بحثنا في الموضوع السابق المسؤولية الجنائية، ما بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية، وكيف طور القانون الوضعي هذه المسؤولية لتتماشى وروح عصر اليوم، بينما في هذه المسألة كان ثبات قوانين الشريعة الإسلامية ثابتاً، مع وجود حالات خاصة استوجبت اجتهادات معينة، إلا أنها حددت من المسؤولية فقط “الإنسان المكلّف” وما دونه غير مسؤول حتى يصح العكس.
كانت الشريعة الإسلامية تشترط أن يكون الفاعل للجرم مدركاً مختاراً، فقد كان طبيعياً أن يكون الإنسان فقط هو محل المسؤولية الجنائية، لأنه وحده هو المدرك المختار. أما الحيوان أو الجماد فلا يمكن أن يكون محلاً لذلك، لانعدام الإدراك والاختيار، لأن المسؤولية تقع على الإنسان الحي، لأنه وكما ذكرنا في الجزء السابق، أن المسؤولية تسقط مع وفاة الشخص، وإذا كان اشتراط الإدراك والاختيار يجعل الإنسان وحده محل المسؤولية الجنائية، فإن توفر هذين الشرطين يستوجب ذلك فقط أن يكون الإنسان المسؤول عاقلاً بالغاً مختاراً، فإن لم يكن كذلك فلا مسؤولية عليه، لأن غير العاقل لا يكون مدركاً ولا مختاراً، ومن لم يبلغ سناً معيناً لا يمكن أن يُقال أنه تام الإدراك والاختيار، وعلى هذا فلا مسؤولية على طفل ولا مجنون أو معتوه أو فاقد الإدراك بأي سبب آخر، ولا مسؤولية على مكره أو مضطر.
لكن من هي الشخصيات التي تشملها المسؤولية الجنائية؟
نبدأ أولاً، مع الشخصية المعنوية، حيث عرفتها الشريعة منذ نشوئها، فاعتبر الفقهاء بيت المال جهة، والوقت جهة؛ أي شخصاً معنوياً، وكذلك اعتبرت المدارس والملاجئ، والمستشفيات وغيرها، وجعلت هذه الجهات أو الشخصيات المعنوية أهلاً لتملك الحقوق والتصرف فيها، ولكنها لم تجعلها أهلاً للمسؤولية الجنائية؛ لأن المسؤولية تبنى على الإدراك والاختيار، وكلاهما منعدم دون شك في هذه الشخصيات، لكن إذا وقع الفعل المحرم ممن يتولى مصالح هذه الجهات، أو الأشخاص المعنوية كما نسميها الآن، فإنه هو الذي يعاقب على جنايته ولو أنه كان يعمل لصالح الشخص المعنوي.
ويمكن عقاب الشخص المعنوي كلما كانت العقوبة واقعة على من يشرفون على شؤونه أو الأشخاص الحقيقيين الذين يمثلهم الشخص المعنوي؛ كعقوبة الحل والهدم والإزالة والمصادرة، كذلك يمكن شرعاً أن يفوض على هذه الشخصيات ما يحد من نشاطها الضار حماية للجماعة ونظامها وأمنها، وإذا كان هذا هو حكم الشريعة الإسلامية من ثلاثة عشر قرناً؛ أي من يوم وجودها، فإن القوانين الوضعية كانت إلى عهد غير بعيد تجعل الإنسان والحيوان والجماد محلاً للمسؤولية الجنائية، ولم تكن تفرق بين الإنسان الحي والميت ولا بين المميز وغير المميز ولا بين المختار والمكره؛ لأنها كانت تنظر إلى الجريمة بغض النظر عن فاعلها، ومن ثم كان العاقل البالغ والصبي غير المميز والمجنون والمعتوه يعاقبون على جرائمهم دون النظر إلى حالاتهم وعقلياتهم، بل كان الحيزان وكذلك الجماد يعاقب على ما يمكن أن ينسب إليه من أفعال جنائية.
اليوم تبدل هذا الوضع، بعد أن تغيرت الأسس التي كانت تقوم عليه القوانين الوضعية فإن هذه القوانين لا تعرف محلاً للمسؤولية الجنائية غير الإنسان الحي، كما أنها تفرق في حكمها بين المدرك المختار وبين فاقد الإدراك والاختيار، وبهذا أصبحت في هذه النقطة المطابقة للشريعة الإسلامية.
شخصية المسؤولية الجنائية: من القواعد الأولية في الشريعة الإسلامية أن المسؤولية الجنائية شخصية، فلا يُسأل عن الجرم إلا فاعله ولا يؤخذ امرؤ بجريرة غيره مهما كانت درجة القرابة أو الصداقة بينهما. وقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ العادل في كثير من آياته، ومن ذلك قوله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها)، وكذلك قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، ومبدأ شخصية المسؤولية الجنائية يطبق تطبيقاً دقيقاً في الشريعة من يوم وجودها، وليس لهذا المبدأ العام إلا استثناء واحد، وهو تحميل العاقلة الدية مع الجاني في شبه العمد والخطأ، وأساس هذا الاستثناء الوحيد هو تحقيق العدالة المطلقة، أي نفس الأساس الذي قام عليه مبدأ شخصية العقوبة؛ لأن تطبيق هذا المبدأ على دية شبه العمد والخطأ لا يمكن أن يحقق العدالة المطلقة بل أنه يؤدي إلى ظلم فاحش، ومن الفقهاء من لا يعتبر تحميل العاقلة الدية استثناء من مبدأ شخصية العقوبة حيث يرى أنه ليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني، إنما الدية على القاتل. وأمر هؤلاء بالدخول معه في تحمله على وجه المواساة له من غير أن يلزمهم ذنب جنايته، وقد أوجب الله تبارك وتعالى في أموال الأغنياء حقوقاً للفقراء من غير إلزامهم ذنباً لم يذنبوه، بل على وجه المواساة، وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك، وأمر ببر الوالدين، وهذه كلها أمور مندوب إليها بالمواساة وإصلاح ذات البين، فكذلك أمرت العاقلة بتحمل الدية عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير إجحاف بهم وبه، وإنما يلزم كل رجل منهم ثلاثة دراهم أو أربعة مؤجلة ثلاث سنين.
فهذا مما ندبوا إليه من مكارم الأخلاق، وقد كان تحمل الديات مشهوراً في العرب قبل الإسلام، وكان ذلك مما يعد من جميل أفعالهم ومكارم أخلاقهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فهذا فعل مستحسن في العقول مقبول في الأخلاق والعادات.
وتأخذ اليوم القوانين الوضعية الحديثة بمبدأ شخصية المسؤولية الجنائية، فلا يؤخذ بالجرائم غير جُناتها ولا تنفذ العقوبة إلا على من أجرم دون غيره، ولكن القوانين الوضعية لم تطبق هذا المبدأ بدقة تامة حتى الآن، ونجد مثل هذا فيما يقرره القانون المصري من مسؤولية رئيس تحرير الجريدة عما يكتب في الجريدة ولو كان غائباً، وفي تحميل أصحاب المحلات العمومية مسؤولية بعض الجرائم التي يرتكبها الغير في هذه المحلات، وإذا كان الشراح يعللون هذه الحالات بأن العقوبة تقع على الخطأ من المعاقب لا على فعل غيره فإنه من الواضح الذي لا جدال فيه أن خطأ المعاقب يفترض قانوناً، وأنه يعتبر قائماً بناء على فعل يقع من الغير لم يشترك فيه المعاقب بأي وسيلة من وسائل الاشتراك.
ولم تكن القوانين الوضعية تطبق مبدأ شخصية المسؤولية قبل الثورة الفرنسية كما تطبقه اليوم، وإنما كانت تعتبر المرء مسؤولاً عن عمله وعن عمل غيره ولو لم يكن عالماً بعمل هذا الغير ولو لم يكن له سلطان عليه، وكانت العقوبة تتعدى المجرم إلى أهله وأصدقائه، وتصيبهم كما تصيبه، وهو وحده الجاني وهم البرآء من جنايته، وإذا كانت القوانين الوضعية الحديثة قد أخذت أخيراً بمبدأ شخصية المسؤولية الذي جاءت به الشريعة الإسلامية من ثلاثة عشر قرناً، فإن الظاهر مما سبق أن القوانين الوضعية لم تصل في تطبيق هذا المبدأ إلى الحد الذي وصلت إليه الشريعة وأن دائرة تطبيقه في القانون أضيق من دائرة تطبيقه في الشريعة.
في هذا الأمر الشريعة الإسلامية حددت الشخصية المسؤولة عن أفعالها، وأوجبت لذلك العقوبة المناسبة وفي هذا الأمر برأيي، تفوقت على القوانين الوضعية، التي لا تزال تحتاج إلى تطوير القوانين خاصة فيما يتعلق بتحميل الجاني دون غيره مسؤولية جرمه، حتى وإن ارتكب الجرم في نطاق يشمل آخرين، فهنا تكمن عملية الفرز، لكي لا تقع المسؤولية على الغير، لمجرد أن تمت الجريمة أو الجناية في محله، أو بيته، أو أي مكان يتعلق بشخص غائب، يتورط وهو لا ذنب له.
وأما في ما يتعلق بالمجني عليه، هو من وقعت الجناية عليه، أو على ماله، أو على حق من حقوقه. ولا تستلزم الشريعة أن يكون المجني عليه مختاراً مدركاً كما استلزمت هاتين الشرطين في الجاني؛ لأنه مسؤول عن الجناية مأخوذ بها؛ ولأن المسؤولية مترتبة على عصيان أمر الشارع، وأوامر الشارع لا يخاطب بها إلا مدرك مختار، أما المجني عليه فغير مسؤول وإنما هو مُعتدى عليه، وصاحب الحق لا يشترط فيه الإدراك ولا الاختيار، وإنما يشترط فيه فقط أن يكون أهلاً لاكتساب الحقوق.
والحقوق التي تنشأ عن الجرائم على نوعين: حقوق لله تعالى، وحقوق للآدميين. فأما النوع الأول فينشأ عن الجرائم التي تمس مصالح الجماعة ونظامها. وأما النوع الثاني فينشأ عن الجرائم التي تمس الأفراد وحقوقهم. وعلى هذا يصح أن يكون المجني عليه إنساناً مميزاً أو غير مميز عاقلاً أو مجنوناً، ويصح أن يكون المجني عليه طائفة من الناس، ويصح أن يكون المجني عليه الجماعة كلها كما لو كانت الجريمة، وكما يصح أن يكون المجني عليه شخصاً طبيعياً يصح أن يكون شخصاً معنوياً؛ كأن يسرق الجاني مالاً لشركة أو لوقف أو للدولة، وإذا كان محل الجريمة حيواناً أو مالاً في صورة الجماد أو عقيدة من العقائد فالمجني عليه هو مالك الحيوان أو المال أو الهيئة التي تعتنق العقيدة، بالتالي، إن المجني عليه في كل الصور والأحوال هو الإنسان، إما باعتباره فرداً وإما باعتباره منتمياً لهيئة.
من هنا، تتفق القوانين الوضعية مع الشريعة الإسلامية بما سبق، حول المجني عليه، فيصح فيها أن يكون المجني عليه إنساناً مميزاً أو غير مميز، عاقلاً أو مجنوناً، ويصح أن يكون إنساناً طبيعياً أو معنوياً، وفرداً أو جماعة، كما أن القوانين الوضعية تحمي الجنين قبل أن ينفصل عن أمه، فتعاقب على الإجهاض على سبيل المثال، سواء حدث من الأم أو من غيرها، وتحمي جدث الميت ورفاته، فتعاقب من ينتهك حرمة القبور، وهي في ذلك تتفق مع الشريعة، وبعض القوانين كالقانون الفرنسي يتفق مع الشريعة في بعض هذه المبادئ.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان

