تُعد قرية الغيزين بولاية الخابورة من القرى التراثية بالسلطنة ذات البعد التاريخي الممتد والثرية بمعالمها الأثرية من حارات وأبراج وبيوت ومساجد، وتُعد بوابة وادي الحواسنة كما يصفها الأهالي والزائرون.
واشتق اسم القرية من فلجها الذي ينقسم في ساقيتين إلى (غيزين) غيز يتجه جهة الغرب من البلدة، وغيز جهة الشرق يفصل بينهما مركاض الإبل الذي كانت تقام فيه مراكيض العرضة في المناسبات المختلفة.
وتعد قرية الغيزين قرية عريقة قديمة منذ مئات السنين .. لا يذكر لها تاريخ محدد لنشأتها.. وتسجل ذاكرة أهاليها زيارات عدد من الشخصيات والرَّحالة الأجانب إليها في عقود منصرمة ولا يزال بعض كبار السن فيها يستذكرون زيارة سمو السيد طارق بن تيمور آل سعيد -رحمه الله- في العام ١٩٤٥م في ضيافة الشيخ محمد بن المر بن محمد الحوسني.
وتضم القرية ما يعرف في السلطنة باسم “الحجرة” وهي عبارة عن سور تحصيني مربع يحيط بالبيوت؛ وفي كل زاوية من هذا السور برج مراقبة وحماية متصل بسبلة أو مجلس عام يلتقي فيه الأهالي مع بعضهم ويستخدم في أفراحهم وأتراحهم؛ كما يضم السور “صباحين” أو مدخلين أحدهما يقع في واجهة الحجرة وهو المدخل الرئيسي لها بدروازته الزاهية ويمتاز باتساعه وفساحته وتتصل به أماكن للجلوس والحراسة؛ كما تحوي الحجرة على بئر ماء للاستخدام في حال الضرورة كما تضم محلات لحركة البيع والشراء فيها.
وتوجد خارج حارة الحجرة بيوت وغرف كبيرة تحوي على عقود وكتابات ونقوش لا يزال بعضها صامدًا في وجه الزمان؛ ويروي الأهالي أن بعض أبواب هذه الغرف جلبها أهلها من زنجبار في (خشبة) سفينة رست في ساحل الخابورة ثم نقلت بواسطة الجمال إلى الغيزين.. ويشرف على هذه البيوت والغرف من فوق قمة الجبل البرج الخامس المسمى (برج الجبل) وهو برج حماية ومراقبة يطل على الأبراج الأربعة لسور الحجرة ويمتد نظره من الناحية الأخرى إلى البرج السادس المعروف باسم (برج المثار) والمشرف على فلج البلدة.. لتشكل هذه الأبراج الستة منظومة مراقبة وحماية متكاملة للبلدة.
وتتميز حارات الغيزين بأنه يقع أمامها “مقام الصباير” وهي عبارة عن مجموعة من أشجار الصبار الضخمة الكثيفة المعمرة المتصلة مع بعضها البعض وتمت زراعتها مع بدايات عمران البلدة.. وارتبطت هذه الصباير ارتباطا وثيقا بالغيزين حيث كان يطلق على أهلها قديمًا اسم (أهل الصباير) والتي شهدت كثيرًا من لقاءات أهالي البلدة والتقت تحت ظلالها عمائم مقاديم الرجال لتبادل أطراف الأحاديث والعلوم والتشاور فيما يهمهم واستقبال الضيوف القادمين إليها؛ ويمر تحت هذه الصباير الغيز أو الفلج الشرقي للبلدة كما يوجد بمحاذاتها المسجد الجامع الذي يعرف كذلك بجامع الصبارة والذي لطالما صدحت من بين جدران مدرسته أصوات المتعلمين لعلوم القرآن الكريم واللغة العربية.
ومن موروثات القرية خزانات مخطوطات لكتب نادرة في مختلف العلوم والفنون والثقافة وإرث تاريخي يؤكد عراقتها وأهميتها، وكنز من العلم والمعرفة تفخر وتعتز به الأجيال، وتم تسجيلها في هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية.
ولقد مثلت قرية الغيزين عبر تاريخها نقطة عبور للقوافل التجارية القادمة من محافظة الظاهرة إلى سوق الخابورة القديم محملة بالحبوب والتمور والجلود وغيرها من البضائع لتعود محملة من هناك بالمواد الغذائية المختلفة.
إن التجوال في حارات الغيزين يشعرك بهيبة المكان وعراقته حيث البيوت والغرف الأثرية العالية المبنية من الطين والجص والحجارة، يفوح من بين جنباتها شذى التاريخ والحضارة وماضي الأجداد التليد وتتردد في ذاكرة دروبها فنون الرزحة والعيالة وهي تتناغم مع أصوات ولمعان السيوف والخناجر تخرج من أغمادها وبنادق رجالاتها تنبعث من ذاك الزمان القديم متداخلة مع أصوات العازي المفعمة بالعزة والشموخ.
وتزخر القرية بطبيعة خلابة وتزداد روعة عند سقوط الأمطار وما زالت محتفظة بعاداتها وتقاليدها الأصيلة ومعالمها الشاهدة على تاريخها المجيد.
/العمانية/
