نيويورك تايمز
ترجمة: أحمد شافعي
غادر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين روسيا في رحلة دولية نادرة يوم الثلاثاء الماضي فكوفئ مكافأة رائعة تمثلت في لقاء مع زعيم عالمي مرموق أعرب بملء صوته عن تأييد للعمليات العسكرية الروسية لأوكرانيا.
بسفره إلى طهران، عمل الرئيس بوتين على ترسيخ التحالف الإيراني الروسي الناشئ بوصفه ثقلا مضادا للجهود أمريكية القيادة المبذولة لاحتواء خصوم الغرب. التقى بوتين بعلي خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني، الذي أعلن عن تأييد لحرب الرئيس بوتين في أوكرانيا، ووفقا لمكتب المرشد الأعلى، قال خامنئي لبوتين إن “الحرب عمل عنيف وشاق، والجمهورية الإسلامية لا تجد أي سعادة في وقوع الناس في الحرب. ولكن في حالة أوكرانيا، إذا لم تبادر أنت، كان الطرف الآخر ليفعل ذلك ويطلق شرارة الحرب”.
كما عقد الرئيس بوتين قمة ثلاثية ارتكزت على الشأن السوري مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ونظيرهما التركي الرئيس رجب طيب إردوغان الذي كان هو الآخر في العاصمة الإيرانية طهران.
جسدت أحداث ذلك اليوم تصميم بوتين على مقاومة مساعي معاقبة روسيا وعزلها بالاشتباك مع خصوم أمريكا مثل إيران وبلاد أخرى مثل تركيا ـ عضو الناتو ـ التي تعتبر تحالفاتها أشد تعقيدا.
مضى تأييد خامنئي إلى مدى أبعد كثيرا من الدعم الحذر الذي قدمه حليف أساسي آخر للروس هو الصين إذ تبنى زعم الرئيس بوتين بأن الغرب لم يترك للكرملين من خيار إلا أن يتحرك.
تلك كانت إشارة للعالم مفادها أنه في ظل ضرب أوروبا والولايات المتحدة حاليا لروسيا بعقوبات تضاهي العقوبات التي تخنق إيران منذ سنين، فإن العلاقة القديمة المشحونة بين موسكو وطهران قد تتحول إلى شراكة حقيقية.
قال علي واعظ المدير الإيراني لمجموعة الأزمات الدولية إن “روسيا وإيران لا تزالان غير واثقتين في إحداهما الأخرى، ولكن كلا منهما أحوج الآن إلى الأخرى من ذي قبل، فلم تعد هذه شراكة اختيارية ولكنها تحالف ضرورة”.
لقد حرصت روسيا منذ سنين ألا تقترب من إيران أكثر مما ينبغي، وإن اشترك البلدان في علاقة خصومة مع الولايات المتحدة وتعاونتا عسكريا بعد تدخل روسيا في حرب سوريا الأهلية. إذ أعاقت مساعي الرئيس بوتين لإقامة علاقات مع إسرائيل. لكن العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا غيَّر الحسابات.
فمع تزايد القطيعة مع الأسواق الغربية، تبحث روسيا في إيران عن شريك اقتصادي فضلا عن خبرة في الالتفاف على العقوبات.
وقعت شركة الطاقة الروسية العملاقة غازبروم صفقة غير ملزمة بقيمة أربعين مليار دولار للمساعدة في تطوير حقول غاز ونفط في إيران بحسب ما أوردت تقارير إيرانية. ويقول مسؤولون أمريكيون إن روسيا تتطلع إلى أن تشتري من إيران طائرات مسيرة مقاتلة إيرانية تحتاج إليها احتياجا ماسا لاستعمالها في أوكرانيا، وهي مسألة لم يتم التطرق إليها علنا في اجتماعات الثلاثاء.
واستباقا لزيارة بوتين، قال المتحدث باسم الكريملين ديميتري إس بيسكوف لمذيع إيراني إن إيران وروسيا قد توقعان عما قريب معاهدة تعاون استراتيجي من شأنها توسيع تعاونهما المالي والمصرفي. واستدعي العلاقات الدبلوماسية القائمة بين روسيا وفارس منذ القرن السادس عشر لتهيئة المشهد لما وعد بأن يكون عصرا جديدا من الصداقة بين طهران وموسكو.
بدأ التودد بين البلدين حتى قبل بدء الحرب في الرابع والعشرين من فبراير حين كانت التوترات تتصاعد بين روسيا والغرب. ففي يناير سافر الرئيس الإيراني رئيسي إلى موسكو، وفي الشهر الماضي التقى الرجلان مرة أخرى في قمة إقليمية في تركمانستان حيث سعى الرئيس الروسي إلى ترسيخ الدعم من بلاد بحر قزوين.
وفي لقائه مع رئيسي يوم الثلاثاء للمرة الثالثة قال بوتين إن علاقات البلدين “تتطور بإيقاع طيب” في الاقتصاد والأمن والشؤون الإقليمية. وقال إنه ورئيسي قد اتفقا على تقوية التعاون في الطاقة والصناعة والنقل وزيادة استعمال العملتين الوطنيتين ـ بدلا من الدولار الأمريكي ـ في ما بينهما من تبادل تجاري.
وصرح الرئيس الإيراني بمثل ذلك. إذ قال لبوتين ـ بحسب ما ورد في تفريغ الكرملين للتصريحات إن “كل شيء يتطور بسرعة كبيرة، بما في ذلك ما يتعلق بعلاقاتنا الثنائية”.
وقال المرشد الأعلى خامنئي إن “التعاون القديم بين إيران وروسيا ذو فوائد عميقة لكلا البلدين” ودعا إلى تنفيذ العقود المؤجلة بين البلدين ومنها عقود في قطاع الغاز والنفط.
وفي البيان الصادر عن مكتبه، وصف المرشد الأعلى حلف الناتو بـ”الكيان الخطير” وكرر كلام بوتين بأن الغرب كان متأهبا لبدء حرب مع روسيا لمساعدة أوكرانيا في استرداد شبه جزيرة القرم التي احتلتها روسيا في عام 2014.
قال خامنئي “حين يكون الطريق واضحا أمام الناتو، فإنهم لا يعرفون حدودا. ولو لم يتم إيقاف أوكرانيا، لكانوا بدأوا الحرب نفسها، متذرعين بالقرم”.
من السابق لأوانه كثيرا القول بمدى قدرة إيران على مساعدة روسيا في الحفاظ على اقتصادها وسط ضغط العقوبات الغربية، أو ما إذا كان بوسع التنافس في سوق الطاقة العالمي أو تعارض المصالح السياسية أن يعرقلا شراكتهما.
ففي الوقت الذي تسعى فيه روسيا للبحث عن مشترين جدد لنفطها للالتفاف على العقوبات، فإنها على سبيل المثال تقتطع من الحصص السوقية لاثنين من حلفائها ـ هما إيران وفنزويلا ـ وتستهل حرب أسعار قد تضير البلاد الثلاث جميعا، حسبما قال مشاركون في السوق لنيويورك تايمز أخيرا.
وحتى مع سيطرة حرب أوكرانيا على لقاءات الثلاثاء الماضي، خيَّم صراع آخر بقوة: وهو حرب سوريا، إذ تهدد تركيا بشن هجمة عسكرية جديدة على مدينتين سوريتين شماليتين تستهدف فيهما مقاتلين أكرادا تعدهم إرهابيين.
وصف إردوغان العملية المحتملة بأنها وسيلة لتأمين الحدود التركية من المقاتلين الأكراد وإيجاد منطقة قد يرجع إليها ملايين اللاجئين السوريين الذين تدفقوا على تركيا عابرين الحدود في فترة الحرب.
وقد حذر خامنئي يوم الثلاثاء إردوغان من تنفيذ عملية كهذه. وقال له في لقاء منفصل إن أي هجمة عسكرية على شمالي سوريا قد تلحق ضررا بتركيا وسوريا والمنطقة برمتها.
على مدار ما يزيد على عقد من الحرب الأهلية في سوريا، كانت إيران وروسيا الحليفين الدوليين الصلبين للرئيس السوري بشار الأسد.
وجاء في رسالة نشرها حساب المرشد الأعلى في تويتر يوم الثلاثاء بالتوازي مع صورة له في اجتماعه بالزعيم التركي إنه “لا بد قطعا من مواجهة الإرهاب، ولكن لن ينتفع إلا الإرهابيون من أي هجمة عسكرية على سوريا”.
لم يتراجع إردوغان، علنا على الأقل. وقال إثر الاجتماع إن “قتالنا للجماعات الإرهابية سوف يستمر في كل مكان. وإننا نتوقع من روسيا وإيران دعم تركيا في هذا الكفاح”.
وقال بوتين إن الدول الثلاثة اتفقت على إعلان مشترك للعمل معا من أجل “تطبيع الوضع” في سوريا. وأوضح أن هذا يعني بالنسبة له القضاء على أي تدخل غربي في البلد وضمان استتباب الامن.
وقال إن “السياسات الهدامة التي تتبعها بلاد الغرب بقيادة الولايات المتحدة” تهدف إلى “تقطيع أوصال الدولة السورية”.
