إن فهم شخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كنبيٍّ مرسل يمتلك مهارات مميزة وعالية من الوعي والحكمة، وما إلى هنالك من صفاتٍ حميدة، نتبينها جميعها من خلال السيرة النبوية وأهم كتابٍ لفهم هذه السيرة وما فيها هو القرآن الكريم، ومن خلاله نعلم هوية الحبيب المصطفى التي نقدّرها ونحبها ونجلّها، وندركها تماماً.
قال تبارك وتعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزّل على محمد وهو الحق من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم).
إن سيرة أفضل وأشرف الخلق، تجعلنا نعرف لماذا نبينا الأكرم مثلنا الأعلى، والشخصية الأسمى، للأخلاق والتعامل مع الآخرين، أعداء أم أصدقاء، ولكل باحثٍ عن النموذج الأسمى للحياة الإنسانية، تتلخص في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن خلال هذه السيرة علينا أن نسقط كل ما فيها على أنفسنا ونتبين هل نحن نسير على هذا المنهج؟ أم نحن لم نصل إلى تطبيق سلوك نبينا الأكرم كما أراد لنا؟ إذاً علينا مراجعة سلوكنا وتصرفاتنا من خلال سيرة رسول الله، فإن كنا نسير على هذا الطريق علينا أن نشكر الله تبارك وتعالى، وأما إن كنا مبتعدين عن خُلق وهدي نبينا علينا أن نراجع تصرفاتنا وأفعالنا لأننا بذلك نكون بعيدين عن الميزان الإنساني السليم.
إن سيرة سيدنا محمد هي كالمصباح الذي ينير لنا فهم الكثير من الأمور الغامضة في حياتنا وفي عبادتنا حتى في كتاب الله عز وجل، لأنه يجب علينا أن نفهم القرآن الذي أنزله الله تبارك وتعالى، فأي غموض يعترينا في العبادات والمعاملات وكل شيء، تجد حله ومفتاحه في فهم سيرة النبي الأكرم، التي تضم كم كبير من الثقافة الإسلامية العامة من خلال التعرف على الإسلام ككل، من معتقدات وشرائع وأخلاقيات وإنسانيات، وما إلى هنالك، نكتسبها عن طريق فهمنا لمسلك وحياة سيدنا محمد، ولأننا من أتباع الديانة المحمدية، السيرة النبوية في مضمونها تنطوي على أمور عقيدتنا وأحكام تشريعنا الإسلامي، ومبادئ الأخلاق والقوانين في حياتنا الحالية، لذلك إن فهم هذه الأمور هو فهم عميق لما أريد لنا أن نكون، وأن نُعامِل وأن نتَعَامل.
وبالتالي فهم حياة الرسول الكريم ومنهجه، تفتح بصيرتنا وأفقنا على أكبر قدر من الممكن لنا تحصيله من منهج الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، نحن اليوم كمسلمين يجب أن نبذل جهدنا ما استطعنا في أن نحقق هذه الدعوة وأن نكون دعاة من خلال أعمالنا الحياتية اليومية وتحويلها إلى سلوك يرضي الله ورسوله، ويرضينا عن أنفسنا، لأننا بذلك نكون فعلاً على الدرب الصحيح، قال تبارك وتعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)، ولأن نكون كذلك لوحدنا لا نستطيع ذلك إلا بعد أن نكوّن فكرة موسعة عن منهج الدعوة إلى الله عز وجل وذلك من خلال الفهم العميق لسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه كان سيد الدعاة إلى الله تعالى.
وكما ذكرت آنفاً، أن المصدر الأساس في فهم كل ما سبق، في كتاب الله تبارك وتعالى، الذي يضم مشاهد هذه السيرة، تجدها في سورة “آل عمران”، وسورة “الأنفال”، وسورة “التوبة”، وسورة “الفتح”، والكثير غيرهم، القرآن الكريم وضع لنا مشاهد من سيرة وحياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حتى وإن كانت غير مفصلة في بعض جوانبها، حيث توضحها المصادر التي تلي القرآن الكريم وهي كتب “السنة النبوية” كما في الكتب الستة، للأئمة البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو داوود، ومسلم، إضافة إلى الأسانيد مثل مسند الإمام أحمد بن حنبل التي تحوي الكثير من بيان حياة نبينا الكريم.
هذه المصادر وحتى من تخصص من بعد ذلك في السيرة النبوية كتبها بموضوعية مجردة دون إقحام أهوائه وأحاسيسه وميوله وآرائه فيها، بل يكون أميناً على نقله فيها، وهذا بالطبع لا يتحقق إلا كما كنت أشير دوماً، بالاعتماد على السند الصحيح كاملاً، وكما رويت أحاديث رسول الله، ذات المسلك والمنهج مع سيرته العطرة، على عكس الغرب الذي ربط الدين بالعلم، وغيّر كل المفاهيم التي لا ترتبط بالعلم الذي يرى مصلحته فيه، وبمعنى أدق فضّل الغرب العلم على الدين، ومن ذلك رأينا نشوء الاستشراق والإلحاد والعلمانية ومصطلحات لمدارس كثيرة في هذا الاتجاه، والتي هي بطبيعة الحال كانت تحارب الإسلام في توجهاتها وآرائها، ومدارسها، وبالتالي تجمهر حولها ممن هم مسلمون شكلاً، لا مضموناً، المبتعدون عن سيرة النبي الكريم وتعاليمه ومنهجه ومسلكه، لذلك لا غرابة اليوم عندما نجد البعض متأثراً بالغرب، فلو كان يعلم سيرة نبيه الأكرم وكتابه الكريم، لعلم أن لا حضارة تعلو على الحضارة الإسلامية، قال تبارك وتعالى: (والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، وقوله تعالى: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون).
هذا يدلل على أن هناك مخططاً رُسم لتغيير منهج ومسلك السيرة النبوية كما أشرت، والبعض حوّل السيرة من الطريقة الموضوعية إلى الطريقة الذاتية وهذا مكمن الخطأ، وهو أسلوب اعتمده الغرب، وطبقه بعض المستشرقين والملحدين ومن يقولون عن أنفسهم إنهم مفكرين، مبتعدين عن النبّوة، والخوارق والإعجاز والغيبيات والكرامات، التي أكرمها الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واستعيض عنها بوصف (العبقرية والعظمة والقيادة) وما شابه ذلك، لإخفاء هوية سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما ذكرت في مقال الأمس، النبي محمد كل الصفات الحميدة مجموعة بشخصه، لكنه قُدّم للعالم على أنه رسول الله تبارك وتعالى، والقرآن الكريم كتابٌ عظيم فيه من الدقة الوثقى التي عرّت هؤلاء الذين يعملون على تشويه ديننا وتشويه نبينا ورسالته العظيمة.
إذاً، إن كتابة السيرة النبوية الحقّة، هي التي كتبت بموضوعية ومنهج علمي دقيق، ولكل المشككين، إن الخوارق والغيبيات وكل ما جاء فيها لا يتعارض مع العلم إطلاقاً، بل هو المنهج العلمي الدقيق، والذي اعترف فيه الكثير من الباحثين الغربيين، يقول غوستاف لوبون عالم النفس الفرنسي: (كان للحضارة الإسلامية تأثيرٌ عظيم في العالم، وإنَّ هذا التأثير خاصٌّ بالعرب وحدهم فلا تشاركهم فيه الشعوب الكثيرة التي اعتنقت دينهم، وإنَّ العربَ هَذَّبوا البرابرةَ الذين قَضَوا على دولة الرومان بتأثيرهم الخُلقي، وإنَّ العربَ هم الذين فتحوا لأوروبا ما كانت تجهله من عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية بتأثيرهم الثقافي، فكانوا مُمدِّنين لنا وأئمة لنا ستة قرون).
أخيراً، إن السيرة النبوية، رحلة دينية وعلمية واجتماعية وعسكرية واقتصادية، مسيرة حياة كاملة تركت لنا طريقة عيشٍ كريم، سنعمل على تفصيلها قدر الإمكان بأسلوبٍ بسيط لكنه موضوعي ودقيق، ولفهمها لا بد من الانتباه للترتيب الزمني والمكان واللغة والعناصر كلها لتبسيط هذه السيرة للجميع، ولذلك شاء الله تبارك وتعالى أن يكون رسوله الكريم من منطقة عربية، وأن تكون اللغة العربية هي اللغة الجامعة لنشر هذه الرسالة الربانية وترجمان لها في كل أنحاء العالم، ومن يقارن بين اللغة العربية واللغات الأخرى نجد أن لغتنا العربية أقدر اللغات كلها على استيعاب المشاعر والمعاني وهذا كان أهم أسباب اختيار الله عز وجل لمنطقة الجزيرة العربية دون غيرها، والتي سنفرد لها موضوعاً مفصلاً يوم الغد إن شاء الله تعالى.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان

