
القاهرة، في 31 مايو/ العمانية/ أثبتت التجارب التاريخية أن الدبلوماسية المائية أداة فعالة
وإيجابية في إقامة التفاعلات والعلاقات التعاونية، إلى جانب التخفيف من حدة الصراع
المتأجج بشأن المشكلات المتعلقة بالمياه، وإرساء ما يُعرف بـ”السلام الأزرق”، أي إنهاء
التوترات المتعلقة بقضايا المياه.
ونظراً لأن المياه تعدّ أساس الحياة والعنصر الأساسي في التنمية، كما أنها تعدّ محدداً
رئيساً في شكل التفاعلات البينية سواء كانت تعاونية أو صراعية، فإن النقاش في الشأن
المائي يعني البحث في مستقبل العالم، إذ إن كمية المياه على سطح الأرض ثابتة، لكن
الطلب عليها يتزايد، مما يعني أن حصة الفرد منها آخذة بالتناقص ونوعيتها آخذة
بالتردي، وقد ينشأ في بعض مناطق العالم تنافس على هذه الكمية الثابتة الذي قد يتطور
إلى صراعات.
وفي كتابها “دبلوماسية المياه.. من الصراع إلى التعاون” الصادر عن دار العربي للنشر
والتوزيع، تستعرض الباحثة مريم عبد السلام الشامي أهمية الدور الذي يلعبه هذا النوع
من الدبلوماسية في تجنيب الدول والشعوب ويلات الحروب، لافتة إلى أن دبلوماسية المياه
تقوم على أساس التفاوض بين الأمم لابتكار حلول علمية وفق استراتيجية مائية تشمل
الأفراد والمجتمعات لدرء خطر اندلاع نزاعات جيوسياسية بسبب شح المياه.
وتؤكد المؤلفة أن الدبلوماسية المائية قد تجمع بين التعاون والصراع، باعتبار أن المياه
مورد يعبُر الحدود السياسية، لذا يمكن من خلال الإدارة المتكاملة للموارد المائية،
والحوكمة المائية، والاستخدام الأمثل للموارد المائية، التأسيس للتعاون المائي، إعمالاً
لآلية الدبلوماسية المائية.
وتشير المؤلفة إلى أن هذه الدبلوماسية تعمل على تغليب المصلحة الجماعية على التنافس
والصراع والمصالح الفردية مع تحييد الخلافات السياسية والاجتماعية، ووجود آلية
للتفاوض يمكن من خلالها البناء على ما تَحقّق، وتفعيل أحد آليات الدبلوماسية المائية
المتمثلة في بناء المشروعات المائية، أو صياغة اتفاقيه مائية، أو وجود مفوضية مائية
للحوض يتم من خلالها تنسيق المواقف، وبدء إدارة المشروعات والاستثمارات المتفق
عليها برعاية الأطراف المانحة.
وتطالب المؤلفة باتباع استراتيجية نحو دبلوماسية مائية كمدخل لحل قضايا المياه في
حوض النيل، متضمناً فاعليات وأنشطة مشتركة، إضافة إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية
على المستويين الرسمي والشعبي لتعزيز التواصل بين الدول الإفريقية، كي يتم سد أي
ثغرة يستغلّها النظام الدولي لعرقلة محاولات التعاون.
وتقول المؤلفة إن “دبلوماسية المياه” تعد واحدة من الدبلوماسيات الجديدة وغير
التقليدية التي شاعت في الآونة الأخيرة في ممارسات العلاقات الدولية، شأنها شأن: “
الدبلوماسية النووية”، و”دبلوماسية التنمية”، و”دبلوماسية المال”، و”دبلوماسية البترول”،
و”دبلوماسية المرأة”، و”دبلوماسية الشباب”، مضيفة أن فعالية “دبلوماسية المياه” تزداد
إذا ما اقترنت بالصيغ غير النمطية من الدبلوماسية، وبصفة خاصة “دبلوماسية القمة”.
وتُبين أن دبلوماسية المياه تتضمن مجموعة الأنشطة والفعاليات التفاوضية والدبلوماسية
التي تستهدف قضية مائية معينة، بحيث يتم حشد الكوادر والجهود البشرية، وتخصيص
الإمكانات المادية والرمزية، خلال فترة زمنية محددة، لتحقيق أهداف على الصعيد المائي
الدولي، وبحيث تكون هناك خطة استراتيجية مائية تسعى الأجهزة الدبلوماسية من خلال
تحركاتها وأنشطتها الخارجية إلى تحقيق أهدافها.
ولفتت المؤلفة إلى فاعلية الدبلوماسية المائية في حل المشكلات بحوضَي نهري الراين
والميكونج، إذ إن مفهوم تقاسم المنافع كان جلياً في كلتا التجربتين الأوروبية والآسيوية،
خاصة بعد اتباع آليات تسوية وحل الصراع. ففي حوض نهر الميكونج تم توقيع اتفاقية
حول التعاون من أجل التنمية المستدامة للحوض، والتي تشير إلى مبدأ اقتسام المزايا
وإلى أن تايلاند تدفع لـ”لاوس” نظير الحصول على الطاقة الكهربائية، وعلى الجانب
الآخر في حوض نهر الراين يتجسد مفهوم تقاسم المنافع في الاعتماد على آلية عمل
نموذج الإنذار بالخطر لنهر الراين، والتي تعتمد بشكل أساسي على إقامة مراكز تحذير
دولية وكل مركز مسؤول عن القيام بذلك الأمر في امتداد معيّن لنهر الراين، وفي حالة
وقوع حادثة فإن مركز التحذير المعني يرسل “تقريراً أولياً” إلى بقية المراكز.
/العمانية /
