«يرجى من جميع الركاب ربط أحزمة المقاعد استعدادًا للهبوط في مطار صلالة، حيث درجة الحرارة 20 درجة مئوية».. ماذا! انتفض أحد السائحين القادمين لزيارة صلالة، مكررا: 20 درجة مئوية في فصل الصيف، هل قال إننا سنهبط في صلالة أم في عاصمة أوروبية؟! يبتسم أحد المواطنين الجالسين إلى جواره قائلا: لا، إنها صلالة ودرجة الحرارة كما أعلن، أنت الآن في فصل الخريف الماطر.
والآن استجمع قوّتك واشحذ همّتك واستعد لخوض تجربة مثيرة لظاهرة فريدة، حيث تقضي إجازتك مستمتعًا بأجمل الفصول في عز الصيف، إنه فصل الخريف الماطر، لا تندهش ولا تتردد، فالمكان هو صلالة بمحافظة ظفار، والزمان خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس من كل عام، ولثلاثة أشهر متواصلة.
في هذه الفترة من العام، وحين تشتد الحرارة في كل مكان، يبحث الجميع عن المكان الذي يقيهم من الصيف الملتهب، ويُمتعون أبصارهم ويُريحون أرواحهم وأجسادهم من هموم ومشاكل عام كامل من العمل والإرهاق. لا تفكّر كثيرًا، فإن هذا المكان بالفعل في سلطنة عمان.
في فصل الصيف، حيث ترتفع درجات الحرارة في المنطقة سوى مكان واحد يتحوّل إلى فردوس أخضر، وينعم بجو ضبابي غائم يحجب لهيب الشمس الحارقة، ويؤمّه السائحون من كل حدب وصوب، وعلى الأخص من منطقة الخليج. يأتي الجميع إلى صلالة -هذه الواحة الغنّاء- ينشدون الراحة والهدوء والاستمتاع بالجو الاستثنائي وزخات الرذاذ المتواصلة والتمتع بمشاهدة الشلالات والعيون المائية التي تتدفق في كل مكان ناثرة الحياة والخضرة فوق الهضاب والجبال والسهول.
فعاليات خريف ظفار
واحتفالا بهذه المناسبة السنوية المهمة، تقيم بلدية ظفار العديد من الفعاليات في خريف ظفار في عدة مواقع من أهمها منطقة الألعاب الكهربائية والمعرض الاستهلاكي ومشروع أب تاون في سهل أتين، وفي حديقة عوقد العامة وحديقة صلالة العامة، وتجهيز موقع ميدان الاحتفالات الذي سيحتضن فعالية الكارتينج وللسيارات ذات الدفع الرباعي، كذلك تتضمّن فعاليات خريف ظفار العديد من الحفلات الفنية، كما ستقام العديد من الفعاليات في منطقة الحافة، وتتضمن الفعاليات العديد من الفقرات الثقافية والتراثية والترفيهية والفنية والرياضية، وسوف يقام حفل افتتاح أوبريت (أجواء الخريف) بحديقة صلالة العامة برعاية صاحب السمو السيد مروان بن تركي آل سعيد محافظ ظفار بتاريخ 16-7-2022م في الساعة الثامنة والنصف مساء في مسرح حديقة صلالة العامة.
ويتوجه الآلاف من السائحين لمشاهدة فعاليات خريف ظفار وبعد الانتهاء من مشاهدة العروض الشيّقة لفعاليات خريف ظفار فإنه يمكنهم زيارة الأسواق داخل المدينة، وهي سوق الحصن وسوق الذهب وسوق شارع السلام و«المولات» التجارية والسوق المركزي الذي يوجد فيه الكثير من السلع والفواكه والخضراوات والمباخر واللبان والمصنوعات التقليدية المتنوعة. أما لهواة الآثار القديمة، فيوجد في صلالة العديد من المواقع المهمة التي يتوجب زيارتها ويشمل ذلك البليد والمدينة المفقودة (أوبار) وشصر وخور روري في سمهرم، أيضا يتوجب ألا تفوتهم زيارة متحف أرض اللبان في البليد للوقوف على الماضي العريق لأرض اللبان، حيث سيشاهدون مجموعة كبيرة من مقتنيات العصور السابقة.
جو ضبابي غائم
وتقع صلالة على مسافة 1040 كيلومترًا من العاصمة مسقط، وهي مرتبطة بباقي البلاد وبالدول المجاورة مثل: الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية واليمن بشبكة من الطرق الحديثة. والقيام برحلات قصيرة داخل مدينة صلالة يشكّل متعة عارمة للزوار. إن هذه الظاهرة الفريدة من الرذاذ المنعش والخضرة الممتدة على مرمى البصر سوف تجعلك بالتأكيد تشعر معها بالروعة والإجلال لهذا الجمال الطبيعي النادر. سيمثل الفضاء الشاسع والمناظر الطبيعية الخلابة الآسرة الرفيق الذي سيدعوك إلى التأمل والاستمتاع.
السائحون الذين أرهقهم طول السفر والتجوال سيجدون في القرى الجميلة التي يغلّفها الضباب طوال الموسم، العديد من المقاهي التي تقدِّم الشاي الساخن، وكونها منطقة زراعية، فإن ظفار تعج بالعديد من محلات الفواكه الاستوائية، وتعد منطقة الدهاريز موطنًا للعديد من مزارع الفاكهة، وهي المكان الأمثل للتلذذ بتناول وتذوّق ما شئت من الفافاي، الموز، النارجيل، الجوافة، المستعفل (القشدة) والليمون وغيرها.
مواقع سياحية منوعة
يرتفع أعداد السائحين الذين يقصدون ظفار للاستمتاع بمناظرها الساحرة عاما بعد عام، وتتباهى مدينة المغسيل بوجود أجمل الشواطئ، الذي يمتد لمسافة 4 كيلومترات، حيث يتّسم بالهدوء مع الخلفية الجذابة من الصخور التي تشكلت فيها فجوات تندفع من خلالها نافورات من مياه البحر قد تصل إلى ارتفاعات تتجاوز الثلاثين مترًا في الهواء.
ويزدان البساط الأخضر والمناظر الجميلة بالينابيع والمجاري المائية في مناطق أرزات، جرزيز، صحلنوت، أثوم وحمران. أما في طوي أعتير (بئر الطيور) فهناك كهف طيق وهو كهف طبيعي عملاق يصل عرضه إلى 100 متر، ويصل عمقه إلى 211 مترًا، ومن المحتمل جدا أن يكون من أكبر الكهوف في العالم، وقد أطلِق عليه هذا الاسم؛ لأنه موطن العديد من أصناف الطيور فغالبًا ما ترى هذه الطيور تتوجه إليه وتغوص في مياهه أثناء موسم الخريف.
ويعد وادي دربات حديقة طبيعية غنّاء، مع وجود أجمل المناظر للشلالات والبحيرات والجبال والكهوف، التي تقبع كلها وسط أجمل البيئات الطبيعية. وهنا، يمكن لعشاق المغامرات اكتشاف روعة الكهوف بما تحتويه من رواسب كلسية مدلاة من الأسقف أو متصاعدة على أشكال نتوءات من القاع. أما طاقة ومرباط وسدح فهي بقاع أخرى رائعة للرحلات وقضاء بعض الأيام فيها والاستمتاع بشواطئها الخلابة والتجديف.
في وسط الجو الساحر الجميل يوجد العديد من المواقع السياحية الدينية والثقافية، ولا تنسَ زيارة ضريح النبي أيوب، الذي يوجد على إحدى القمم العديدة في جبال المحافظة، وستجد أيضا العديد من الولايات غاية في البساطة والجمال مثل رخيوت وضلكوت، حيث تلامس الجبال السحاب إلى جانب السفوح الخضراء والشواطئ الفريدة التي لا تراها العين إلا في ظفار.
وهناك ظاهرة فريدة على مسافة 30 دقيقة في الطريق من صلالة إلى مرباط، وترتبط بظاهرة الجاذبية الأرضية، ففي هذه المنطقة يمكن إيقاف محرك المركبة والتوقف بشكل كامل ومع ذلك، فإن المركبة ستبدأ في التحرك بشكل تلقائي دون أي تدخل من قبل قائدها.
غابة من الصبار بوادي شعبون
وتعد منطقة وادي شعبون تحت سفح قمة جبل سمحان من أهم المزارات السياحية للمواطنين والمقيمين والسياح، وتمتاز منطقة شعبون بوجود أشجار (التمر الهندي) والتي تسمى محليا بالصبار، وهي أشجار كبيرة الحجم وتكون مخضرة طوال السنة تقريبا، وقد قامت وزارة التراث والسياحة بإنشاء متنزه صغير في هذه المنطقة، أما آثار غيضت فتقع في أعلى وادي شعبون في موضع يعرف محليا بغيضت (أشجون) إلى الشمال الغربي من مدينة مرباط في سفح الجبل على ارتفاع حوالي «ألف وخمسمائة» قدم عن سطح البحر، وتحيط بهذه الآثار أشجار الصبار وتتوسط تلك الغابة ثلاث عيون مائية صغيرة يزداد جريانها في فصل الخريف، كما توجد مستوطنة بشرية لا تزال أنقاضها متناثرة، وثمة مبنى في الجهة الشمالية، إضافة إلى سور مبني بأحجار طبيعية ومدر، والامتداد الشرقي للسور عبارة عن ربوة مرتفعة، قد شُيِّد عليها مبنى لم يبق منه سوى الردم وكتف الجدار، ومبنى بأحجار الجرانيت الطبيعية على شكل صفوف متراصة بارتفاع 2.59م، والباقي ردم بسبب العوامل الطبيعية وغطته النباتات. ناهيك عن وجود أبراج متصلة بالمبنى، وتنسب هذه الآثار إلى عهد الدولة المنجوية في القرن السادس الهجري، وثمة مبانٍ أخرى، إذ شُيِّدت في عصور متأخرة وتجد أشجار اللبان منتشرة في وادي شعبون، إذ تجد شجرة بين كل خطوة أو خطوتين والتي يرجع تاريخ التجارة بها في ظفار إلى أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد، وهو الأجود على الإطلاق مقارنة بجميع الأصناف الأخرى.

