
عمّان في 5 يوليو / العُمانية / تُوجِّه القاصة الأردنية بيان أسعد مصطفى في مجموعتها “أنفاس”، الأنظار إلى تفاصيل دقيقة من مشاهد الحياة اليومية، التي يعيشها معظم الناس، في جانبيها الشخصي والعام.
وتتسم المجموعة الصادرة مؤخرًا بدقة الوصف، وتجسيد التفاصيل النفسية التي قد لا يُلتفت إليها في زحمة الحياة اليومية التي يكابدها أبطال القصص، وهم أبطال يعبّرون عن شخصيات واقعية يمكن أن يجدها القارئ في أيّ مكان.
وتتنوّع في القصص الخلفيات المكانية التي تحتضن الأحداث؛ لتشمل الأماكن الطبيعية والفضاءات المفتوحة، والمساحات العامة كالشوارع، ومواقع العمل، والبيوت بما تشتمل عليه من أبواب ونوافذ، وجدران أيضا.
تقول بطلة إحدى القصص: “من بعيدٍ كنتُ أطالع هذين المشهدين على جبلين متقابلين أمامي، أرسم أحداثهما دون أن أسمع أصوات أيّ منهم؛ على الجبل الأول ذلك الراعي يتبع عشرة خراف، يُصلح لها طريقا، يسوّي نفسه على طيبة متجرّدًا من أيّ غرور يعاكس توجه هذه الأرض وهذه الطبيعة الخضراء، بثيابه القديمة وحطَّته المثبتة على كيفية واحدة. دائمًا ما أرى كلّ الرعاة بقسمات الوجه نفسها، إنهم يشبهون بعضهم بعضًا إلى حد يجعلهم متفرّدين ومتميّزين عن سواهم، وكأنّ الله خلقهم في وقت واحد وحدهم بشكل واحدٍ ثم قسّمهم علينا”.
ويصف مشهد آخر حالة الضيق المكاني والمعنوي التي يعانيها بطل القصة: “في سريره المشرئبّ كأعمدة المشانق يضمُّ ذراعيه بين رجليه ويحني ظهره الذي يزداد تقوسًا كلما مرّت سنة. يغطيه لحاف قد اهترأ من أشعة الشمس. شَعره المنكوش الذي يعدّه أصدقاؤه صفة جمالية لموسيقي سيشتهر من موهبة ضعيفة لم يصقلها وكان يغفو في حصصها التي حضرها من أجلها. شعره يغطي وسادته كتلك الأوراق الكثيرة المسطّرة بالنوتات التي غطت أرضية غرفته، وكريش ذلك الطائر التي اشتراه أمس من صديقه إذ خاف أن يرميه من النافذة بسبب صوته الأجشِّ الأشبه بزجاجٍ يحتك بحائط كما قال”.
وتراوحت قصص المجموعة بين القصيرة والقصيرة جدّا، واتّسمت لغة الكاتبة فيها بالسلاسة. ورغم أن القضايا المطروحة فيها تنوّعت في إطارها الجندري، إلّا أن الطابع الأنثوي بدا أكثر ظهورا، واتّسمت المعالجات الفنية التي اعتمدتها الكاتبة بقدرتها على فهم العالم الأنثوي وخلجاته.
وتقول بطلة إحدى القصص في مشهد تصف فيه امرأة أخرى: “هناك شيء ما تفكّر فيه المرأة الوحيدة أمامي، شيء يشبه الصمت الذي يسبق أيّ شيء خطير ووجيز، كالطريقة المناسبة للانتحار أو تحليل خاص بها للأوضاع السياسية الحالية؛ من الطريقة التي تنفث بها الدخان، فيصعد عاليًا جدًا كدخان القطار وكثيفًا كأنه أجزاء نفسها العميقة، لولا أن ضحكت أثناء الاتصال الهاتفي، أحدثت ضحكتها صخبًا هزّ المقهى، وعدنا إلى بعضنا بعضًا؛ كلٌّ شاردٌ فيه إلى أبعد حد!”.
/العمانية / 174
