في الدراسة الشاملة للتشريع الجنائي الإسلامي للمؤلف الشهيد عبد القادر عودة، مقارنة بالقوانين الوضعية حيث تطرقنا إلى بحث بعض المبادئ والنظريات العامة في الشريعة والقوانين، وبيان وجوه الخلاف والوفاق بينهما، وتبيان مواطن الضعف والقوة، بين الحقبة التي صدر فيها الكتاب، والعصر الحالي، بما يتضمن بكل تأكيد الأحكام الشرعية التي كانت السبّاقة في تبيان كل الجوانب ومراعاتها في الجنايات منذ قرون وإلى يومنا هذا.
وبالدخول إلى صلب الموضوع في تبيان جانب ارتفاع المسؤولية الجنائية التي تتطلب تحقيق أمور ثلاثة: إتيان فعل محرم، وأن يكون الفاعل مختاراً، وأن يكون مدركاً، وبتوافر هذه الأمور، تتوفر المسؤولية الجنائية، وإذا انعدم أحدها لم يعاقب الجاني على فعله، على أن عدم العقاب لا يرجع في كل الحالات إلى سبب واحد بعينه، فإذا لم يكن الفعل محرماً فلا مسؤولية إطلاقاً؛ لأن الفعل غير محرم، والمسؤولية لا تكون قبل كل شيء إلا عن فعل محرم، وإذا كان الفعل محرماً ولكن الفاعل فاقد الإدراك او الاختيار فالمسؤولية الجنائية قائمة، ولكن العقاب يرتفع عن الفاعل لفقدانه الإدراك أو الاختيار، بالتالي، ترتفع المسؤولية إما لسبب يتعلق بالفعل، وإما لسبب يرجع للفاعل، وفي الحالة الأولى يكون الفعل مباحاً، وفي الحالة الثانية يبقى الفعل محرماً، ولكن لا يعاقب على إتيانه.
لكن ما هي أسباب الإباحة في الشريعة الإسلامية؟
يباح الفعل المحرم في الشريعة الإسلامية؛ لعدة أسباب ترجع، إما لاستعمال حق، وإما لأداء واجب، فاستعمال الحقوق وأداء الواجبات هو الذي يبيح إتيان الأفعال المحرمة على الكافة، ويمنع من مؤاخذة الفاعل؛ لأن الشريعة جعلت له حقاً في إتيان الفعل المحرم أو ألزمته بإتيانه فأباحت له بذلك إتيان ما حرم على الكافة، وترتفع العقوبة عن الفاعل لأربعة أسباب هي: الإكراه، السكر، الجنون، صغر السن، وفي هذه الحالات الأربع يرتكب الجاني فعلاً محرماً ولكن العقوبة ترتفع عنه، لفقدان الاختيار أو الإدراك.
بالتالي، الشريعة تُعفي من العقاب، رغم استحقاق الجاني له، ويعتبر هذا الإعفاء استثناء من القاعدة العامة، ولعل الشارع يقصد من إقرار هذا المبدأ الاستثنائي تشجيع الجاني على التوبة في الجرائم الخطيرة والعدول عن الاشتراك فيها، خصوصاً وقد جاء النص المقرر للمبدأ بعد النص المقرر لعقوبة جريمة الحرابة، وهي من أخطر الجرائم، ومن المسلم به أن هذا النص ينطبق على جريمة الحرابة، أما ما عداها من جرائم الحدود فمختلف عليه، ولا شك أن المبدأ الذي جاء به النص يمكن تطبيقه على بعض جرائم التعازير إذا رأى أولو الأمر مصلحة في ذلك.
قانونياً، الأسباب واحدة بين الشريعة والقانون الوضعي، وحكم هذه الأسباب في الشريعة والقوانين واحد من حيث التكييف، فالشريعة تجعل استعمال الحقوق وأداء الواجبات مبيحاً للفعل فلا جريمة في فعل يستعمل حقاً أو يؤدي واجباً. وهذا هو نفس الحكم في القانون المصري وغيره من القوانين الوضعية الحديثة. والشريعة ترفع العقاب في حالات الإكراه والسكر والجنون وصغر السن، مع بقاء الفعل جريمة، وهكذا الحكم في القوانين. والشريعة تعفي من العقاب في بعض الجرائم الخطيرة من يتوب ويعدل عن ارتكاب الجريمة قبل القدرة عليه، وهكذا تفعل القوانين الوضعية الحديثة.
والفرق الوحيد بين الشريعة والقوانين الوضعية أن أسباب الإباحة وأسباب رفع العقاب والإعفاء من العقاب عرفت كلها في الشريعة الإسلامية من يوم وجودها؛ أي من مدة تزيد على ثلاثة عشر قرناً، وعرفت من أول يوم على الوجه الذي هي عليه الآن، بينما القوانين الوضعية لم تعرف هذا كله إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وفي القرن التاسع عشر، ولم تعرفه إلا سبباً بعد سبب وخطوة بعد خطوة.
