السادة الأشراف، “الآلوسيون”، الأسرة العريقة التي ضربت جذورها في أصالة النسب وحلية الأدب، الآلوسيون عائلة نذرت نفسها للعلم والحركة العلمية، ووهبت أنفس ما لديها من أجل رفعتها والنهوض بها.
ولأمانة النقل، ووجود أكثر من رواية حول مسقط رأس هذه العائلة العلمية العريقة، التي اخرجت لنا مفسّراً كبيراً من خلال تفسير “روح المعاني”، كتاب الإعجاز القرآني البلاغي، فلقد قيل إن الألوسي نسبةً إلى (ألوس)، بالقصر وهو ما رجحه المحقق الكبير بهجة الأثري، وهي قرية في الفرات قرب عانات، ورواية اخرى تقول إنها نسبةً إلى (آلوسة)، بحسب ما ورد في تاج العروس، ومعجم البلدان.
عاش الشيخ الألوسي معظم حياته في بغداد، (1217 – 1270)، حيث وقعت تلك الفترة بين مرحلتين سياسيتين هامتين هما العصر المملوكي ونهاية العهد العثماني لبلاد العراق، فبغداد عاصمة الرشيد ودار السلام ومنارة العلم والحضارة مرت منذ دخول المغول التتار إليها سـنة 656 هـ، بعصور مليئة بالآلام والجراح، ففي فترة الحكم العثماني عانت البلاد من عدم استقرار سياسي وشهدت الكثير من القلاقل ما بين الصوفيين والعثمانيين، رغم ذلك حافظ العراقيون على عاداتهم وتقاليدهم، من مجالسهم الأدبية إلى مبارزاتهم وحتى لباسهم وزيهم، لقد كانت بغداد عاصمة الحضارة والتقدم العلمي وكانت قبلة العلماء، وطلبة العلم يأمونها من كل أصقاع الأرض، زمن الخلافة العباسية، ولكن شمس الثقافة فيها كسفت وحركتها العلميـة ركدت بعد سقوطها في يد التتار المغولي حيث دمرت وخربت الكثير مـن المدارس وخزائن الكتب واستشهد الكثير من رجالات العلم والمعرفة، إلا أن هذه الخسائر والأضرار المادية والبشرية الجسيمة لم تؤد إلى توقف الحركة الفكرية، مما أدى إلى ظهور نشاط صوفي مميز حيث كثرت الطرق الصوفية وأصبح التصوف هـو التدين السائد، حيث تأثر به معظم الناس حتى العلماء ومن بينهم الشيخ محمود الألوسي، فقد دخل الطريقة النقشبندية (وتنسب إلى ولي االله شاه نقشبند محمد بهاء الدين( ٧١٧هـ – ٧٩١هـ ) الذي نشأ وعاش في الهند ومن هناك انتشرت في البلاد الإسلامية)، وهـذه الحالة من التجديد العلمي والنشاط الثقافي كان لها دعماً من قبل بيوت علم وأدب كثيرة أمثال آل السويدي وآل الحيدري وآل الألوسي وغيرهم، حيث كانت تعمل على نشر التعليم وجمع الكتب وإنشاء المكتبات وعقد المجالس الأدبية حيـث تـشكلت البـذرة الطيبـة في تكوين النهضة الفكرية التي بدأت معالمها في الظهور في القرن الثالث عشر الهجري، فقد شهدت هذه الفترة وما بعدها ظهور عدد كبير من العلماء وعلى رأسهم أبي الثناء الألوسي وحفيده محمود شكري الألوسي، والذين كانت على يدهم نهضة ثقافية عربية بحتة، حيث كان لهم الباع الأطول في علوم التفسير والفقه وأصول الفقه واللغة العربية.
وكما أشرنا في أول البحث، أن الشيخ الألوسي نشأ في كنف أسرة علمية عريقة، في الكرخ ببغداد مدينة السلام، وهو أبو الثناء شهاب الدين، محمود بن عبداالله بن محمود بن درويش بن عاشور، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، وبما أنه ولد في أحضان أسرة علمية، فإنه وجد العناية الفائقة منذ صغره مما كان له الأثر الحسن على حياته العلمية في مستقبله، فكان منزله قبلة للقاصدين، وقـد تفتحت عينا شهاب الدين فرأى أباه والعلماء من حوله فسار في طريقهم، وقد لاقى اهتماماً كبيراً من والده، فكان ذلك سـبباً مباشراً في نبوغه، هذا التتلمذ المبكر أخرج لنا موروثاً غنياً، فقد بلغت مؤلفات الشيخ الألوسي 21 كتاباً نريد منها في بحثنا هذا، (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني)، حيث يعتبر هذا الكتاب من أعظم التفاسير وأجلها قدراً، فقد مكث في تأليفه (17 عاماً)، ويعتبر تفسيره هـذا مـن أوسع التفاسير حيث أودع فيه جهد من سبقه من المفسرين، فكان بحق جامعاً لمدارس من سبقه منهم، وأبرز ما يميز الشيخ الجليل، هو محاربته للإسرائيليات حيث توسع حولها في كتابه، كذلك الجانب الفقهي كما أنه لم يغفـل فيـه الجانب البلاغي بل كان حاضراً عنـده في معظـم الآيـات القرآنية، ولأنه قرأ كل ما وصل له فاعتمد كما اشرنا على من سبقه من المفسرين، فنقل عن تفسير ابن عطية وابن حيان وتفسير الكشاف وأبي السعود والبيضاوي وتفسير الفخر الرازي، وغيرها من كتب التفسير المعتبرة حيث نصب نفسه حكماً عادلاً وناقداً ومدققاً، مبدياً رأيه بتجرد.
قد كانت مكانته العلمية عالية جداً فهو الذي أحيا النهضة العلمية في العراق، وذاع صيته واشتهر في سائر الأقطار بل أثر بعلمه في سائر الأمصار، إنها مكانة لم تكن لأحد من أقرانه في عصره وزمانه، فقد كان شهاب الدين الألوسي قبلة العلماء وطلبة العلم، وقد لمع وبرع شيخنا في مواطن علمية حساسة لم يكن أحد غيره مؤهلاً للبروز فيها، مما عزز له المكانة التي وصل إليها، ولقد شهد له شيخ الإسلام عارف حكمت بقوله: ( كلما بـالغتم في إكرام هـذا الرجل فهو بالنسبة إلى ما ينبغي له قل من جل)، تميز الألوسي بسرعة الفهم، واتساع الحافظة، وثبات الحفظ، يقول في هذا الشأن: (استودعت ذهني شيئاً فخانني، ولا دعوت فكري لمعضلة إلا وأجابني) وكان جاداً في تحصيل العلم، لا يبالى بما يصيبه فيه، ففي تفسيره الشهير اتبع منهج المتمكن الواثق حيث قدم كتابه بمقدمة مهمة، بين فيها منهجه، وحدد فيها سبب تأليفه له، وألمح إلى بعض مظاهر حياته، وجوانب شخصيته، ومما قال في المقدمة: (أما بعد، فيقول عيبة العيوب، وذنوب الذنوب، أفقر العباد إليه عز شأنه، مدرس دار السلطنة العلية، ومفتي بغداد المحمية، أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي عفى عنه، أن العلوم وإن تباينت أصولها وغربت وشرقت فصولها، واختلفت أحوالها فهي بأسرها مهمة).
لقد اهتم الألوسي بالتفسير بالمأثور بشكل عام وهو من المكثرين منه، وعندما فسر القرآن بالقرآن فإنه لا يعزو الآيات التي يفسر بها إلى سورها، ولكنه ينسب ما يذكره من أقوال إلى من قال بها من الصحابة ولكن ليس دائماً، لذا فإننا نجده أحياناً يفسره باجتهاده، وأحياناً نجده يذكر أكثـر مـن آية للدلالة على معنى معين، وعندما يفسر القرآن بالسنة النبوية عزو الحديث لكتب التفسير أحياناً وحيناً آخر إلى مظانه في كتب الحديث، وفي كلتا الحالتين يذكر الراوي الأعلى للحديث، وكما يستـشهد بالأحاديث الصحيحة فإنه يستشهد بالأحاديث الضعيفة ويترك الباب مفتوحاً لطلبة العلم لتصويبها ومن ثم إصدار الحكم، أما عند تفسيره القرآن بأقوال الصحابة والتابعين فإنه يعزو هذه الأقوال إلى كتب التفسير التي وردت فيها، ولكنه لا يفعل هذا دائماً فنجده أحياناً لا يعزوها إلى مظانها مطلقاً سواء كب التفـسير أو غيرها، مع ذكر اسم صاحب القول سواء كان صحابياً أو تابعياً.
في تفسير القرآن والسبع المثاني للشيخ الألوسي، جعل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو إذا ذكر عدة روايات لأسباب النزول فإنه لا يرجح بينها، كما ذكر القراءات الصحيحة مع الترجيح يبنها أحياناً، وترك الترجيح أحياناً أخرى، كما يذكر القراءات الشاذة، وذكر ان للقراءات تأثيراً على التفسير والإعراب، لكنه لم يتوسع في ذكر الآراء في الحروف المقطعة ولكنه يذكر أقوالاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأقوالاً لغيره، اللافت في كتابه أنه أكثر من الناسخ والمنسوخ في تفسيره وله تأثير على التفسير.
سلك الألوسي في تفسيره مسلك التفسير اللغوي، حيث يهتم بالتحقيقات اللغوية باعتبارها تفتح أوسع المجالات لفهم آيات الذكر الحكيم، اهتم ببيان موقع المفرد أو المركب من جملة الكلام، معتمداً على قواعد الإعراب واستعمالات البلاغة، جده إذا تكلم عن آيات الأحكام فإنه لا يمر عليها إلا إذا استوفى مذاهب الفقهاء وأدلتهم، مع عدم تعصب منه لمذهب بعينه. ونضرب له مثالا من بين الأمثلة التي وردت في تفسيره لقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، حيث يذكر مذهب الشافعية ومذهب الحنفية وأدلة كل منهما حيث يقول: (وبالجملة كلام الشافعية في هذا المقام قوي، كما لا يخفى على من أحاط بأطراف كلامهم، واستقرأ ما قالوه وتأمل ما دفعوا به من أدلة مخالفيهم)، كما يستهل الألوسي تفسير السورة بالكلام عنها هل هي مكية أم مدنية وعدد آياتها ثم يبين آياتها ثم يبين وجه مناسبتها للسورة التي قبلها، ويذكر أقوال العلماء في ذلك، مثلا سورة، هود يقول الألوسي: إنها مكية كما أخرج ذلك ابن النحاس في تاريخه، وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق ابن عباس، رضي الله عنه، وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير، ولم يستثنيا منها شيئا وإلى ذلك ذهب الجمهور. واستثنى بعضهم منها ثلاث آيات: (فلعلك تارك- أفمن كان على بينة من ربه- أقم الصلاة طرفي النهار) وروي استثناء الثلاثة عن قتادة.
واستعمل الألوسي الشعر في تفسيره كثيراً، ولو أراد باحث أن يتقصى ذلك وأن يحصره لضاق ذرعاً، ففي الكتاب عدد كبير من الأبيات الشعرية، وكان يذكر الشعر لأغراض مختلفة، فتارة يذكره لبيان معنى لغوي أو للاستدلال على قاعدة نحوية أو بلاغية، ونستشهد بجملة من الأمثلة تؤكد ذلك: (ونري هامان وفرعون وجنودهما)، قال: (يقال رأى موته بعينه وشاهد هلاكه) وعليه بعض المتأخرين، أبكاني البين حتى *** رأيت غسلي بعيني.
ولقد كان الألوسي حذراً جداً من الإسرائيليات، ويرد عليها، ويبطلها ويتهكم على من يذكرها، وكان الشيخ من المستفيدين من القصة القرآنية بيان قدرة االله عز وجل، أو بيان العبرة والعظة منها ولكنه لا يفعل ذلك دائماً، ونجده أحياناً يعقب على القصة وأحياناً أخرى لا يعقب، أما الأمثال في القرآن الكريم فكان لها منه نصيب حيث عرّفها وركز على بيان الحكمة من ضرب الأمثال في القرآن، وبيان العبرة والعظة وموطن الهداية.
كما أن موقف الشيخ الألوسي من الأساليب البلاغية والأسرار البيانية، فعلق على ذلك بقوله: (وأن من علوم اللغة التي يحتاجها المفسر علم المعاني والبيان والبديع)، فكما أشرنا الشيخ الألوسي يُعتبر من ألمع الأدباء المرموقين ذائعي الصيت، وهو من أبرز علماء الإسلام، وهو ممن حملوا لواء الدفاع عن هذه العقيدة علاوة على أنه علم لامع في شتى العلوم، وتفسيره روح المعاني بدون مبالغة مدرسة جديدة من مدارس التفـسير وهـي مدرسة الجمـع بـين ما سـبقه مـن مدارس التفسير، منطلقاً من التفسير بالمأثور مع أخذه بالتفسير بالرأي الجائز وغير ذلك من مدارس التفسير، كما تميز برسوخ علمه في القراءات القرآنية وغيرها من علوم القرآن، رافضاً الإسرائيليات كما ذكرنا آنفاً ومن المحذرين منها، ويرد بكل قوة على كل من خالف عقيدته من أصحاب الفرق المختلفة والتي تنكبت طريق الحق، مهتماً بالقضايا اللغوية خلال تفسيره فلا يكاد يخلوا موطن من تفسيره من القضايا النحوية أو البلاغية، متوسعاً في المسائل الفقهية دون تعصب لمذهب معين مع ترجيحه للراجح منها، وبكل تجرد لقد كان أبو الثناء الألوسي موسوعة علمية كبيرة، فالموروث الضخم الذي تركه كفيل بأن يشرح لنا قوة هذا المفسر العظيم، لقد قال عنه المحقق الكبير بهجة الأثري: (وآثار أبي الثناء تمتاز بالإحاطة والعمق واستقلال الفكر وحريته، مع روعة البيان وحسن الافتتان في صياغة معانيه وأفكاره، وقد جاوزت مؤلفاته العشرين، عدا فتاواه وترسلاته وأشعاره).
إن كتاب روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الذي جاء في 15 مجلداً و30 جزءاً على امتداد 17 عاماً أكبير التفاسير الموجودة حجماً، وأغزرها مادة وعلماً وضع فيها عصارة علمه ونفائس الأبحاث التي قلما تجدها عند غيره، فلقد أثنى عليه كل العلماء، ونعود للمحقق الكبير بهجة الأثري الذي قال فيه أيضاً: (هو طود العلم وعضد الدين، وفحل البلاغة وأمير البيان، وعين الأعيان، وإنسان عين الزمان، انفسحت في العلم خطاه، فأذعن له المحب والمغتاظ وأرزم سحاب، أدبه فروى الغياض والرياض، فهو ابن العلم وأبوه، وعم الأدب وأخوه، وله من المكانة الرفيعة والمقام المحمود، ما يغني عن الإشادة بذكره، والإطالة في إطرائه).
وقال فيه المؤرخ العراقي الشهير عباس العزاوي: (إن العصر الحديث في العراق يجب ان يسمى عصر الألوسي لأنه كان المصباح المضيء في كل اتجاه، حيث رفع الأسلوب العلمي بتأليفه المتشعب في النحو والفقه والتفسير والتاريخ، فكان أستاذاً كبيراً لمدرسة في التأليف)، وأما الزركلي قال عنه (مفسر محدث أديب من المجددين.. مجتهد)، وقد اعتمده العلامة محمد رشيد رضا في كثير من المباحث في تفسير المنار ووصفه بالنَّقاد.
من مؤلفات أبي الثناء، (حواشي شرح القطر لابن هشام، الطراز المذهب في شرح قصيدة الباز الأشهب، الأجوبة العراقية على الأسئلة الأهورية، نهج السلامة على مباحث الإمامة، زجر المغرور عن زجر الغرور، التبيان شرح البرهان في طاعة السلطان، الخريدة الغيبية في شرح القصيدة العينية، سفرة الزاد في سفرة الجهاد، الشجرة الفاطمية، غاية الإخلاص بتهذيب نظم ذرة الغواص، نزهة اللباب وغرائب الاغتراب، وغيرهم)، والمؤلف الأبرز روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، أصبح هذا التفسير طائر الذكر في البلاد الإسلامية وتعاليق الإكبار والإعجاب محلقة به في المشرق والمغرب.
أخيراً، يظهر جلياً أن “روح المعاني” تفسير استوفى كل شروط التفسير، فهو موسوعة تفسيرية صبت فيها جل التفاسير التي قبله، وقد كان الألوسي حريصاً على أن يكون تفسيره شاملاً وعاماً، وهو ما تحقق بفضل ملكته التفسيرية الرائعة التي تكونت نتيجة إطلاعه الشامل على كل ضروب اللغة والعلوم.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان
