في القرآن الكريم، الكتاب الربّاني العظيم، ما يؤسّس لنظرية الوحدة والتكامل الإنساني، إنطلاقاً من المشروع الإلهي لبناء إنسانٍ ومجتمعٍ صالحَين، يرشدهما ويحكمها العدل والحق الإلهيان، في كتاب الله نجد مبادئ الوحدة والأسس الحكيمة لهذا البناء.
وما دفعني للخوض في هذا الموضوع، الإنقسام الكبير والمتعمد إن جاز التعبير في العالم الإسلامي، على المستوى الإنساني بشكل خاص خاصة القضية الفلسطينية، فإذا لم توحدنا هذه القضية، على الدينا السلام، وإذا لم نعيد وحدتنا ونلغي الحدود الوهمية التي فرقتنا أيضاً على الدنيا السلام، وما شهدناه لوحدة الجماهير في الأقطار العربية دفعني للحديث عن الوحدة الإسلامية والعربية، هذه الشعوب دفعتها الأخوة والدماء المشتركة لا قرارات مجلس الأمن أو الجامعة العربية، أو مجلس التعاون الخليجي، أو غيرهم، الآن فرصتنا لأن نقول كلمتنا ونوحدها في وجه الطغيان المتمثل بالكيان الصهيوني، في ذكرى النكبة تملك الأمة فرصة ذهبية لأن نستعيد وحدتنا ونلغي هذه الحدود الوهمية لسايكس بيكو والأعراب والمذاهب والأحزاب التي قسمتنا، إنه أوان قطع يد المتاجرين بالدين لمصالحهم الضيقة والدونية، عملاً بتعاليم ديننا الإسلامي، بعد 72 عاماَ من النكبة، ونعود للثقافة القرآنية التي لا أحد يلم شتات الأمة غيرها، لأن ذلك هدف الله تبارك وتعالى، وبذلك نفوت الفرصة على المتاجرين بالدين وغلاة العلمانيين والليبراليين، لا تدعون أي أمر يؤثر على الركيزة الأساسية التي هي القرآن الكريم.
في كتاب الله العزيز نجد أيضاً فيه إلى جانب الوحدة الإنسانية، أسس ومبادئ الوحدة الإسلامية التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، وحدة تكون على مستوى الأمة، أمة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدونِ)، الذي علمنا أسس الوحدة الإسلامية وواجبات وحدة أمة القرآن الكريم، قال تعالى: (كنت خير أمةٍ أخرجت للناس).
إن القرآن الكريم هو أساس الوحدة الإسلامية لاعتباراتٍ عديدة، القرآن الكريم هو النص الإلهي الأوحد الذي تعرفه البشرية، ويُقرأ كما قرأه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكما تلقّاه من فم الوحي الأمين، إن كتاب الله تبارك وتعالى، هو من قدّم لنا منهج الحياة على كافة الأصعدة، سياسياً، واقتصادياً واجتماعياً، لأنه لا يمكن أن تنشأ وحدة دون أن يكون لها منهجاً، ودستورنا ومنهجنا كأمة إسلامية هو القرآن الكريم، الذي يهدي للتي هي أقوم، خاصة وأن الوحدة اليوم كما أشرت مطلوبة جداً في ضوء خلافات المذاهب وتبايناتها، وبالعودة إلى القرآن الكريم يرشدنا إلى الطريق القويم من خلال الإرشادات الصحيحة التي تنبذ الفرقة وتضع المسلمون جميعاً على الطريق السليم، لبناء حضارة إنسانية كما أرادها الله تبارك وتعالى.
وعلى مدار التاريخ كله، هناك حقيقة لا شك فيها، وهي أن المسلمين يوم اعتصموا بهذا الكتاب، سادت الدنيا بالحق والعدل، ومن تخلفوا عن القرآن الكريم، تخلّفت عنهم الحضارة، واستعبدتهم شعوب الأرض، قال تبارك وتعالى: (من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون)، ونحن كأمة مسلمة لدينا توجيه قرآني ثابت وهو كما جاء في قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)، ولنزول هذه الآية سبب، يعود بنا إلى المجتمع المدني الذي كان يضم المهاجرين والأنصار، المهاجرون الذين قدموا من مكة وتركوا ديارهم وأموالهم بغير حقٍ إلا أن يقولوا ربنا الله، وحلّوا على الأنصار الذين آووهم ونصروهم، وآثروا المهاجرين على أنفسهم، كما جاء في قوله تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة)، لقد التقى شمل المسلمين وظهرت الوحدة الإسلامية فيما بينهم، وكان جراء ذلك حقد كبير عليهم من جانب اليهود، فبدأوا بإثارة العصبيات القديمة في العهد الجاهلي وذلك لتخريب هذه الوحدة، مثل تذكير قبيلتي الأوس والخزرج ما كان بينهما من عداوات، وكادت النزاعات أن تقع، إلى أن تدخل نبي الله، وقال حينها: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم)، فنزلت الآية الكريمة حينها لتحدد معالم الوحدة الإسلامية، ففي مفردة اعتصموا هناك أمراً إلهي بالاعتصام بحبل الله لا بحبل الناس لأن حبل الناس مقطوع، أما حبل الله فهو ممتد ودائم، ففي الآية الكريمة معانٍ وحدوية كما أشرت الاعتصام بما هو حق وليس باطلاً، وعليه تكون الوحدة نعمة ربانية تحتاج إلى أخوّة إيمان.
في مقابل ذلك، نجد أن الله تبارك وتعالى نهانا عن التفرق الذي يؤدي إلى العداء، وبالتالي الفرقة والعداء تقوض وتهدم البناء الحضاري الإنساني، فنحن لكي نبني حضارة ونؤسس أمة في مجتمع صالح لا بد لنا من العودة إلى القرآن الكريم وتعزيز الثقافة القرآنية فيما بيننا، وما حال أمتنا اليوم من انهيار وفرقة عداء إلا دليل كبير عن ابتعاد الكثير من المسلمين عن القرآن الكريم وتعاليم الإسلام وعدم السير على هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما أدى إلى انهيار حضاري وأخلاقي واجتماعي.
لقد أكد القرآن الكريم على أن أمة الإسلام واحدة وربط بين وحدانية الله تبارك وتعالى، وبين وحدانية هذه الأمة، كما في قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدونِ)، فالحقيقة الإسلامية الكبرى أن أمة الإسلام تقوم على التوحيد في العقيدة، والوحدة في المجتمع، هكذا كانت البداية، وهكذا ينبغي أن نكون ولا بد أن نستمر على هذا النهج، يقول تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءَ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)، فالبداية أن نلتقي على رحمٍ واحدة، بداية طاهرة لا منحرفة، لأن آدم عليه السلام من المنظور الإسلامي نبي ورسول نزل إلى الأرض طاهراً مجتبى، بلا ذنبٍ ولا خطيئة ومعصوم كما أشرنا في مقالنا السابق حول آدم عليه السلام، وعليه إن التوحيد في العقيدة وتقوى الله تبارك وتعالى مع المصدر والأصل الأول الذي أتينا منه جميعاً والذي يجب أن نتراحم به، يجب أن نحقق من هذا المنطلق وعملاً بالآية الكريمة آنفة الذكر، الوحدة الإسلامية، فلا يمكن أن تكون هناك وحدة، والعقيدة الصحيحة مغيّبة، ولن تكون هناك وحدة مع التمزق والتشرذم، وبالتالي نحن بحاجة كبيرة لتأكيد هذه الحقيقة، ورسالات الله جميعها تلتقي على أصولٍ ثابتة، من التوحيد وأصول العبادات ومكارم الأخلاق.
ويوم انحرف الناس، ضلّوا في العقيدة وانحرفوا في العبادة وانحرفوا في الأخلاق، ويكفي الانحراف بواحدة منهم حتى يتم هدم كل هذه الأصول الثابتة، وبالتالي إن جوهر الرسالات في صفوها الأول وقبل أن يحرفها البشر، كانت قائمة على أن الله وحده لا شريك له والعبادة له وحده، لذلك كل نبي كان يقول: (اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره)، وبما يتعلق بأصول العبادات، لقد خلقنا الله ولا بد من عبادته، ومن خلالها نقتفي أثر الأنبياء المرسلين، فكل الرسالات أكدت على الصلاة والزكاة والصيام، كما في قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)، كذلك مكارم الأخلاق، فلم يكن هناك رسالة تدعو إلى الفاحشة أو العداوة والبغضاء، كل الرسالات قالت: (وقولوا للناس حُسنا)، وبالتالي هذه الدعائم يجب أن تستمر، نحن الآن كأمة مسلمة أتباع خاتم الأنبياء، ولا يكون هذه الاتباع صحيحاً إن لم نحقق الغاية الكبرى بتطبيق كل الأصول الثابتة.
من هنا، إن الوحدة هي أمر وجوب، ولا يمكن للأمة الإسلامية أن يكون لها وجود إلا من خلال الوحدة الإسلامية والتوحد والاعتصام بحبل الله تبارك وتعالى، ولهذا أمرنا أن نأخذ العبرة من التاريخ، وشأن الإنسان المسلم العاقل أن يكون على وعي بسنن الله في التاريخ، قال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)، لقد نزلت على الأمم السابقة رسل الله تبارك وتعالى، ودعتها للتوحيد والوحدة، ولجمعهم على كلمة الحق، منهم من آمن ومنهم من كفر، فالذين آمنوا نزلت عليهم بركات الأرض والسماء، ولا يمكن لأمة أن تنعم بالسلام إن لم تلتف حول كلمة الحق، وعلى أمتنا اليوم أن تأخذ عبرة الأمم التي سبقت وتؤمن أن مصير الحياة يتحدد من خلال علاقة المسلمين بالقرآن الكريم والسنوية النبوية الطاهرة، ومن خلال والولاء لمنهج الله تبارك وتعالى.
إن كنا مؤمنين حقاً كما في الآية المذكورة آنفاً، يجب أن نبتعد عن الخلافات والتحزب والتمزق والطائفية، ونلتقي على كلمة واحدة، أن ننصر إخوتنا في فلسطين وفي سوريا والعراق ولبنان وفي أي مكانٍ في العالم، وأن نحمي مقدساتنا في كل مكان من دنس المعتدين، القرآن الكريم نادانا وجعلنا ننادي الآخرين، قال تعالى: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)، لنعش إخوة في الدين والأخلاق، كما أمرنا الله تبارك وتعالى.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان

