أعاد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع إسحاق هرتسوغ رئيس الكيان الإسرائيلي الجديد، يوم الاثنين الثاني عشر من يوليو 2021، النقاش مجددًا حول العلاقات التركية الإسرائيلية المميّزة، عندما قدّم له التهنئة على توليه منصبه؛ وممّا قاله أردوغان إنّ “العلاقات التركية الإسرائيلية لها أهمية كبيرة لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط”، وفقًا لما نقلته وكالة أنباء “الأناضول” التركية الرسمية. وعدّد المجالات التي يمكن للبلدين أن يتعاونا فيها قائلا: “تركيا وإسرائيل لديهما إمكانات كبيرة في مختلف المجالات لاسيما في الطاقة والسياحة والتكنولوجيا”. ولم يفوّت الرئيس التركي تلك اللازمة التي يردّدها الكلّ ممن يتقرب إلى الكيان الصهيوني، عندما قال إنّ “أي خطوات إيجابية سيتم اتخاذها لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ستسهم أيضًا في سير العلاقات التركية الإسرائيلية بمنحى إيجابي”؛ فيما كرر هرتسوغ في حسابه في تويتر ما قاله أردوغان: “تحدثتُ الليلة مع الرئيس التركي، الذي اتصل بي لتهنئتي على تنصيبي. وأكد كلانا أنّ العلاقات الإسرائيلية التركية لها أهمية كبيرة للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط”.
نمت العلاقات الإسرائيلية التركية بشكل ملحوظ في السنوات الماضية، وتذبذبت أحيانًا أخرى، بسبب المواقف الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، رغم التصريحات النارية الصادرة عن الرئيس أردوغان واستدعاء السفير التركي من تل أبيب عام 2018؛ فقد وصل حجم التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين البلدين إلى مستويات كبيرة بعد مرور أربعة أشهر من العام الجاري، في وقت تتصاعد فيه لهجة المسؤولين الأتراك على رأسهم الرئيس أردوغان ضد إسرائيل ويصفونها بـ”الدولة الإرهابية”، على خلفية الأحداث التي شهدها قطاع غزة والضفة الغربية.
ويشير تقرير نشرته قناة “الحرة” في الثامن عشر من مايو 2021، أنه منذ سنوات طويلة تسير العلاقات التركية الإسرائيلية على مبدأ “فصل الاقتصاد عن السياسية”، في معادلة تثبت أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك ربط بين التصريحات السياسية بشتى أصنافها “اللاذعة” أو “السلسة” مع حجم التبادل التجاري بين دولتين معينتين.
هذه حقيقةً مفارقةٌ عجيبةٌ وغريبةٌ، أن ينتقد رئيسُ دولةٍ ما دولةً أخرى بسبب إجرامها فيما يتعامل مع هذه الدولة عسكريًا واقتصاديًا؛ فأردوغان يعرف تمامًا الإجرام الإسرائيلي، وسبق له أن وجّه انتقادات حادة لها قائلا “إنهم قتلة لدرجة أنهم يقتلون أطفالا بعمر خمس وست سنوات. لا يشبعهم إلا سفك الدماء”، ولكنه في الواقع يتعامل معها عكس تصريحاته العلنية، وربما كانت قمة التأزم بين البلدين، عندما اعترضت البحرية الإسرائيلية سفينة مرمرة في الحادي والثلاثين من مايو 2010، حيث قتل الكوماندوز الإسرائيلي عشرة ناشطين أتراك كانوا متوجهين إلى غزة، وإثر ذلك طردت تركيا السفير الإسرائيلي وجمّدت التعاون العسكري، وقلصت الدولتان تبادل المعلومات المخابراتية وألغيتا تدريبات عسكرية مشتركة؛ لكن حالة القطيعة لم تدم طويلا؛ ففي عام 2016، استأنفت تركيا العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وأكد أردوغان في حينه حصول اتفاق مع إسرائيل، وأنّ “العلاقات الاقتصادية معها ستبدأ في التحسن”.
