
مسقط في 30 مايو/العمانية / لا يزال العالم يعيش في حرب حقيقية مع جائحة كورونا ـ
كوفيد19، والذي خيّم على البشرية بظلال وجوده من أقصى الأرض إلى أقصاها،
والحرب ذاتها لم تكن مقتصرة على المسار الطبي والتقدم التكنولوجي، ولكنه امتد ليكون
في مواجهة مع الفن والأدب أيضًا، وذلك من خلال ما يقدمه الفنانون والكتّاب والأدباء من
أعمال تجسد تلك المواجهة التي تعمل على تخفيف وطأة الحياة ونتائجها غير المحمودة
بين حين وآخر..
في الشأن الأدبي والفني العماني هناك أمثلة على هذه المواجهة، فالفن التشكيلي على سبيل
المثال كان فاعلا رئيسا في جبهة المواجهة، وهذا ما أقرته أعمال الفنانين العمانيين، وهنا
نقترب من أعمال الفنانة التشكيلية نائلة المعمرية، التي ظهرت لتكون أكثر حضورًا في
ظل هذه الجائحة، من خلال معرض فني حمل “صامدون رغم الخطر”، هنا تقرّب
المعمرية المتتبع من تلك اللوحات وكيفية تشكلها وفكرة التأسيس الأولى لهذه اللوحات،
عندما أشارت إلى أن انتشار فيروس كورونا ١٩ (كوفيد-19) شكل وباءً عالميًا، فهو لم
يميّز بين منطقة وأخرى في العالم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، والكثير من
الفنانين التشكيليين عبروا عن الجائحة بمختلف الخامات والمجالات الفنية، سواء كان ذلك
بالرسم أو باللوحات التصويرية والتكوينات الفنية المختلفة مرورًا بالأعمال التركيبية،
والكثير رسم على أسطح الكمامات الطبية بمواضيع متنوعة منها مناظر طبيعية ومنها
تجريدية.
وحول أعمالها في شأن هذه الجائحة تقول المعمرية: هي أعمال تركيبية تضمنت
لوحات منها تحت مسمى حماية (١) وحماية (٢)، وكما هو معروف بأن فيروس ـ
كورونا، ينتشر بشكل أساسي بين الناس من خلال الجهاز التنفسي، فلبس الكمامات يساعد
في حماية الأشخاص عن التقاط الفيروس. وتشير المعمرية إلى الرسالات التي خرجت بها
تلك اللوحات الفنية لتكون أكثر وضوحا مع المتابع لها فتوضح إن استخدامها لمجسم الكرة
الأرضية في العمل التركيبي لهو تعبير عن انتشاره في كل أنحاء العالم، حيث تغطت
الكرة الأرضية بالكمامات، وهنا مخاطبة للناس في كل بقاع المعمورة لاتخاذ أقصى
درجات الحماية لأنفسهم من خلال لبسهما لتلك الكمامات كما يمثل شريحة الأطباء وعلماء
الطب الذين يعملون جاهدين منذ أكثر من عام على تطويق المرض للحد من انتشاره،
وهناك تمثيل صريح لليد التي تحاول سحب الكرة الارضية حيث جهود الحكومات
والمنظمات هي الأخرى والتي تحاول انقاذ العالم أجمع من هذا الوباء.
قد يكون الفن التشكيلي على وجه الخصوص ذا وقع للتعافي في ظل وجود أزمة
حقيقية، كالجوائح، “كورونا” على سبيل المثال، وهنا يتمثل الأمر في استثماره لإيجاد
فسحة للحياة كون أن طرقها ذهبت إلى الانغلاق، وفي هذا الشأن تشير نائلة المعمرية أن
هذا الأمر يقود إلى واقع حقيقي مرت به وتوضح في هذا الشأن: ثمة واقع حقيقي عشته
وما أزال أعيشه في ظل الجائحة، نتيجة الحظر والمكوث في المنزل بنسبة 97 %، إن
الفن لعب دورًا ايجابيًا مهما بالنسبة لي شخصياً في أزمة فيروس كورونا المستجد، حيث
قمت باستغلال الوقت في إنتاج العديد من اللوحات بما يقارب من 53 لوحة فنية بخامات
مختلفة وعملين تركيبيين و 16 عملا في مجال الأشغال الفنية و25 لوحة بالألوان المائية
والعشرات من التخطيطات والرسم بالرصاص ودرجاته، خلال شهر يناير 2020 إلى
يومنا هذا من عام 2021.
