يفيض العالم العربي والإسلامي بالمبدعين من السادة العلماء الذين كرّسوا حياتهم لغايةٍ واحدة هي نشر العلم من خلال دراسات أصيلة استحوذت على سنوات طويلة من عمرهم، وتركت لنا موروثاً ضخماً كان بحق من أمهات المصادر والمراجع لكل طالب علم في بقعتنا التي نعيش من العالم، أثّروا ولم يتأثروا إلا بالجيد والأصيل، جعلوا من القرآن المرجع الأساس لتكوين ثقافتهم التي شربوها منذ نعومة أظافرهم إلى حين توفاهم الله تعالى، إن قلنا حق لنا أن نفخر فهو أمر يجب أن يكون.
يطيب لي من هذه المقدمة البسيطة أن أواصل الإبحار في علوم السادة العلماء مما تركوه من إرثٍ عظيم، يستطيع الطالب أن ينهل من علومهم على اختلاف مشاربها، وعلى بساطة أدواتهم التي كانت بين أيديهم، رغم ذلك، خُلّدت أعمالهم، وخُلّدت أسمائهم، كانوا محور دراسة الشرق والغرب، من هنا، يطيب لي أيضاً أن أبحر في سيرة العالم الأزهري المصري، محمد بن عبد الله درّاز.
النشأة
ولد محمد بن عبد الله درّاز يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1894 في محلة دياي مركز دسوق، إحدى قرى دلتا مصر، وكان بيت أسرته بيت علم وخلق وورع، وكان والده من كبار علماء الأزهر، حفظ القرآن الكريم ولمّا لم يبلغ العاشرة من عمره، والتحق بالمعهد الديني في الإسكندرية عام 1905 ثم بالأزهر، وحصل على شهادة العالِمية عام 1916، وعيّن مدرّساً فيها، سافر عبد الله درّاز في البعثة الأزهرية إلى فرنسا عام 1936 حيث درس علم الاجتماع والفلسفة والتاريخ ومقارنة الأديان بجامعة السوربون، وحصل على الدكتوراه في الجامعة نفسها بمرتبة الشرف الممتازة عام 1947 عن رسالتيه “التعريف بالقرآن” و”الأخلاق في القرآن” باللغة الفرنسيّة. وطبع لاحقاً بعنوان “دستور الأخلاق في القرآن”.(1)
العالم الجليل درّاز، قلة من طلبة العلم المعاصرين من يعرفونه، فلابد من تسليط الضوء على أعماله ومنهجه وكتبه للتعريف به إكراماً منا له ولعمله النبيل وإرثه الذي تركه لنا على قلّته لكن كل عمل يوازي أضعاف مضاعفة لما فيه من دقة وحرفية ومهنية وأكاديمية قل نظيرها، ولعل أثمن ما تركه لنا، كتاب دستور الأخلاق في القرآن الكريم، والنبأ العظيم، ومدخل إلى القرآن، واتباعه منهج التأصيل بردّ الفكرة إلى أصلها، أو إيجاد أصل لها ضمن النظام المعرفي المعتمد في موضوع البحث، حيث تتضمن عملية التأصيل، توليد الأفكار الجديدة من أصولها وقواعدها، عن طريق الاستدلال الاستنباطي، أما مصطلح التأصيل الإسلامي، فهو واحد من عدد من المصطلحات التي ترتبط ببعضها فيما يكوّن حقلاً دلالياً واحداً، فالتأصيل الإسلامي لعلم الأخلاق أو القيم، وإسلامية علم الأخلاق، وأسلمة علم الأخلاق، والتوجيه الإسلامي لعلم الأخلاق.(2)
عاش العلاّمة دراز متفتح الفكر منذ طفولته، فقد تفتحت عيونه على القرآن الكريم، وعانى قساوة ظروف الرحلة في العلم، وأنهى حياته محاضراً بين علماء المسلمين، وكحال الكثير من العلماء هناك من عمد على تهميش هذا العالم خاصة فيما يتعلق بوعيه من الاستعمار، كما تم تصوير موقفه السياسي على النقيض من ثورة “الضباط الأحرار” في مصر، أضف إلى ذلك حصر معركته ضد الاستشراق في حدودها الفكرية والعلمية، وهذا يعني أن فكره كان مقاوماً للاستعمار رغم سكنه فرنسا لسنوات طويلة، لكن يبدو أن القلب والروح كانتا في مصر، رغم أنه كان مشروع أن يصبح في منصب شيخ الأزهر لكنه رفض بسبب وجود الاستعمار آنذاك، ورفض أيضاً التوقيع على عريضة تدين الإخوان المسلمين، رغم أنه لم يكن ضد ساسة الضباط الأحرار، فكان مشاركاً في كل ما من شأنه يأخذ موقفاً من الاحتلال الانكليزي وهو في فرنسا، فكان يطوف بالسفارات كاتباً وأحياناً خطيباً بالفرنسية لمطالبة بجلاء قوات الاحتلال، ولتعزيز تطلع مصر الفتية إلى الاستقلال بزعامة سعد زغلول وذلك قبل بعثته إلى فرنسا أي بين (1918 – 1919)، وحين عودته إلى مصر كان من أوائل من شكل طلائع المقاومين المتطوعين من طلبة ومدرسي الأزهر الشريف، رداً على العنف الانكليزي بمنطقة قناة السويس.
أثناء تواجده في فرنسا، كان ملازماً لأصحاب حركات التحرر الوطني ضد المستعمرين من جزائريين وفلسطينيين ومغاربة، يتشارك معهم وجع بلده ودفاعه عن شعب بلده مصر، كل ذلك ولم يكن ينتمي إلى حزب سياسي، لكنه ساند حركة سعد زغلول عام 1916، حتى بعد استقلال مصر وفي عهد الملك فاروق، كان يملك جرأة كبيرة لإنقاذ هيبة المملكة عندما كانت في مراحلها الأخيرة آنذاك، فهبّ العلامة دراز إليه ناصحاً ومقدّماً بين يديه مذكرة ينبهه فيها على أخطائه ويلتمس منه التحرك لإنقاذ ما بقي من وجه الملكية في مصر، رغم نجاح حركة الضباط الأحرار حينها بالانقلاب الذي حدث.(3)
العالم دراز هو شخصية اشتهرت بالكتب والأبحاث المتميزة في مقارنة الأديان والدراسات القرآنية، حيث سافر مع البعثة الأزهرية إلى فرنسا في العام 1936، وبقي فيها حتى عام 1947، حيث درس علم الاجتماع والفلسفة والتاريخ ومقارنة الأديان بجامعة السوربون، وحين عودته إلى مصر، اشتغل بالتدريس في جامعة القاهرة ودار العلوم والجامعة الأزهريّة، وأستاذاً للتفسير في كلية أصول الدين مع أساتذته الكبار، حيث بدأ تأثّره بالشيخ محمد عبده في طريقة تفسيره، وخاصّة فيما يتناول مبدأ الوحدة المعنوية لكل سورة من سور القرآن، وفصل عبد الله درّاز من وظيفته إثر اعتقاله لمشاركته في ثورة 1919، وفي أنشطة “جمعيّة الشبّان المسلمين” التي أسّسها الشيخ محب الدين الخطيب وكان من أعلامها، لكنه أعيد إلى عمله بالأزهر وتولّى منصب وكيله، وانتخب نائباً بين عامي (1938-1942) ثم أعيد انتخابه عام 1945 لكنه استقال منه في العام التالي بعد تعيينه مديراً للأزهر، كما مثّل الأزهر في المؤتمر العالمي للأديان في باريس عام 1939 وألقى كلمة شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي، وكتب عن علاقة الإسلام بالأديان الأخرى بطريقة منطقية، ولم يحتطب في حبل المستشرقين، إضافة إلى أنه كان كثير التجوال والرحلات، وكان يعرف عنه أنه ساهم في النشاطات الثقافية والدعوية التي كانت تقوم بها نوادي “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” في فرنسا، حيث تابع النشاط الإصلاحي للإمام عبد الحميد بن باديس وتبادل معه الرسائل، كما ربطته علاقات متينة برجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خاصة مع الشيخ الفضيل الورتلاني ممثل الجمعية في فرنسا في الثلاثينيات، ثم رئيس مكتبها بالقاهرة في الأربعينيات والخمسينيات.
قالوا عنه
وصف الإمام محمد البشير الإبراهيمي عبد الله درّاز بأنه عالم من غير الطراز المعروف، يمتاز بدقّة الملاحظة وسعة الأفق وسداد التفكير، و”ينفرد بخصوصيّة يندر جداً أن نراها على أكملها في عالم من علمائنا الدينيين، وهي العناية بدراسة أحوال المسلمين في جميع الأقطار، والافتتان بالبحث عن حركاتهم ونهضاتهم وعلائق بعضهم بالبعض، بحيث تحادثه في هذا الباب فتشرف على بحر متلاطم بالمعلومات الصحيحة المدقّقة عن المسلمين وحكوماتهم وجمعيّاتهم”، كما ذكر الشيخ عبد الله الأنصاري أن من شمائل عبد الله درّاز، “الفطنة والذكاء والحِلْم والأناة والتواضع والوداعة والوفاء والجرأة والإقدام والشهامة والصلابة في الحق ولباقة الحديث ولين العريكة والحدب على المرافقين”، أما الشيخ يوسف القرضاوي فقال عن أستاذه: “ما حدثنا وجلسنا إليه إلا وجدناه مشغولاً بأمر الإسلام وهموم المسلمين”.
