
مسقط في 5 يوليو / العمانية / يتضمّن كتاب “سيمياء: مقالات في الثقافة وعلاماتها” للباحثة العمانية د.عائشة الدرمكية، مجموعة من المقالات التي نشرتها في صفحة “سيمياء” في مجلة “تراث” الصادرة عن نادي تراث الإمارات في أبو ظبي ما بين عامي 2014 و2020.
وتقدّم المقالات التي جُمعت في كتاب صدر عن “الآن ناشرون وموزعون” بعمّان (2021)، مقترحات لتأويل الثقافة وعلاماتها بدءًا من الإنسان (العلامة) وعلاقته بجسده وذاته، وليس انتهاءً بتلك الدالّة على الحواس والأهواء؛ تلك العلامات التي ينتجها بصريًا أو حسيًا.
وترى الباحثة في الفصل الخاص بـ”شيفرة الثقافة وقدرتها” أن الثقافة المجتمعية لا تنتَج خارج سياق التفاعل مع الثقافات الأخرى، وأننا قد نبالغ إذا قلنا إن هناك مجتمعًا صافيًا يحمل ثقافة وطنية؛ لأن الثقافة الوطنية في الأصل قائمة على تطوُّر معرفي للإنسان الذي يصنعها ويشكّلها.
وتشير في سياق متصل إلى أن سيميائيات الثقافة متنوّعة، بحيث تشكّل الفضاء السيميائي المعقّد والمركّب الذي تشغله الثقافة عامة، ومن هنا يمكن التعامل مع مجموع الثقافة بوصفها نصًا أو خطابًا له أبعاده ودلالاته ضمن قصديات مختلفة، لذا فإنّ هذا النص المركب سيتفرّع إلى نصوص متناسلة ومنقسمة بطريقة تراتبية ومتسلسلة؛ أي أنّ كل نص ثقافي سينقسم إلى مجموعة نصوص، ويتفرّع كلّ نص بدوره إلى نصوص أخرى، وهكذا ستكون لدينا منظومة من النصوص المتناسلة.
وفي الفصل الخاص بـ”التنمية الثقافية وسلطة الانفتاح”، ترى الدرمكية في كتابها الذي يقع في 320 صفحة، أنّ الثقافة المجتمعية يُنظر إليها اليوم بوصفها امتلاكًا لثقافة شعبية منظمة وأخرى جماهيرية وثالثة نخبوية، وأنّ المنتج الثقافي المجتمعي يُنظَر إليه بوصفه منتوجًا وطنيا؛ لأن تلك الثقافات كلها تنضوي ضمن الكيان الواحد الذي يتأسس عليه المجتمع في صيرورة الثقافة وتشكُّلها وتطوُّر معطياتها، ومعنى هذا أنّ الهويات المجتمعية اليوم في طريقها للذوبان والتماهي في الهوية الكونية التي لا تحمل خصائص وسمات خاصة بمجتمع بعينه لأنها هوية عامة جامعة؛ وهذا التماهي أو الذوبان – بحسبها – حتميّ لأنه لا يحتاج لقرار إداري أو حتى سياسي.
وترى الباحثة في الفصل المعنون بـ”كون الذات وإغواء الجسد” أنّ الذات الإنسانية تنتقل ما بين “التشييء” و”التحرر” وفقًا لنوع السلطة والسيطرة في تلك العلاقات بين الذات والآخر، أي بين كينونة ما يحيط بنا وكينونة خبرتنا، وهو ما يُطلق عليه “تايلر”: “التفكير الانعكاسي والوعي الذاتي”، وهذا ما يجعل الذوات السلطوية تجنح إلى التملك والتجريد، وهو الأمر نفسه الذي يجعل الذوات الفكاهية تبدو متوترة ومندفعة عند الحديث مع الآخر الغريب الذي لا تُعرف ردة فعله من الفكاهة أو المزاح، وهو ما يحيل إلى البُعد القصدي في انتقال المعارف والمهارات وحتى المشاعر؛ فالقصدية هنا تتأتى ضمن خطاب الأنا مع الآخر القائم على الخبرة.
وفي الفصل الخاص بـ”سلطة الحواس وشيفراتها”، ترى الباحثة أنّ الإشارت والطقوس والرموز والشِّفرات الاجتماعية تتنوّع وتتعدد لتشكّل الثقافة المعينة المحددة، والتي تحدد التفارق الاجتماعي الشكلاني الذي سيحدد بعد ذلك هُوية كل مجتمع على حدة وتميّزه عن سواه من المجتمعات، متوقفةً عند تناول “تودروف” للحركات الجسمية التي تظهر على الوجه للتعبير عن حالة الجسد، ومتخذةً شاهدًا توضيحيًا بارزًا في المجتمع، هو “المصافحة” بين الرجال أو النساء وطرائقها في كل محافظة على حدة، بل أحيانًا بين القرية والأخرى، أو طرائق الجلوس للأطفال أو الرجال أو النساء.. وهو ما يكشف أن تلك الحركات الجسمية أو الشِّفرات المجتمعية إنما تحمل هُوية جديرة بالرصد والدراسة والتحليل.
وفي الفصل الخاص بـ”إحساس الأهواء وفتنتها”، ترى الباحثة أنّ الحب بوصفه موضوعَ قيمة لا يمكن استبدال أيّ موضوع قيمي آخر به؛ لأنه أساس للحضارة الإنسانية الذي يجعلنا لا نقبل الكره ولا البغض ولا القتل، مؤكدة أنه الموضوع الذي يجعلنا نقبل الآخر كما هو، ونحبه من حيث لا ندري، أي بلا تفسير ولا تدليل.
وفي سياق متصل تقول الدرمكية إننا إذا أردنا أن نتحدّث عن الرغبة بوصفها فعلاً له أبعاده المعرفية والنفسية للذات (الفرد)، وله أبعاده المعرفية والتاريخية الجمعية للمجتمع كله، فإنّ علينا ألّا نغفل دور البيئة والمحيط الاجتماعي والديني في تشكيل تلك الرغبات وتوجيهها، فعلى الرغم من أنها فطرية بيولوجية إلا أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتراث المعرفي لدى الجماعات.
والرغبة – بحسب الكاتبة – ليست مجرد هوى فطري، وإنما هوى له تاريخه المعرفي والثقافي الذي نجده في تراثنا ضمن أبعاده النفسية والاجتماعية، غير أن ما نحتاجه “دراسة تلك الأنساق التي تشتغل ضمنها الأهواء بوصفها الثقافي الذي يمثل هُوية المجتمع وتحليل تلك السياقات المعرفية التي تشتغل عليها”.
وتتناول الباحثة في الفصل المعنون بـ”الفضاء وأمكنة العبور” دور المكان في الأدب، فهو ليس مجرد خلفية للأحداث والذوات وحسْب؛ لأن العناصر المكانية تشكّل علاقات متجانسة أو متضادة مع بعضها بعضًا من ناحية، ومع عناصر النص الأخرى من ناحية ثانية، بالإضافة إلى أن المكان يشكّل قيمة دلالية خاصة في منظومة النص اجتماعيًا ونفسيًا ووطنيًا وقوميًا؛ فعلاقة الإنسان مع المكان تتكوَّن وتتمحور في إطار الخبرة المباشرة، والإدراك الحسي، والارتباط الوثيق من لحظة الولادة حتى الممات.
وتشير الدرمكية إلى أنّ فكرة الأمكنة اليوم ليست كما وصفها أرسطو في مقولاته أو في كتاب الطبيعة، إنها تتوسع وتتخذ أشكالاً متنوّعة في ظل التغيّرات التقنية الهائلة التي يشهدها العصر؛ فنحن نتنقل من مكان إلى آخر افتراضيًا عبر شبكات وقنوات عدة؛ لأنّ الأمكنة بوصفها فكرة ليست نظامًا مرجعيًا وحسب، بل اكتسب طابعًا نسبويًا ينتقل عبر تنظيم خَطّي مشكّلاً إحداثيات لبنية جديدة عبر نظام الحركة، فهنا مكان وهناك مكان آخر سواء أكنَّا نتحدث عن مكان واقعي أو افتراضيّ.
وتدلل الباحثة على فكرتها هذه من خلال الحديث عن “سوق مَطْرح” الذي يشكّل ذاكرة شعبية للإنسان العُماني، فهو ليس سوقًا للبيع وحسب، بل أروقة للّقاءات الاجتماعية والتجمعات التي قدمت هُوية وطنية على مرَّ السنوات؛ حيث نظَّم مجموعة من الأنواع الاجتماعية والثقافية بأشكال فنية عدة، لا تمثل ذاكرة بصرية وحسب، وإنما أيضًا ذاكرة خاصة بالرائحة وعبق اللبان والبخور التي تربّى عليها الإنسان العُماني وسط حكايات التجّار والمتجوّلين، والبحّارة الذين ترسو سفنهم على الميناء.
وفي الفصل الأخير “صوت الزمان وفكرة الصورة”، ترى الباحثة أنّ فكر الصورة له أبعاد معرفية وتقنية تقوم على السنن الإدراكية التي تتحكم في الأيديولوجية التمثيلية للمتلقي؛ فكثير من اللوحات والنحوتات والنقوش وغيرها من الأنواع المرئية تشكّل تاريخ أمة ماضية وفكرًا فلسفيًا تأويليًا من قِبَل منتجيها، لهذا علينا دومًا إعادة النظر في تلك الفلسفات والأيديولوجيات التي أنتجتها لتكون نافذة ننظر من خلالها إلى الخارج الزمني البعيد أو القريب عبر إطار مستطيل ننفذ منه إلى عمق فضائي معرفي.
وتتحدث الدرمكية في هذا الفصل عن الفرجة ولفت الانتباه الذي يتأسس عليه الإشهار، وترى أن الخطاب الإشهاري يعتمد على الدوام على الإقناع بوصفه البوابة التي ستوصله إلى المستهلك؛ فالإشهار لا يقوم على إبراز القيمة الاستهلاكية وحسب، بل أيضًا على الدلالة والقيمة الاجتماعية التي يوظفها صاحب الإشهار بوصفها سبيلاً للإقناع.
/العمانية / 174
