إن التشريع الجنائي الإسلامي هو ما يكون بين الدولة والمواطنين، من الناحية العامة، وكتاب “التشريع الجنائي الإسلامي” للشهيد القاضي والفقيه الدستوري، عبد القادر عودة كما أشرنا هو مزيج بين الفقه الشرعي والقانون الوضعي، بتقسيمٍ معاصر، رغم أن تقسيمات الفقهاء مهمة جداً، لكن التقسيمات المعاصرة هي التي سيفهمها الجميع، كما أراد الشهيد أن يكون.
ركزت في الجزئين الأول والثاني على المقارنة بين ما قررته الشريعة وما ذكره القانون الوضعي، والمقارنة بينهما، وخاصة الآراء المختلفة، سواء بين المذاهب الإسلامية أو بين الشريعة والقانون الوضعي، وبين آراء علماء السلف، والآراء التي استحدثها العلماء المعاصرون، نظراً لتغيير الزمان وتغير الأحوال من احتياجات تشريعية وما شابه ذلك، وبالتالي إن كتاب “التشريع الجنائي الإسلامي” للشهيد عودة، كما كنت قد أشرت في المقال الماضي، على أنه موسوعة، وبالفعل هو كذلك.
وفي الدخول إلى تفاصيل النظريات، ومنها نظرية البطلان، أيضاً كنت قد تحدثت عن السياق التاريخي للمرحلة التي عاشها الشهيد عودة، في أواخر الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، في مصر، وبالتالي الحالة القانونية لتلك الحقبة كانت معقدة، خاصة معاصرة نظامين مختلفين، ملكي وجمهوري، وبالتالي من الطبيعي أن تختلف الطبيعة القانونية، خاصة أن أهم تعقيد عاصرة الشهيد عودة، هو الاحتلال، من هنا لا يستغرب البعض أن الشهيد استقال من سلك القضاة لأنه وبحسب رأيه الشخصي، رأى بأنه خالف أحكام الشريعة الإسلامية، يقول الشهيد عودة في كتابه: (إذا جاءت القوانين واللوائح خارجة على نصوص القرآن والسنة، أو خارجة عن مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، فهي قوانين ولوائح باطلة، بطلاناً مطلقاً، وليس لأحد أن يطيعها، بل على كل مسلم أن يحاربها).
على سبيل المثال، في بعض الجرائم، يقدّر الشهيد عودة حكمه بتطبيق الحد، شرعاً مثلاً في “سرقة”، لكن القانون لا يسمح بذلك، خاصة وأن القانون وضع تخصصات للقضاة، فمثلاً إن كانت القضية “آداب”، لا يجوز للقاضي تطبيق عقوبة “الزنى”، بسبب ما وضعه القانون الوضعي، فالقانون هنا يجيز حبس المتهم كعقوبة له، في حين الحدود الشرعية مختلفة كليّاً عن هذا الأمر، وبالتالي إستقالة الشهيد عودة أتت في سياق ألا يقضي بشيء يكون فيه مخالفة لشرع الله تعالى، فالقانون إن لم يطبق الحد هو مخالفة صريحة للشريعة، لكن استبدل القانون الوضعي هنا، الحد بتعزير، كحكم مدة من الزمن، وبالتالي هنا لم يطبّق الحد، وبرأي الشهيد عودة لا يجوز استبدال الحد بتعزير، هذا الكلام لاقى معارضة من القانونيين، وفي الأصول هناك درجات بين الموافقة والمخالفة، الأحناف على سبيل المثال لا يخالفون نظرية الجمهور فيما يمثل حقوق الجماعة، فعندهم أن القوانين واللوائح والأوامر المخالفة للشريعة باطلة.
في عصرنا الحال، نجد أن دولنا أدخلت الكثير من التحديثات على الكثير من الأمور، ورغم ذلك تمارس سلطة التشريع من خلال تشريع القوانين، لكن ما حكم القوانين الجديدة التي دخلت إلى عالمنا بفعل التطور، كموضوع الإنترنت على سبيل المثال، والجرائم الإلكترونية، هي قوانين لا تُستمد من الشريعة وإنما استوردناها، فكيف يمكن أن نربط هذا الأمر بالتطبيق الشرعي، بما يتعلق بحلاله وحرامه، نعود لمصادر التشريع ونربط هذا الحديث به، فالجرائم الإلكترونية تُربط بقوله تعالى: (ولا تجسّسوا)، وبناءً على حكم التجسس في الشريعة الإسلامية، تكون القرصنة ونشر المعلومات دون إذن، وغير ذلك يطبّق عليها الحكم المتعلق بالتجسس، لكن وضعياً لا يعني العقوبات التي سنّت للحد من هذه الجرائم هي خاطئة، لكن لا بدّ بطريقةٍ أو أخرى أن تتوافق والشريعة، ولا تتعارض معها، لكن القانون الوضعي وبنفس الوقت قد يتعارض مع أحكام الشريعة ويبيح بعض المحظورات، وبالتالي إن خالف الشريعة هنا يجب ألا يُطاع، لأنه يحلّ أمراً في أساسه حرام.
ولتحقيق هذه الغاية خاصة في القوانين الأجنبية الدخيلة على مجتمعاتنا هنا نبدأ من الأصول التي لدينا، فعلى الرغم من أن هذه القوانين وضعية تختلف حدة مرتكبي المخالفات أو الجرائم والضرر من بلد إلى آخر، في الشريعة السرقة حرام، وأيضاً سرقة المعلومات حرام، قد تتعلق بمال والمال من ضمن حرمان الشخص من حقوق له، وهكذا، كما في “حقوق الملكية” أياً كان نوعها.
يقول الشهيد عودة: (في عصرنا استحدثت الدول في كثير من بلادنا، نظاماً سياسياً يعترف لها بممارسة “سلطة التشريع” بقوانين تصدّرها الدول المختلفة، فالمشكلة العصرية ليست مشكلة تعارض بين قانونين، بل هي أكبر من ذلك لأنها مشكلة “شرعية الدولة وحدود سلطانها”، وبالتالي قد يترتب عليها القول بعدم مشروعية النظم السياسية “العصرية” إذا صدرت تشريعات وضعية لا تستمد من مبادئ شريعتنا أو تتعارض مع أحكامها)، وهنا هذا الكلام يحاكي الفترة التي عاش فيها الفقيه عودة، لكن في الخمسينات والستينات تطورت القوانين، والكتابات الإسلامية للتفريق بين من يحكم دون تشريعات الله فهو كافر، ومن يحقق العدل لكن دون حكم فهو فاسق وهكذا، وهذه الفترة شهدت نشاطاً ملحوظاً واستفاضت في الشروحات خاصة بعد كتابات سيد قطب أيضاً، الذي كان من نفس مدرسة عودة، وبعدها بنت الكثير من الجماعات الإسلامية على ذلك وطورت منه، لكن طبيعة الظروف السياسية والاجتماعية سابقاً كانت فترة نهوض من تحت الاحتلال في الكثير من الدول الإسلامية والعربية، وما ترتب من أحكام على تلك الفترة لا يحاكي أو لا يشابه واقع اليوم في بعض التفاصيل، فما كان صحيحاً في السابق قد يكون غير مقبول بالوقت الحالي وبالعكس.
فكتب الشريعة مركزة العبارة، تُصاغ جُملها بمنتهى الدقة حتى لتبلغ في تركيزها أكثر مما تبلغه نصوص القوانين الوضعية من ذلك، وللفقهاء فوق ذلك كله تعبيرات واصطلاحات خاصة ينبغي أن يلم بها المرء قبل دراسة الشريعة، كما ينبغي أن يلم دارس القانون قبل دراسته بالاصطلاحات القانونية، فمن جهل الاصطلاحات الشرعية ولم يدقق في الاطلاع على نصوص الشريعة، فلا شك أنه لم يصل إلى فهم كتب الشريعة فهماً صحيحاً، وهذا هو الذي حدث فعلاً للقائمين بأن الشريعة لم تحدد جرائم التعزير وعقوباتها، فإنهم لم يفهموا ما كتبه الفقهاء في هذه المسألة على وجهه الصحيح، ولو فهموه على وجهه لعلموا أن الشريعة حددت الأفعال المعتبرة المعاصي وعينتها، وأن الشريعة توجب على القاضي قبل كل شيء أن يبحث عما إذا كان الفعل المنسوب للجاني معصية بحسب نصوص الشريعة أم لا، فإن وجده معصية بحيث إن كانت التهمة ثابتة قبل الجاني أم لا، فإن كانت ثابتة عاقبه بإحدى العقوبات التي وضعتها الشريعة للتعزير، بشرط أن تكون عقوبة ملائمة في نوعها وكَمها للجريمة وللمجرم، أما إذا وجد القاضي أن الفعل ليس معصية فلا جريمة ولا عقوبة.
وليس للقاضي ولا غيره أن يعتبر فعلاً ما معصية ما لم تعتبره الشريعة كذلك، وليس للقاضي أو غيره أن يعاقب على معصية بعقوبة لم تقررها الشريعة وإلا كان محرِّماً ما أحله الله، مبيحاً ما حرّمه، وقائلاً على الله بغير علم، في الفقه الشافعي: (من أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة عزر حسب ما يراه السلطان)، وفي الفقه المالكي: (بعد أن يعدد جرائم القصاص والديات وجرائم الحدود: “وما عداها فيوجب التعزير، وهو موكول لاجتهاد الإمام. ويعزر الإمام لمعصية الله أو لحق آدمي)، أما الفقه الحنبلي: (التعزير هو التأديب وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وأقله غير مقدر فيرجع فيه إلى اجتهاد الإمام والحاكم فيما يراه وما يقتضيه حال الشخص)، وقسم الله طريق الحكم بين الناس إلى طريقين، أولهما: الحق، وهو الوحي الذي أنزل على رسله، وثانيهما: الهوى، وهو كل ما خالف الوحي، قال تبارك وتعالى: (ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتّبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون)، النصوص القرآنية واضحة النص والحكم، ونهت العمل بغير الشريعة، ومن يعمل بغيرها فإنما اتّبع هواه، فلا يمكن لمسلم أن يرضى بحكماً من غير الله تعالى، وهذا ما قمنا على ذكره في الجزء الأول عن العقلاء ومسألة التكليف للمسلمين.
أيضاً تناول الشهيد عودة في الكتاب مسألة غاية في الأهمية وهي: إن أولي الأمر بحسب نصوص الشريعة الإسلامية ليس لهم حق التشريع المطلق وإن حقهم في التشريع قاصر على نوعين من التشريع: الأول، تشريعات تنفيذية يقصد بها ضمان تنفيذ نصوص الشريعة الإسلامية. والثاني، تشريعات تنظيمية لتنظيم الجماعة وحمايتها وسد حاجاتها على أساس مبادئ الشريعة العامة. وهذه التشريعات لا تكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة فلم تأت بنصوص خاصة فيه ولا يمكن أن تكون فيما نصت عليه الشريعة، ويشترط في هذه التشريعات أن تكون متفقة مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، فهي تشريعات توضع بقصد تنفيذ مبادئ الشريعة العامة، وإذن فهي في حقيقتها نوع آخر من التشريعات التنفيذية.
نقطة أخرة غاية في الأهمية، أشرنا لها، لكن هنا سنعمل على شرحها بطريقة مبسطة، حول أن نظرية الشريعة الإسلامية في بطلان كل ما يخالف القرآن والسنة أو بمعنى آخر كل ما يخالف التشريعات الأساسية هي نظرية تعترف به اليوم كل البلاد التي تطبق القوانين الوضعية، ولكنها تختلف في تطبيقها، فأكثر البلاد المتطورة ترى بطلان كل قانون أو لائحة أو قرار جاء مخالفاً للدستور، باعتبار أن الدستور هو التشريع الأساسي لهذه البلاد، ويجب أن لا يصدر قانون أو لائحة أو قرار على خلافه، ولأن الدستور لا تعدل نصوصه إلا بشروط خاصة وبأغلبية خاصة لا تشترط في أي قانون، فالهيئة التي شرعت الدستور أعلى من الهيئات التي شرع القوانين وغيرها. أما أقلية البلاد فلا تأخذ بنظرية البطلان على إطلاقها وتفرق بين القوانين وما دونها من قرارات واللوائح والأوامر، فإذا جاء القانون مستوفياً شكله القانوني اعتبر صحيحاً ولو كان مخالفاً للدستور، أما اللوائح والقرارات والأوامر فتعتبر باطلة إذا جاءت مخالفة للدستور أو القوانين ولو استوفت شكلها القانوني، وسند أصحاب هذه النظرية أن القوانين تعتبر عندهم في درجة الدستور، لأن الهيئة التشريعية التي صدر الدستور والقوانين واحدة وسلطانها واحد، أما الهيئة التي تصدر اللوائح والأوامر والقرارات فهي أقل درجة من الهيئة التي وضعت الدستور والقوانين وسلطانها أقل.
وبالتالي، إن القوانين الوضعية لم تعرف نظرية البطلان هذه إلا حديثاً، فعمرها في القوانين الوضعية أقل من قرن، بينما عرفتها الشريعة الإسلامية من قبل أن تعرفها القوانين الوضعية بأكثر من اثني عشر قرناً.
أخيراً وليس آخراً، يكفي الشريعة فخراً أن يكون أقدم ما فيها هو أحدث ما في القوانين الوضعية مع الاحترام لها، وأن تكون النظرية التي يهلل لها الناس اليوم يرون فيها كل الضمان ضد طغيان السلطة التشريعية الإسلامية، وإذا كان الناس يجهلون هذا وغيره من الشريعة الإسلامية فليس الذنب ذنب الشريعة، وإنما هو ذنب أهلها الذين لا يعرفون عنها بعض ما يعرفونه عن غيرها.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان
