عندما قرر برلمان نيوزيلندا في ديسمبر 1989 اعتماد معدل 2% هدفًا للتضخم المطلوب لم يعترض أي عضو من أعضائه على ذلك ربما بسبب حرص المشرعين النيوزيلنديين على العودة إلى بيوتهم لقضاء عطلة عيد الميلاد. التوصل إلى هذا الرقم (2%) وهو أول هدف رسمي لمستوى التضخم المرغوب يتبناه بنك مركزي لم يكن ثمرة نقاش اقتصادي مستفيض بل يعود أصلًا إلى ملاحظة أدلى بها عفوَ الخاطر وزير مالية نيوزيلندي سابق. كان الوزير وقتها قد اقترح أن يستهدف البنك المركزي الذي أوشك على نيل استقلاله «السياسي» معدل 0% أو 1% للتضخم.
استخدم محافظ البنك المركزي ووزير المالية تلك الملاحظة كنقطة انطلاق قبل أن يختارا بعد تمحيص معدل يتراوح بين 0% و2%. وبمرور الوقت صار معدل 2% معيارًا للتضخم المستهدف في بلدان العالم الغني.
هل يجب تعديل هذا المعدل (2%) العشوائي نوعًا ما؟ قد يبدو هذا السؤال فظًا بعض الشيء حين تفشل البنوك بهذا الشكل الصارخ في تحقيق معدلات التضخم التي تستهدفها في الوقت الحالي. فعلى سبيل المثال يتراوح المعدل السنوي للتضخم في أمريكا وبريطانيا ومنطقة اليورو حوالي 9%.
تجربة «الاستهداف المرن لمتوسط التضخم» التي خاضها بنك الاحتياط الفدرالي تزامنت مع سماح البنك للتضخم بالخروج عن السيطرة. (تفرض استراتيجية الاستهداف المرن على البنك تحقيق معدل تضخم يبلغ في المتوسط 2% خلال إطار زمني غير محدد بصفة رسمية – المترجم).
مع ذلك من الممكن أن يساعد رفع معدل التضخم على الحيلولة دون عودة البلدان الغنية إلى مشاكل وتعقيدات انخفاض التضخم، وانخفاض النمو الذي ساد على مدى عشرة أعوام بعد الأزمة المالية العالمية، لذلك تستحق هذه الفكرة أن ينظَر فيها.
ارتفاع التضخم مؤلم، فهو يقوض وظيفة النقود سواء بوصفها وحدة للحساب، أو مخزنًا للقيمة حتى إذا واكبت الأجور الزيادة في الأسعار، وحافظت بالتالي على القيمة الحقيقية لدخول العاملين (لم تتآكل بفعل التضخم – المترجم) يترتب على تقويض وظيفة النقود أن العقود التي تبرم في لحظة زمنية معينة تفقد قيمتها بسرعة، وتعيد توزيع الدخل والثروة عشوائيًا بين المشترين والبائعين أو بين الدائنين والمدينين. وبسبب التضخم تصبح قرارات الاستثمار والادخار في الأجل الطويل أقرب إلى المقامرة، كما تجسِّد ذلك حالةُ تركيا، فالتضخم هناك تراوح عند حوالي 80%.
مع ذلك لانكماش (انخفاض) الأسعار تكاليفه الخاصة به، فما يقلق حائزو قروض الرهونات العقارية والحكومات على السواء أنه يرفع القيمة الحقيقية للديون، وهو ما يمكن أن يولِّد ركودًا يغذي نفسه بنفسه مع استمرار تدني الدخول قياسًا إلى مدفوعات الديون. هذا يفسر سبب استهداف البنوك المركزية معدلًا منخفضًا ولكن إيجابيًا للتضخم.
من الصعب تحديد الرقم المنخفض، ولكن الإيجابي المرغوب لمعدل التضخم، فهل 2% أفضل في الواقع من 3% أو 4% على سبيل المثال، أم أن معدل 2% مدين بمكانته السامية إلى العُرف فقط؟
الضرر النسبي الذي تسبب فيه الارتفاع الحاد أو المتسارع للأسعار قد يكون بالغ الوضوح، لكن الاقتصاديين صارعوا لتحديد الاختلافات في التكاليف المترتبة على الاقتصاد من معدلات تضخم متدنية ومختلفة وثابتة.
يشير آدم بوزن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي (وهو مركز أبحاث في واشنطن) إلى أن فترة العشرين عامًا التي شهدت معدلات تضخم شديدة الانخفاض، وانتهت مؤخرًا لم تحقق قفزة إيجابية في الإنتاجية، أو تأتي بأي تغيير في السلوك الادخاري باستثناء ما كان ردَّ فعلٍ للأزمة المالية العالمية.
في حال كانت تكاليف معدل التضخم المعتدل في ارتفاعه قليلة من الممكن أن تكون الفوائد كبيرة نوعًا ما، وهي أساس يمكن أن تساعد مسؤولي البنوك المركزية على تجنب ما يسمى الحد الأدنى الممكن لسعر الفائدة الاسمية. (أو سعر الفائدة السالب، وعند بلوغ هذا الحد الأدنى لن يكون بمقدور البنك المركزي استخدام سعر الفائدة لحفز الاقتصاد إذا واصل أداءه الضعيف – المترجم).
أسعار الفائدة لا يمكنها أن تتراجع إلى أقل من الصفر؛ لأنها إذا حدث ذلك، تخاطر بتقويض النظام المصرفي، فالمودعون يمكنهم دائما تفضيل «تصفير» حساباتهم التي تحصل في الواقع على سعر فائدة يساوي صفرًا والاحتفاظ بدلًا عن ذلك بأموالهم نقدًا.
أيضا يحدُّ ذلك من نجاعة أسعار الفائدة السلبية، فبعد الأزمة المالية العالمية فرضت بعض البنوك المركزية أسعار فائدة سلبية بقدر طفيف على احتياطيات البنوك التجارية، لكن لم تكن لدى المقرضين قدرة تذكر على تمرير أسعار الفائدة هذه إلى زبائن التجزئة. عدم فعالية أسعار الفائدة السلبية شجَّع البنوك المركزية على تبني سياسات (نقدية) غير تقليدية كسياسة التيسير الكمي.
رفع معدلات التضخم المستهدف حلٌّ مختلف لمشكلة الحد الأدنى الممكن لسعر الفائدة الاسمية، إذا كان الناس يتوقعون من البنك المركزي توليد المزيد من التضخم في المستقبل يمكن حينها أن يكون سعر الفائدة الحقيقي سلبيًا ومحفزًا للاقتصاد حتى بدون الحاجة إلى خفض أسعار الفائدة الاسمية إلى ما دون الصفر.
لذلك السماح بمعدل تضخم أعلى بقدر معتدل في الأوقات العادية، قد يجعل من السهل للبنك المركزي تعزيز الاقتصاد عندما تحل المتاعب.
فرصة تجنب اللجوء إلى الحد الأدنى الممكن لخفض سعر الفائدة أو سعر الفائدة السالب ليست شيئًا بسيطًا، وعلى الرغم من جولة تشديد السياسة النقدية الحالية يظل الخطر ماثلًا ببقاء أسعار الفائدة عند معدل منخفض نسبيًا.
فالعوامل طويلة الأجل التي كانت تؤثر على أسعار الفائدة قبل الجائحة لا تزال قائمة، مثل شيخوخة السكان وانخفاض نمو الإنتاجية. وقد يفيد في الأجل القصير رفع معدل الفائدة المستهدف الآن.
يتطلب خفض التضخم المستمر في ارتفاعه دون هوادة تهدئة نشاط الاقتصاد، تنطوي هذه التهدئة عمومًا على رفع معدل البطالة، فكلما كان معدل التضخم المستهدف أقل ارتفع معدل البطالة الذي يتوجب على البنوك المركزية استهدافه لخفض التضخم إلى ذلك المعدل المطلوب. وإذا كانت التكاليف المترتبة عن تثبيت التضخم عند معدل يساوي 3% لا تختلف عن تكاليفه عند معدل 2% ستكون البنوك المركزية قد ولَّدت بطالة إضافية مقابل فائدة ضئيلة.
تجربة العام الماضي أوضحت في جلاء أن الناس يبغضون التضخم، لقد وجهت انتقادات شديدة إلى وزارات المالية (المسؤولة عن السياسات المالية)، والبنوك المركزية (المسؤولة عن السياسات النقدية) لفقدانها السيطرة على ارتفاع الأسعار، وقد يعطي تغيير المعدل المستهدف للتضخم الآن الانطباع بالتخلي تمامًا عن معركة السيطرة على الأسعار. القصد من استهداف معدل محدد للتضخم، هو تثبيت توقعات الناس حول الزيادة في الأسعار، وقد يقوض تغيير المعدل المستهدف هذا الهدف بإيجاده توقعات وسط الناس برفعه مجددًا عندما يتسارع التضخم في المرة القادمة.
من المرجح أن تمنع مثل هذه الاعتبارات أي إصلاحيين محتملين للسياسة النقدية من تغيير معدل التضخم المستهدف طالما ظل التضخم الفعلي بعيدًا عنه إلى هذا الحد، لكن حين يصل التضخم إلى ذروته قد تبدأ عوامل محددة في جعل فكرة رفع معدلاته المستهدفة أكثر إغراء. تتمثل هذه العوامل في الحفاظ على قدر من صدقية البنوك المركزية، والمعاناة التي تنجم عن المزيد من إجراءات خفض التضخم، والتخلص حقًا وفعلًا من الحد الأدنى الممكن لسعر الفائدة الاسمية.