وبالعودة إلى مفهوم التأصيل الذي كان من ضمن منهج العلامة الدكتور دراز، في كتاب “دستور الأخلاق في القرآن”، نجده كان يبحث عن جوانب “الأصالة” في طريقة عرض القرآن الكريم للتعليم الأخلاقي، ومن ذلك تميز القرآن عن الكتب والرسالات السابقة “بذلك الامتداد الرحب الذي ضم فيه جوهر القانون الأخلاقي كله، فهذا الكتاب حقاً دستور في دراسة مقارنة للأخلاق النظرية في القرآن الكريم.” وهو في الأصل أطروحة دكتوراه من جامعة السوربون، قدمها الشيخ دراز بالفرنسية، أطروحته هذه ليست دراسة في القرآن فحسب، وإنما هي دراسة مقارنة مع النظريات الغربية ذات العلاقة بالموضوعات التي يأتي عليها، وهي مقارنة تكشف عن عمق استيعابه، وتمكنه في العلوم الغربية وعلوم القرآن على حد سواء، كان الهدف منها، هو الكشف عن الطابع العام للأخلاق النظرية والعملية في القرآن الكريم. وقد رأى المؤلف أن ينهج في دراسة الجانب الأخلاقي في القرآن الكريم منهجاً مختلفاً عن مناهج العلماء السابقين في التراث الإسلامي، فقد لاحظ أن التعاليم الأخلاقية في هذا التراث على نوعين: تمثل النوع الأول في النصائح العلمية، التي تهتم بالقيمة العليا للفضيلة، مثل رسالة ابن حزم “مداواة النفوس.” أما النوع الثاني فتمثل في جهود بعض العلماء في وصف طبيعة النفس وملكاتها، وتحديد مراتب الفضيلة، بطريقة تتبع في الغالب نموذج أفلاطون أو نموذج أرسطو، مثل كتاب ابن مسكوية “تهذيب الأخلاق.” كما لاحظ أن بعض العلماء من جمع بين المنهجين، كما في كتاب “الذريعة” للأصفهاني، وكتاب “إحياء علوم الدين للغزالي.”، حيث لجأ دراز إلى دراسة الأخلاق وفق المفاهيم السائدة لدى العلماء المتخصصين المحدثين، مع إعمال المرجعية القرآنية المباشرة. وموضوع الدراسة في السياقات المعاصرة، وفي سياق دارسة “دراز”، هو موضوع فلسفي، والفلسفة أفكار مترابطة نابعة من العقل، يتم بناؤها وفق منهج متسلسل، والهدف هو بناء نسق من المبادئ العامة التي تفسر ظاهرة من الظواهر النفسية، أو الاجتماعية، أو الطبيعية.
لقد كان كتابه هذا دلالة من بينات إعجاز القرآن في منجهه، في منظومة علوم الأخلاق وتمايز النظم القرآني ومراميه في التربية وعلم الأخلاق ودلالة على قصور المذاهب التربوية والمدارس الأخلاقية الوضعية الأخرى وغيرها.
من هنا، كان شيخنا الجليل من أولئك الذين تقول عنهم بحق إن علومهم نستمد منها العبرة نحن وكل الدارسين ونجد أنها هذه الأعمال التي تركها لنا تعظم بجودة التأليف لا بكثرته، وبطرافته لا بتقليديته، ونحن بحاجة في ظل هذا الانفجار المعرفي وامتلاء المكتبات بأن نعرف ما ننتقي ونختار، ونعرف لمن نقرأ دون غيره، لقد كان أساتذته في السوربون يقولون لطلبة الدراسات العليا من القادمين الموفدين من بلاد الشرق الإسلامي…”إما أن تنتج مثلما أنتج دراز وإلا فعد من حيث أتيت… كل الناس جاء ليتعلم منا فتعلم إلا محمد عبدالله دراز جاء فعلمنا”.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان
المصادر:
- محمد عبد الله درّاز.. ابن الأزهر والسوربون – الجزيرة.
- منهج د. محمد عبد الله دراز في التأصيل الإسلامي لعلم الأخلاق في القرآن
- الأخلاق القرآنية في متن العلاّمة دراز
