المحافظات.. ومضمار التَّنمية الحر !

اكتمل عقد اللؤلؤ بالنسبة للمحافظات، بصدور المرسوم السلطاني رقم 36/2022 بإصدار نظام المحافظات، وقد تسلَّم كلُّ محافظ زمام محافظته، ولم يتبق على الحكومة من شيء يعرقل الانطلاقة الكبرى في تنمية المحافظات؛ وذلك بعدما تمَّت الهيكلة الإدارية للمحافظات، وصدر نظامها الأساسي المستقل بكل محافظة على حدة، والذي أعتقده هنا أنَّ كل محافظ قد جهَّز خططه الإدارية والتنفيذية لمباشرة العمل الحر والمستقل عن المركزية المركَّزة فيمَا مضى، وأنَّه هو المسؤول عن التطوير المنسَّق والعادِل للولايات التي تنضوي تحت كنف محافظته الفتية.

وأنَّ الأمل ليحدُو كل أبناء المحافظة بأن تكون محافظتهم محطَّ أنظار الجميع، وهم ينظرون اليوم بجدية لصنع مستقبل باهر لمحافظتهم وولاياتهم، وذلك من منطلق التنظيم الجديد، الذي أعطَى الاستقلالية لأيدي أبناء المحافظة في البناء الجماعي؛ لما أصبحوا يملكون زمامه بأيديهم وحدهم، وبالدعم المطلق من لدن قائد الوطن جلالة السلطان الأمين هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- الذي يرى بنظرته الحكيمة الثاقبة، أنه “ما حكَّ جلدك مثل ظفرك”. وبنفس النظرة، يريد من الكلِّ أن يتحملوا المسؤولية في ذلك، بالمشاركة في تطوير الوطن، كلٌّ من موقعه ومكانه وبالتعاون بين الجميع، وأنَّ تحمُّل المسؤولية بشكل تدريجي، سوف يُنتِج نشوءَ قيادات ناضجة، ستُعطي الفرصة للسلطة المركزية لاختيار الكفاءات الأبرز لتولي مناصب قيادية في الدولة.

لكن يتوجَّب عليَّ -ككاتب رأي- أن أنقل إلى المحافظين أمنيات معظم المواطنين، بألا يُغفل رأي أصحاب الخبرة والفكر؛ وذلك بالأخذ برأيهم في كيفية تطوير محافظاتهم ومناطقهم، وتنميتها بالتنمية الجادة والشاملة، فلا توجد محافظة من محافظات السلطنة اليوم تخلو من صاحب رأي وفكر من بين المتقاعدين؛ فهناك الوزير والوكيل والمدير العام والطبيب والمهندس… وغيرهم من أصحاب المهن المهمة، وهناك من كبار القادة العسكريين والأمنيين، وهم أيضًا لا تخلو منهم محافظة من المحافظات، بل ولا ولاية تخلو من هؤلاء الخبراء، مهما كانت بعيدة عن المركز، فكلُّ هؤلاء أدمغة مُكتنزة بالخبرات والمعارف والأفكار النيّرة، فمتى طُلب منهم الرأي والمشورة، لن يتردَّدوا مطلقًا عن تقديمها للوطن، وسيكونوا سُعداء بمكتسبات الخير لهم ولبلدانهم؛ فلا يجوز حرمانهم من هذا الفضل والخير الكبير، الذي سوف يحل ببلدانهم.

إذن؛ هناك الآن ما يُقارب ثُلث المجتمع العامل والمعطل في آن واحد، ممن يمثلون فئة المتقاعدين، وقد أصاب بعضهم اليأس والملل والإحباط من كثرة الإهمال الذي وقع عليهم، مع العلم بأن هناك الكثير من الندوات والدورات والمحاضرات، يُستقدم إليها كل “عواجيز العالم” وهم كذلك متقاعدون في بلدانهم، إلا المتقاعد الوطني يُستثنى من هذه المهمة! وذلك على قاعدة “مطرب الحي لا يُطرب أهله”. وعشمنا في المحافظين أنْ تكون لديهم قوائم بأسماء وعناوين وهواتف هذه الفئات، وأن يتم اللقاء بهم في السنة مرة أو مرتين على الأقل، أو كلما كان هناك أمر مهم يقتضي الحال أخذ رأيهم فيه، فيتم استدعاؤهم للرأي والمشورة “وما خاب من استشار”.