والفن حسب رأي المعمرية ومنذ قديم الأزل يقوم بدور إيجابي سواءً كان ذلك أمرا
توعويا في العديد من الأزمات والقضايا الكثيرة الإنسانية أو أعمالا تشكيلية تضفي البهجة
والسعادة والتفاؤل، فالفن لا يتحدث عن الماضي فقط، وإنما يحاول استشراف المستقبل.
وتؤكد في ذات السياق: رسمت العديد من المواضيع التي لعبت دورًا مباشرًا في إضفاء
البهجة في النفس وذلك من خلال رسم الطيور بألوانها الزاهية وأشكالها المتنوعة بتقنية
المدرسة التجريدية وأيضًا رسم لوحة واحدة من الزهور بألوانها البراقة بأسلوب المدرسة
الرمزية التعبيرية، وإلى الآن أرسم مراحل الأعمال وأنشرها في حساباتي الإلكترونية،
حتى يستفيد منها طالب الفنون ويتعلم منها ولو الشيء البسيط، ومن خلالها وصلتني
انطباعات الكثير من المتابعين بالسعادة أثناء رؤيتهم لتلك الألوان والمواضيع التي جعلتهم
متفائلين ومسرورين وبهذا تحقق هدفي المعنوي وهو الأخذ بأيدي بعضنا البعض وننتشل
أنفسنا من أي تفكير سلبي بالجائحة التي جعلت البعض مكتئبا وخائفا من أي شيء.
المتتبع للوحات الفنانة المعمرية يشاهد تلك الألوان المتقاطعة في تلك اللوحات، وعلى
الرغم من التراجع الذي شهده العالم في كل مناحي الحياة وهنا نقصد المزيد من التشظي
في الأشياء والذبول الذي لحقها، إلا أن سلوك الفرحة لا يزال حاضرا فيها تلك اللوحات،
حيث امتداد بهجة الطبيعة، وهنا تطلعنا المعمرية على مساراتها عندما تقول: لقد رسمتُ
(11) لوحة فنية بأسلوب تعبيري رمزي وبخامات مختلفة تحت عنوان بهجة الطبيعة، فقد
عبرت من خلالها بمناظر من الزهور والورود التي طالما شدتني بألوانها وأشكالها
المتنوعة وتأملها دائمًا من خلال الواقع والمباشر أو من خلال الصور المرئية والضوئية.
كما أن مرسمي الشخصي في منزلي مقابل حديقة المنزل التي تنتشر فيها الزهور في كل
زواياها، وقد أتاح لي الحائط الزجاجي بمرسمي التواصل مع إطلالة الحديقة، وهذا ما
عمل على اندماجي الروحي والفكري والحسي أثناء الرسم، فلعبت الألوان المتنوعة
بالشعور بالراحة والسرور، ولهذا تنوعت الضربات والألوان التي تمحورت كثيراً حول
ألوان الفوشي والتركوازي والأصفر والأخضر الفسفوري، مما ساعدت من إشراقة
اللوحات بخلفيات بيضاء في مجملها، كنت أحاول أن أبعث لنفسي قبل الآخرين بأن كل
محنة لها جانب إيجابي مشرق، فكورونا وباء غير معروف بعد ومن الطبيعي أن أكون
في قلق منه ولكن هذه اللوحات جعلتني امتص الطاقة الإيجابية، وأطرد الطاقة السلبية من
داخل نفسي وفكري، لهذا لعبت كل هذه العوامل من نجاح اللوحات وتميزها بموضوعها
عن لوحاتي السابقة، وبهذا فإن ظروف الحياة تأثر فيني بإيجابية وما زالت تدفعني
بالتفكير في إنتاج مواضيع ذات طابع مريح نفسيًا، ومجددًا لطاقة العطاء بداخلي والتأمل
في مخلوقات الله الجميلة فيما حولنا.
حول الاستفادة التي خرج بها الفنان التشكيلي العماني من هذه الجائحة عموما، رغم
التفاصيل المحيطة به تطلعنا الفنانة المعمرية على قولها: استفاد الفنان استفادة عظيمة من
الوقت واستغله استغلالاً ايجابياً في انتاج الكثير والعديد من اللوحات والأعمال الفنية
التشكيلية، فهذا في حد ذاته نعمة من رب العالمين للهدوء والتركيز في إنتاج وتصور
المخزون الإدراكي وتفريغه في أعمال تشكيلية.
بواقعية أكثر يدرك العالم المحيط أن الفن أمر قائم على تجسيد الحضور والمشاهدة لا
الإغلاق، وهذا ما لحقه بكل أسف في ظل أزمة كورونا، فقد أغلقت صالات الفنون،
والمراسم التشكيلية، إلا أن هناك طريقا آخر ظهر وتم استغلاله بشكل إيجابي من قبل
الجميع، وأوصل الملتقي إلى المعارض الفنية على سبيل المثال بكل سهولة وأمان، ألا
وهو استغلال التقنية بكل تفاصيلها، وهنا يظهر رأي المعمرية في هذا الإطار واستغلال
طريق التكنولوجيا والمكاسب المعنوية المستفادة من اتباع هذا الطريق أيضا وتوضح
بحديثها: رغم إغلاق صالات العرض الفنية لم يقف الفنانون مكتوفتي الأيادي، وإنما قاموا
بالعمل من خلال منافذ التقنية المتوفرة، واستغلال العديد من البرامج الالكترونية، لإيصال
الفن لأكبر شريحة في العالم، سواءً بإعداد معارض جماعية وفردية مسابقات فنية
وإعلانها وعرض النتائج الكترونياً أو عمل حلقات فنية لبعض التقنيات أو المحاضرات
التشكيلية لبعض التخصصات والعديد من حلقات العمل الكترونياً، وتعزز الفنانة المعمرية
حديثها أعلاه بتجربة خاصة وهنا تؤكد: لقد أقمت أول معرض شخصي افتراضي كفنانة
تشكيلية بالسلطنة والذي كان يحمل اسم (الملكوت)، وهو معرضي الشخصي الرابع لـ 30
لوحة تشكيلية، وهذا المعرض كان بتقنية المدرسة التجريدية، فقد تأملت عددًا من
العصافير بأشكال وألوان كثيرة مع الاهتمام المباشر بأخذ زوايا ومقاطع من صورة
العصفور ذاته، حيث ركزت في أخذ الدرجات اللونية وإبرازها في تكوينات خاصة بي
وإظهار بعض التفاصيل كنقطة سيادة في اللوحة، وكان الهدف من ذلك التأمل للجمال
الرباني الذي أوجده في خلقة حولنا، فالجمال والتناسق اللوني من رب العالمين وليس من
صنع الإنسان وأيضاً حتى أوصل رسالة بأن المدرسة التجريدية ما هي الا تجريد منظر
معين من تفاصيله، ودقائق الأمر وإظهاره بضربات لونية وعناصر خطية وكتل مرسومة
بأسس فنية من ترابط أوجه واتزان، وقد نظمته الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ودشن
في شهر أغسطس 2020، من خلال رابط إلكتروني ينقل المتابع إلى قاعة عرض
افتراضية لمشاهدة الأعمال وهي معلقة على جدران القاعة بكل تفاصيل اللوحات، حتى
أدفع المتلقي من العيش داخل القاعة الافتراضية ويحس بما يراه، وأشير أن المعارض
الإلكترونية لا تغني من المعارض المباشرة ولكنها ذات فائدة كبيرة ايضاً في بعض
النواحي فهي تصل لأكبر عدد من المشاهدين في أنحاء كثيرة على هذه المعمورة، ولن
ينتهي بانتهاء توقيت معين، حيث تم إنزاله في المحركات الإلكترونية التي تربط العالم من
خلال الحاسوب الآلي وليس له مدة ولا فترة زمنية معينة.
في مسار الحديث الفني مع الفنانة المعمرية يتدفق ذلك التوافق بينها وبين كل لوحة
تخرج للمتلقي بعد فترة من العمل والاشتغال عليها، وفي هذا السياق تقول: يجب على أي
فنان أثناء إنتاجه لعمل تشكيلي أن يتملكه ويغوص في أعماقه، فتتولد عملية لحوار لغوي
بينه وبين عمله، ولهذا تجدنا أحياناً نقول بأنها تعاندني، أنا أرسم كذا وهي تخرج بنتيجة
أخرى غير مقبولة، فنركنها فترة ونرجع لها بعد فترة من الزمن، لله الحمد والشكر،
وبشكل عام فمن الاستحالة أن أقوم بعرض عمل من أعمالي وأنا غير متوافقة فكريا
وتعبيريا ونفسيا، ولكن أحياناً أرجع لبعض الأعمال لتعديل بعض النقاط وبعض
التفاصيل.
” لرسائلنا اللونية الصامتة، حكايات لو أردنا البوح بحقيقتها” هذا ما تسرده اللوحات
الفنية لدى الفنانة المعمرية، فهي نتاج تراكم لأسس التجربة الفنية لديها وهنا توضح ماهية
تلك الرسائل، ووجودها في واقع المساحة التشكيلية في السلطنة لكنها تؤكد أمرا ما بقولها:
يجب أن نتوقف عن شرح الأعمال للمتذوقين فنيًا والجمهور والمتلقي، لأنه من الأفضل
على كل متلقٍ أن يفسرها بطريقته وبأحاسيسه، فالعمل التشكيلي يلامس كل وجدان ويعبر
عن أي إحساس حسب مشاعر وثقافة ورؤية المتذوق والمتلقي، فأنا عموما أعبر عن فكرة
المعرض الذي قد يضم لوحاتي الفنية، دون توضيح جميع المفاهيم التي تتضمنها اللوحة ،
واترك حرية التأويل النهائي للجمهور، فعندما أقوم بشرح كل مفردة وعنصر ودلالة
للألوان في اللوحة فإنني أتوقع مشاعر وتفكير المتذوق وأقيد ذائقته الفنية، وبهذا فإن متعة
المتذوق بقراءة العمل ستكون ضعيفة أو معدومة لأن الفنان صاحب الأعمال قد وجه
ذائقته إلى اتجاه آخر، وأوضح أنني ما زلت أبحث في ذات الفنون التشكيلية وحقيقتها،
واطلاعي الدائم وبحثي الدؤوب في تقنيات الفنون وتجريبي للخامات الجديدة، ومزجي
للعديد من مجالات الفنون والتقنيات التشكيلية يجعلني باحثة فنية دائمة، ولم أصل
للعالمية، مثلي مثل زملائي بالسلطنة، معظمنا لدينا العديد من التجارب الفنية وبعضنا
تميز بتجربته الفريدة ولكن للأسف لم نصل للعالمية.
في نهاية هذه الرحلة الفنية والنبش في الكثير من الأعمال والتفاصيل، تبوح الفنانة
المعمرية بما ينقص تلك التجربة الفنية لديها وهنا تشير إلى أنها تنقصها أشياء كثيرة،
فليس هناك من هو كامل في مجاله وهنا توضح: تنقصني الأدوات والخامات فهي ليست
متوفرة جميعها في السلطنة، ومسألة توفيرها محصورة في جهات معينة وبقيم عالية جداً،
فنضطر كفنانين لشرائها من الخارج بأي طريقة بالسفر أو توصية أحد يشتري لنا أو
الشراء من المواقع الإلكترونية، ومن الناحية الفنية تنقصني المشاركات في فعاليات
عالمية لها مكانتها في الأجندة التشكيلية العالمية، ومن ناحية إدارية تنقصنا القوانين التي
تحمي الفنان من استغلال أعماله وصورها ويحفظ لنا الملكية الفكرية، وغيرها الكثير،
فأتمنى أن تتوفر هذه الأمور بيسر وسهولة حتى ننطلق فنيًا في كل دول العالم.
/العمانية /
