوار الربيعي استرسال عن ما أطلق عليه بمرثية صور التوراتية، ويقصد بها هنا صور العمانية.
والحوار الأخير من هذه السلسلة المثمرة كان مع سليمان الحسيني، الباحث في تاريخ الوجود المسيحي في عمان من خلال كتابه «الحملات التنصيرية في عمان» الذي كان في الأصل أطروحة دكتوراة، دافع عنها الباحث في جامعة ليدز. أقتطف من الحوار الجملة التالية:«المتتبع لما كتبه المنصرون إلى العام 1970 لن يجد أحدًا من العمانيين دخل الدين المسيحي، رغم حضورهم الكبير – أي المبشرين – في الوسط الاجتماعي، فلا توجد ثمرة للجهود التنصيرية بين أفراد المجتمع».