… إنَّ هذه الفئات من المتقاعدين سيقدِّمون خدمات جليلة لمحافظاتهم، ويكفي أن يشعر المتقاعد أنه إنسان ذو قيمة، ولو قيمة معنوية في بلده؛ لأن الحقيقة المرة التي يعيشها معظم المتقاعدين اليوم، هي الإحساس بالتَّهميش وعدم الاهتمام، ويُعاملون كأنَّهم سلعة انتهى عمرها الافتراضي، فاستُغني عنها، وأنهم أمسوا لا حاجة لهم في المجتمع؛ وذلك بعد تلك الصولات والجولات التي كانت تُرافقهم أيام الوظيفة، أو كما قال أحدهم عندما سألتهُ ابنتُه: “أين تلك الورود والهدايا التي كان يُؤتى بها إلينا في أيام الأعياد؟!” فقال لها: “يا ابنتي، لم تكن تلك الهدايا لنا، وإنما كانت للمنصب، والآن لا “منصب” فحُجبت الهدايا”. والحقيقة أن قمة المأساة أن يكون المنصب هو أهم من الإنسان والقيم في هذا العصر.

إحداث التغيير في المحافظات يقع اليوم على شخصية المحافظ، فإن كانت شخصية طموحة ومبدعة، فسوف يتغيّرُ الكثير، وسيشعر الناس بالتغيير من العام الأول. أما إذا التزم المحافظ باللفظ اللغوي لكلمة “محافظ”، وظل يحافظ على الموروث كما هو، فسوف ينطبق عليه لقب مدير وحسب، ولن يكُون في مستوى القائد الذي يهتم بالإنسان والإبداع معًا، وأنَّ تصرُّفه وسلوكه سيمثلان جامعة تعليمية، ودورة قيادية مكتملة الأركان، وعندئذ سيحق للقيادة العليا أن ترفع مقام المحافظ إلى مرتبة “وزير” وهذه مرتبة ليست كبيرة على من سيدير مجموعة من الولايات، إدارة ناجعة موفقة، فيُريح الحكومة في المركز من هم التوجيه والإرشاد، ويحقق الأهداف الكبرى في قيادة التنمية الشاملة للوطن ككل.. وحتى إنَّ أيَّ تقييم للمنجزات يُكافأ فيها الناجح لإبداعه بالترقية والثناء، فسوف يُشعِل روح التنافس بين الجميع، مع التذكير بضرورة التغيير بين وقت وآخر للمحافظين، مع الحفاظ على مدة معينة للتقييم والمحاسبة، حتى لا يكون في الأمر أي إرباك وإجحاف.

إنَّ هذه المقالة تمثل أمنيات الناس من أبناء المحافظات، وما يريدونه من المحافظين؛ ذلك ما يُردَّد في بعض المجالس العامة، وليس توجيهًا أو إرشادًا للمحافظين، فحاشا لله أن يكون لنا رأيٌ على رأي مولانا جلالة السلطان قائد البلاد المبجل -أعزه الله وأبقاه- فهو صاحب الشأن والقرار والرأي السديد، ولكن كما قلتُ في البداية نحن نطرح أمنيات المجتمع، كمرآة يُمكن لأصحاب السلطة والقرار رؤيتها، فيسهُل عليهم معرفة الاحتياجات العامة، وطموحات المواطن، خاصة وأننا نخوض تجربة استقلالية جديدة وبالإدارة الحرة في المحافظات، وهي تدخل لأول مرة بذلك مركاض السباق على هذا النمط أو الشكل الجديد في غالبها، وبأسلوب تنمية مُختلف، عمَّا كانت عليه الحال في بداية النهضة العُمانية المباركة، وذلك زمنٌ كان يتطلب فيه الأمر السرعة والقرار الحاسم، لإعمال نمط المركزية المركَّزة على تلك الصورة.

وفَّق الله مولانا جلالة السلطان الأمين هيثم بن طارق المعظم -نصره الله وأيده على فعل الخير- للرقي بعُمان إلى أعلى المراتب والدرجات، وأن يُكلل نظام المحافظات بالتوفيق والسداد والنجاح، ونرجو من الله العزيز القدير أن يُوفق كل المسؤولين لتنفيذ خطط التنمية، وأن يَعمُّ الخير كل ربوع عُمان.. اللَّهُمَّ آمين يا رب العالمين.

حمد بن سالم العلوي

زر الذهاب إلى الأعلى