حرص أردوغان على لقاء جميع زعماء الكيان الإسرائيلي الذين عاصروه، بدايةً من أريل شارون فإيهود أولمرت ثم بنيامين نتانياهو، وقام بزيارة رسمية لإسرائيل في الأول من مايو 2005 بعد سنتين من توليه رئاسة الوزراء في تركيا. وفي إحدى استقبالاته لأردوغان قال له شارون “أهلاً بك في القدس عاصمة للشعب اليهودي”، ولم ينطق أردوغان بأيّ كلمة اعتراض. وحظي أردوغان طيلة الزيارة – حسب رأي المحلل التركي حسني محلي – باهتمام مكثف وخاص ومميز من قبل المسؤولين الإسرائيليين، الذين استنفروا كلّ إمكاناتهم السياسية والاقتصادية والنفسية لكسب وده وود تركيا “المهمة بالنسبة لإسرائيل وحساباتها في المنطقة العربية”، وأشار حسني محلي إلى أنّ الإسرائيليين تمادوا في مدحهم لأردوغان وحكومته، بعد أن عبّروا له عن استعداد تل ابيب ومنظمات اللوبي اليهودي في أميركا لتقديم كافة أنواع الدعم لتركيا ومشاكلها الداخلية والخارجية، فيما دغدغ شيمون بيريز مشاعر أردوغان بأن قال إنه “لو كان مسلمًا لاعتبر أردوغان نموذجًا مثاليًا بالنسبة له”. ولم يطل المقام ببيريز طويلا بعد تلك العبارة إذ قام بزيارة لتركيا في الرابع عشر من نوفمبر عام 2007 وألقى خطابًا أمام أعضاء البرلمان التركي ذي الأغلبية المسلمة في ظاهرة حدثت للمرة الأولى.
عمومًا، إنّ العلاقات التركية الإسرائيلية ليست جديدة، فهي تعود إلى فترة مبكرة من إنشاء الكيان الإسرائيلي، حيث تم إضفاء الطابع الرسمي عليها في مارس 1949، عندما كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل، فأعطى البلدان أولوية عالية للتعاون العسكري والاستراتيجي والدبلوماسي، تُوّجت عام 1958، بتوقيع دافيد بن غوريون رئيس الوزراء الإسرائيلي وعدنان مندريس رئيس الوزراء التركي اتفاقية تعاون ضد التطرف ونفوذ الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط. وفي فبراير عام 1991 تبادلت الحكومتان السفراء، وتطورت العلاقات العسكرية بين البلدين ليشهد شهر أغسطس 1996، توقيع اتفاقيات تعاون عسكري نصت على تشكيل مجموعة أبحاث استراتيجية مشتركة، ومناورات مشتركة بين جيشي البلدين، منها تدريب “عروس البحر”، وهي تدريبات بحرية بدأت منذ يناير 1998، ونص الاتفاق على وجود مستشارين عسكريين إسرائيليين في القوات المسلحة التركية، وأن تشتري تركيا من إسرائيل العديد من الأسلحة، وكذلك تقوم إسرائيل بتحديث الجيش التركي وتزويده بدبابات وطائرات حربية.
وإذا كانت هذه العلاقات قديمة، فإنها كانت معلنة ولم تُظهر الحكومات التركية السابقة عداءَها لإسرائيل كما يفعل حزب العدالة والتنمية الحاكم الآن في تركيا؛ فالخطابُ التركي الرسمي تجاه إسرائيل يبدو كأنه عدواني لكن الواقع يقول إنّ تركيا تُعتبر شريك إسرائيل الاستراتيجي في العديد من المجالات، في صورة واضحة للازدواجية في المواقف تجاه الإسرائيليين والفلسطينيين؛ فتركيا تعلن دعمها للقضية الفلسطينية وتحرص دائمًا على إظهار عدائها الكلامي لإسرائيل، واستطاعت بذلك أن تخدع الكثيرين من المخدوعين بالتصريحات النارية الرنانة، وهي آلية من آليات الرئيس رجب طيب أردوغان ليحظى بدعم الشارع التركي الداخلي، وكذلك عطف الشعوب العربية التي تبحث دائمًا وأبدًا عن بطل مخلّص، وفي الوقت ذاته يكسب ود إسرائيل ومَن وراءها، وفي ظني أنه نجح في ذلك ولكن السؤال هو إلى متى؟!
بقلم زاهر بن حارث المحروقي
جريدة عمان. عدد الأثنين 26 يوليو 2021