وعليه إن تفصيل الفارق يتوجب شرح أسباب الإباحة، الأصل في الشريعة الإسلامية أن الأفعال المحرمة محظورة على الكافة بصفة عامة، لكن الشارع رأى استثناء من هذا الأصل أن يبيح بعض الأفعال المحرمة لمن توفرت فيهم صفة خاصة؛ لأن ظروف الأفراد أو ظروف الجماعة تقتضي هذه الإباحة، ولأن هؤلاء الذين تباح لهم الأفعال المحرمة يأتونها في الواقع لتحقيق غرض أو أكثر من أغراض الشارع، فالقتل مثلاً محرم على الكافة، وعقوبة القاتل عمداً القصاص؛ أي القتل، ولكن الشارع جعل تنفيذ هذه العقوبة من حق ولي الدم وذلك لقوله تعالى: (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل)، والجرح محرم على الكافة، كذلك الضرب، وهكذا استوجبت طبيعة الأشياء وصالح الأفراد والجماعة وتحقيق غايات الشارع، استوجب لكل هذا أن يعطى لبعض الأفراد حق ارتكاب الأفعال المحرمة على الكافة.
وإذا كان الفعل المحرم قد أبيح؛ لتحقيق مصلحة معينة، فقد وجب منطقياً أن لا يؤدي الفعل المحرم إلا لتحقيق المصلحة التي أبيح من أجلها، فإن ارتكاب الفعل لغرض آخر فهو جريمة، فالطبيب الذي يجرح مريضاً بقصد علاجه يؤدي واجباً كلف به فعمله مباح، ولكنه إذا جرح المريض بقصد قتله فهو قاتل وعمله جريمة.
وبما يتعلق بالحق والواجب، الأصل أن صاحب الحق له أن يستعمل حقه وأن لا يستعمله، فإذا استعمله فلا حرج عليه، وإن تركه فلا إثم عليه، فالحق إذن هو ما يجوز فعله ولا يعاقب على تركه، ويقابل الحق الواجب، وكلاهما يختلف عن الآخر في طبيعته، فإذا كان الحق يجوز فعله فالواجب يتحتم فعله، وإذا كان صاحب الحق لا يأثم بتركه ولا يعاقب على تركه فإن المكلف بالواجب يأثم بتركه ويعرض نفسه للعقوبة المقررة لترك الواجب.
وإذا كان الحق والواجب يختلفان في طبيعتهما، إلا أنهما يتفقان من الناحية الجنائية في أن الفعل الذي فعل أداء لواجبه أو استعمالاً لحق هو فعل مباح ولا يعتبر جريمة، والفعل الواحد قد يعتبر حقاً لشخص بعينه وواجباً على شخص آخر، فالقتل قصاصاً هو حق لولي الدم إذا باشره، ولكن الفعل نفسه واجب على الجلاد إذا تركت مباشرته له، والتأديب في مذهب أبي حنيفة هو حق للزوج والأب ولكنه واجب على المدرس والمعلم.
وللتفرقة بين الحق والواجب أهمية من وجهين: أولهما: وهو متفق عليه من الفقهاء: أن الحق لا يمكن العقاب على تركه وأن الواجب يمكن عقاب تاركه. وثانيهما، وهو مختلف عليه بين الفقهاء: أن الحق يتقيد بشرط السلامة وأن الواجب لا يتقيد بشرط السلامة؛ أي أن من باشر حقاً مسؤول دائماً عن سلامة المحل الذي باشر عليه الحق؛ لأنه مخير بين أن يأتي الفعل أو يتركه، أما من كان عليه واجب فلا يسأل عن سلامة محل واجبه؛ لأنه ملزم بتأدية الواجب وليس له أن يتخلى عنه، وهذا هو رأي أبي حنيفة والشافعي، أما مالك وأحمد فعندهما أن الحق كالواجب غير مقيد بشرط السلامة؛ لأن استعمال الحق في حدوده المقررة عمل مباح ولا مسؤولية على مباح.
ولمعرفة ما إذا كان الفعل حقاً أو واجباً بالنسبة لشخص معين ننظر هل يتحتم إتيان الفعل أم لا؟ وهل يعاقب على تركه أو يأثم لتركه أم لا؟ فإن كان يتحتم عليه إتيان الفعل فهو واجب، وكذلك إن كان يأثم بتركه أو يعاقب على تركه، أما إذا كان له أن يأتي الفعل أو يتركه دون أن يأثم أو يعاقب فالفعل حق بالنسبة له، وإذا حللنا الحق وجدنا أنه سلطة ذات حدود معينة تمنح لصاحب الحق على محل الحق، فحق التأديب يعطي المؤدب سلطة على محل التأديب وهو الزوجة مثلاً، أو الابن أو التلميذ، وإذا حللنا الواجب وجدنا أنه يعطي أيضاً للمكلف به نفس السلطة على محل الواجب، ويجعل مباشرة الواجب حقاً له على المحل، فواجب التأديب عند من يقولون بأنه واجب يعطي للمكلف بالواجب نفس سلطة صاحب الحق على التلميذ والابن، فالمكلف بالواجب هو في الواقع صاحب حق على محل الواجب ولكن ليس له أن يترك استعمال حقه، وهذا هو الفرق الوحيد بين صاحب الحق والمكلف بالواجب.
والحديث على استعمال الحقوق وأداء الواجبات يقتضي الكلام عن الدفاع الشرعي والتأديب والتطبيب، التي سنأتي على شرحها في أجزاءٍ قادمة.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان








