عمر وطني

أستقل سيارة الأجرة ، لم يكن بها أحدا أخر فقط هو والسائق ، كانت تظهر عليه علامات الإستعجال والقلق الشديد ، وكأنه على موعد أنتظره سنين طويله ، يتلفت في كل الإتجاهات وكأنه يبحث عن شيء فقده وربما يعثر عليه بين الماره ، عندما لمح سائق سيارة الأجرة تعابير القلق وعدم الهدوء النفسي عليه ، ادار مفتاح الراديو بضغطه زر ، حينها كانت فيروز تشدو بصوتها الملائكي الجميل ..

آخر مرة غنيتلك كنا بالصيف واليوم رجعنا التقينا والدنيي صيف
كنت متوَّج بالاخضر خبرني ليش مغيَّر ؟
وين زهرك ؟ وين سحرك ؟ … خبـِّرني !
وين الْكانوا حراش صنوبر شو قولك صاروا ذكرى ؟
ما في أتعس من أنك تقعد تتذكرْ !
أنا بدي عمِّر وطني مثل ما بدي !
وجّي ع هالسهل الواسع والسما حدّي !
أنا بدي وطني يكونْ
متل السيف المسنونْ
بهدير الأيام الجايي وبالحرية .. مسكونْ

يا وطني يا حبيبي ياهمي الأكبرْ
يا وطني حبيبي راح ترجع أخضرْ
هنا بدء أحمد يتعمق في كلمات الأغنية التي سكنت وجدانه وهزته من الداخل ، فسافر معها في أخر تظاهر للباحثين عن العمل ، حين كان أخيه حامد يندد بكلماته الحماسية وهو يشجب مطالب فقط بفرصة عمل من أجل أن يحس بمقدار هذا الوطن في وجدانه ، تدافع المتظاهرين ومحاصرة قوات مكافحة الشغب من رجال الشرطة جعلتهم يتدافعون بعضهم على بعض ، سقط حامد وجسمه الهزيل وسط التدافع ليدوس عليه البقية وكأنه قطعه كرتون ملقاه على الارض في حين أحمد كان يراه ويصرخ بأعلى صوته ، لكن تيار التدافع من المتظاهرين كان يبعده عن مكان سقوط اخيه شيئا فشيء ، مسكين حامد كثير من الأرجل والأحذيه داست على رأسه ووجهه ليغرق في دماءه ، نقل إلى سيارة الإسعاف في حالة حرجه إلى مستشفى صحار ، استرسل احمد وهو يحدث سائق سيارة الأجرة ان يقف أمام بوابة مستشفى صحار في حين ما زالت فيروز تغني ، عند وصول احمد قرب بوابة العناية المركزة وجد اخيه حمود يبكي بحرقه منهار وهو يفترش الأرض متقرفص وكأنه يشعر بالبرد القارص ، علم حينها أن أخيه حامد لن يراه بعد اليوم أبداً .

قصة للكاتب
يعقوب راشد سالم السعدي

زر الذهاب إلى الأعلى