المتابع لمحصلة جولة الانتخابات الإسرائيلية الرابعة التى جرت مؤخراً يوم 23 مارس الفائت ولتطورات واستعدادات الانتخابات التشريعية الفلسطينية “المحتملة” التى قد يتم إجراؤها يوم 22 مايو المقبل فى مقدوره أن يؤكد أن الفلسطينيين سيخسرون كثيراً إذا انخرطوا فى إدارة انتخاباتهم على قاعدة “الصراع على السلطة” والانكفاء على صراع فلسطينى – فلسطينى، وإذا لم يخوضوا انتخاباتهم على قاعدة الصراع ضد كيان الاحتلال الإسرائيلى وتوحد الإرادة على مشروع وطنى فلسطينى موحد قاعدته الراسخة هى كسب الصراع ضد المشروع الصهيونى وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس .
دوافع ذلك كثيرة أبرزها بالطبع أن الزمن، وكما تؤكد كل المؤشرات، بات يطرح تساؤلات جادة، ومن جانب الإسرائيليين أنفسهم، لم يعد يعمل لصالح المشروع الصهيونى الآخذ فى الأفول لأسباب داخلية إسرائيلية محضة، الأسئلة تتردد باستمرار داخل الكيان حول ما تبقى من عمر كيان هذا الاحتلال، الذى يحاول التغطية على ذلك بإظهار القدر الأعلى من الاستعلاء والغطرسة ضد الشعب الفلسطينى ومحاولة التوسع والتهويد على كل الأرض الفلسطينية وإنكار أى حقوق للفلسطينيين فى وطنهم السليب، ناهيك عن التظاهر بمظهر القوة الإقليمية العظمى، رغم إدراكهم أن هذه القوة لا تساوى شيئاً دون الدعم والاحتضان الأمريكى الكامل، ودون التخاذل العربى. هذه المؤشرات كلها تفرض على الفصائل والقوائم الانتخابية الفلسطينية إدراك أن هذا هو وقت التماسك الوطنى الفلسطينى والتوحد على مشروع للصمود والتمسك بالحقوق وترسيخ الثقة فى حتمية استردادها.
من هذه الدوافع أيضاً أن الطبقة الحاكمة فى كيان الاحتلال، وبالذات فى ظل تفوق اليمين المتطرف واليمين الفاشى مع حزب الليكود للسيطرة على السلطة قد أسقطت من ذاكرتها الانتخابية الأخيرة، على نحو ما كشفت الدعايات الانتخابية، وجود صراع مع الفلسطينيين. هم على قناعة بأنهم حسموا الصراع مع الفلسطينيين لمصلحتهم حيث غاب ذكر الفلسطينيين عن البرامج الانتخابية للأحزاب التى خاضت الصراع على من سيسيطر على السلطة وانقسمت إلى معسكرين؛ الأول يقوده بنيامين نتنياهو كل ما يشغله هو تأمين بقاء شخص نتنياهو رئيساً للحكومة، والثانى كل هدفه هو التخلص من شخص نتنياهو. يحدث ذلك فى الوقت الذى يرى فيه نتنياهو ، الذى جرى تكليفه رسمياً من الرئيس الإسرائيلى بتشكيل الحكومة الجديدة، بغض النظر عن أنه سينجح فى ذلك أم سيفشل، أن السلام سيتحقق بين إسرائيل والدول العربية المعتدلة، دون أى اعتبار للقضية الفلسطينية، الأمر الذى يعنى تعمده تجهيل أى وزن وأى وجود لقضية فلسطين فى “سلام الشرق الأوسط”.
هذا كله يفرض على الفلسطينيين عدم التعويل على أى تفاهمات مستقبلية على سلام مع هذه الطبقة الإسرائيلية الحاكمة، وأن السلام بمفهومه الفلسطينى كسلام عادل يستعيد الحقوق لن يكون بتفاهمات مع هذه الطبقة الإسرائيلية الحاكمة ولكن بالدفع بمشروع وطنى فلسطينى قادر على استرداد تلك الحقوق، وخوض الصراع مع الإسرائيليين مجدداً على قاعدة الصراع بين المشروعين الفلسطينى والإسرائيلى.
هناك دافع ثالث يفرض على الفلسطينيين خوض انتخاباتهم على أساس التوحد حول مشروع وطنى فلسطينى هو أن سلطة الاحتلال مدعومة أمريكياً وبعض الأطراف الإقليمية وربما فلسطينية، باتت تعمل من أجل إلغاء الانتخابات التشريعية الفلسطينية أو على الأقل تأجيلها لأجل غير مسمى، لثلاثة أسباب أولها، وجود قناعة بأن حركة “حماس” سوف تكون الفائز فى هذه الانتخابات، وأن فوزها سيشجعها على خوض الانتخابات الرئاسية، فى الوقت الذى لم تلتزم فيه بشروط الرباعية الدولية وخاصة إعلان اعترافها رسمياً بشرعية دولة الاحتلال الإسرائيلى وإدانتها للإرهاب بمعنى التخلى نهائياً عن “خيار المقاومة” الذى يوصف عادة بـ “الإرهاب”.
ثانى هذه الأسباب هو الواقع الانقسامى المرير لحركة “فتح” الذى كشفته عملية الترشح للانتخابات التشريعية، حيث انتهت عملية الصراع على الترشيح داخل قائمة “فتح” إلى وجود ثلاثة قوائم متنافسة، الأولى لحركة “فتح” برئاسة محمود عباس، والثانية والثالثة قائمتان منشقتان منافستين لقائمة محمود عباس الأولى هى قائمة “الحرية” التى يترأسها ناصر القدوه، ابن شقيق الرئيس الراحل ياسر عرفات، وفدوى البرغوثى، زوجة الأسير “الفتحاوى” مروان البرغوثى، مدعوماً بشخص مروان البرغوثى الذى ربما يخوض الانتخابات الرئاسية تحدياً لزعامة محمود عباس والأخرى قائمة “المستقبل” التى يتزعمها محمد دحلان، ويجئ على رأسها د. أشرف دحلان وتصف نفسها بأنها “مشكلة من كوادر نضالية وشخصيات وطنية وشبابية ومستقلين”. هذا الانقسام والتشرذم الذى بات يضرب حركة “فتح” أثار المخاوف عند الإسرائيليين من أن جناح محمود عباس سوف يتوارى عن المشهد السياسى وأن المجلس التشريعى الجديد سيكون شراكة بين “حماس” والمتمردين الفتحاويين على زعامة الرئيس الفلسطينى، الأمر الذى يفرض ضرورة منع إجراء هذه الانتخابات.
ثالث الأسباب التى زادت من قناعة الإسرائيليين بالعمل على منع إجراء الانتخابات فهو دخول أطراف جديدة إلى “اللعبة السياسية” من أجيال يئست من الطبقة السياسية الفلسطينية التقليدية التى فشلت على المستوى السياسى مع سلطة الاحتلال وعلى المستوى المعيشى فى التعامل مع الشعب الفلسطينى واحتياجاته. فقد أعلنت لجنة الانتخابات المركزية يوم الثلاثاء الفائت (6/4/2021) تسجيل 36 قائمة انتخابية. هذا العدد الهائل من المرشحين بقدر ما يعكس شوقاً وطموحاً شعبياً للتغيير وكسر احتكارية القرار الوطنى بين حركتى “فتح” و”حماس” ودخول طبقة جديدة من النخب والشباب الفلسطينى إلى معترك المشاركة السياسية بعد جمود زاد عن 14 عاماً، بقدر ما يخيف الإسرائيليين ويجعلهم متوجسين من دخول هذا الجيل الجديد إلى معترك السياسة والقرار الوطنى، جيل يوصف بأنه “غير مأمون” من منظور التعامل مع سلطات الاحتلال الإسرائيلية .
لهذه الأسباب يخطط الإسرائيليون لعدم تمكين السلطة الفلسطينية من إجراء الانتخابات وورقتهم التى يلعبون بها هى القدس، بمعنى رفض إجراء الانتخابات فى القدس، والمراهنة على موقف فلسطينى يضع إجراء الانتخابات فى القدس ومشاركة المقدسيين شرطاً أساسياً لإجراء الانتخابات، ويرفع شعار “لا انتخابات بدون القدس”. تشدد قيادات “فتح” والسلطة بالربط بين إجراء الانتخابات التشريعية وبين شرط إجراؤها فى القدس، رغم كونه تشدداً ضرورياً وفى محله، لكنه يطرح تساؤلات غامضة حول ما إذا كان هذا التشدد فى الربط بين الانتخابات والقدس راجع إلى رغبة لدى السلطة بالتراجع عن إجراء الانتخابات بعد نكبة “الانقسامات الفتحاوية” التى ستكون حتماً لصالح حركة “حماس” أم أن الأمر كله من بدايته ونهايته موقفاً إسرائيلياً وأن السلطة وشخص الرئيس الفلسطينى بريئون من أى اتهام من هذا النوع بدليل المواجهة التى حدثت بين الرئيس محمود عباس ونداف إرجمان رئيس الأمن الداخلى الإسرائيلى (الشاباك) ورفض عباس لتحذيرات إرجمان بالتراجع عن الانتخابات ولعدم السماح لـ “حماس” بالمشاركة فيها .
لغز القدس سيبقى العامل المرجح لإجراء أو عدم إجراء انتخابات يعول عليها الفلسطينيون لتكون انعطافة جديدة لإعادة تأسيس مستقبل فلسطينى ومشروع وطنى فلسطينى قادر على استرداد الحقوق المغتصبة .
د. محمد السعيد إدريس
جريدة الأهرام : 13 / 4 / 2021 م

